قضايا

مصطفى غلمان: اِسْتِعـَارَات

حين تتحول الاستعارة إلى درجٍ خفي في مكتب الحياة، أو إلى ريشةٍ تكمّل جناح طائر، يغدو بالإمكان استدراج الحكمة من تخوم المستحيل، حيث تنمو ببطء، كما لو أنها تتعلم المشي في حضنه. فالإنسان في جوهره، لا يحتمل مواجهة الواقع عاريا.. إنه يفرّ منه حينا، ويؤوّله حينا آخر، ويستحييه غالبا، ثم لا يلتقط مآسيه إلا عند آخر حدود الرؤية.

الاستعارة ليست ترفا لغويا، بل نسقٌ من التأويل غير الفائض، يراعي هشاشتنا في الإصغاء، ويمنحنا مهلة لكتمان الحقيقة، وتذوّق الخديعة بجرعات محتملة. غير أنها رغم لطفها الظاهري، لا ترحم ضعفنا أمام الحقيقة المرة، أيًّا كان ثقل الألم الذي تحمله. فنحن نفهم الاستعارة غالبا كما لو أنها تقف ضد قناعاتنا، وضد إراداتنا، وضد محاولاتنا المتكررة لاختراع معنى للصمود في الحياة.

لكن الاستعارة في معناها العميق، ليست نقيضا للثبات، بل تفريغٌ لليقين الزائف، وتأسيسٌ لاكتمال الرؤية، وانعطافٌ واعٍ نحو الشك بوصفه أصلا للمعرفة. إنها ليست هروبا من الحقيقة، بل طريقة أخرى للاقتراب منها دون أن نسحق تحت وطأتها.

وحين قال ميلان كونديرا إن “الإمساك بجوهر الإنسان لا يتم إلا عبر الاستعارة، بواسطة الومضة الموحية”، كان يشير إلى تلك اللحظة التي يتصل فيها الإنسان بعالمه الخلفي، حيث يستعيد جوهره من الفشل، ويعيد تشكيل أحلامه انطلاقا من العدم. فهناك، في تلك المنطقة الهشة، تصبح الاستعارة قدرةً مشبعة بالصدى.. أن نصغي إلى أصواتنا الداخلية، دون أن نربك مصير انتمائنا للزمن، أو نخلخل علاقتنا بتداعياته، تلك التي كثيرا ما تتواطأ على تقويض أحلامنا نفسها.

2 ـ

لا نعادي كرة القدم.. لا ازدراءً لها ولا جفاءً للفرح الذي تعد به، فخفّة الروح قادرة على التقاط إيقاعات النصر وصوغها عبارات منسجمة مع البهجة. غير أننا نختار الابتعاد، لا نفورا بل اتقاءً لوجعٍ مألوف: وجع الاضطرار إلى تصريف خيبة غير متوقعة، وتحويلها إلى مراثٍ شعرية لا تزيد الألم إلا رسوخا.

إننا تدرك أن الهزيمة، حين تُستعاد عبر طقس التنفيس، لا تُشفى بل تُعاد كتابتها. لذلك نميل إلى ملء الفراغ بما هو يومي وبسيط، بشؤون البيت ونظامه، لا هربا من لحظة نهائية غير عادلة، بل حفاظا على توازنٍ داخلي لا تريد تعريضه لانفعالات لا طائل منها. فالوقت، وإن كان متسعا لمشاهدة مباراة حاسمة، يتسع أكثر للتأمل في جدوى المشاهدة ذاتها.

إننا نستعيد زخم اللحظة عبر أسئلة ذهنية هادئة: إلى أين يمضي هذا الفيض الصاخب من الاحتجاج على الهزيمة؟ وما معنى أن نروّع أنفسنا بما لا يمكن تبريره أو إصلاحه؟.

أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تكشف عبث التعلّق بما يفلت من السيطرة.

لهذا نختار أن تتراجع خطوة عن انحياز القلب الوطني، لا خيانة له، بل إنقاذا للعقل من الاستنزاف. نعود إلى عزلتنا، لا باعتبارها انسحابا، بل بوصفها فضاءً للجدل الإيجابي، حيث يمكن استثمار الفكر والمعنى، وحيث يصبح الوجود قابلا لتأويلٍ أقل انفعالا وأكثر اتزانا.

ونبقى أوفياء لعبارة نردّدها كوصية صامتة: لندع الفراغات الموحشة لمن يتقن صناعة الأمل فيما لا يجدي. أما الحياة، فربما أجدر بنا أن نقبلها كما هي، عارية من الحقد والضغينة والاحتيال، بسيطة بما يكفي لأن تُعاش، وعميقة بما يكفي لأن تُفهم.

3 ـ

لا يحدث الانكسار إلا حين تدفعنا قوة خفية، لا نراها بقدر ما نشعر بثقلها، إلى أن نعيد امتلاك أنفسنا من بين الشظايا. ننكسر كي نلتقط جراحنا المشرعة على العراء، لا لنخفيها، بل لنفهم معناها. فالانكسار ليس سقوطا خالصا، بل وجعا مؤقتا، وانسحابا واعيا لتأجيل متاهات لم نعد قادرين على عبورها دفعة واحدة. وحين يتقاطع الألم مع التفكير، تتاح لنا فرصة نادرة لاسترجاع تلك الجذوة التي كادت تنطفئ.. حلمٌ كان هاربا نحو اللاجدوى، فيعود مترددا، ليمنح للوجود مبررا آخر للاستمرار.

4 ـ

تستبدّ بي، كلما تابعت انفعالات الجماهير وهي تلاحق أطوار منافسات كأس الأمم الإفريقية، حالةٌ من الحنين الهادئ، أقرب إلى ارتداد الذاكرة على ذاتها، حيث تمتزج صور الطفولة ببقايا الشباب، وتطلّ كرة القدم بوصفها أثرا وجوديا أكثر منها لعبة.

لم تكن آنذاك مجرد تسلية عابرة أو فرجة جماعية، بل كانت جزءا من نسيجنا النفسي والاجتماعي، عنصرا مكوِّناً لهويتنا الناشئة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بكل ما حملته تلك المرحلة من هشاشة وصدق وبساطة، قبل أن تتحول اللعبة إلى صناعة مكتملة الأركان للمال والنجومية والتمثيل الرمزي للقوة.

كنا نلعب كرة القدم بأدوات لا تستوفي شروط اللعبة، لكنّها كانت تستوفي شروط الحلم. بالونات بلاستيكية منفوخة، أو جلد مهترئ محشو بما تيسر من مواد تالفة، وعلى أرضيات مجروحة بالحفر، مثقلة بالحجر والطوب، لا تعرف الاستواء ولا الرحمة. وما إن نغادر فضاء المدرسة، التي كانت تستهلك طاقاتنا الصغيرة وتستنزف صبرنا الغض، حتى نندفع بأجسادنا النحيلة نحو ما نسميه ملعبا، وهو في الحقيقة مساحة قاسية لا تصلح للجري ولا للاحتفال، ومع ذلك كانت قادرة على احتضان فرحنا الخام.

هناك، في تلك البقعة الترابية، كانت تتشكل علاقتنا الأولى بالعالم.. بالصراخ، بالجري، بالاحتكاك، وباللعب دون حساب للوقت أو الخسارة. كنت أتقمص كل الأدوار دفعة واحدة.. أهاجم حينا، أدافع حينا آخر، وأقف حارسا للمرمى أغلب الوقت، لا عن اختيار واعٍ، بل لأن الفريق كان يهيئني لذلك بحكم طول قامتي، وكأن الجسد نفسه كان يفرض قدَره الكروي قبل أن يفرض عليه الزمن أقداره الأخرى. كانت الحراسة، بالنسبة لي، موقعاً للمواجهة والصبر والعزلة المؤقتة، لا وظيفة تكتيكية فحسب.

هذه المشاهد لا تغادرني، بل تعود إليّ في هيئة حنين نوستالجي غريب، كلما لمحت ضوءا يشبه ضوء ذلك الزمن، أو سمعت صرخة أحد أطفالي منفعلا بمباراة ما. غير أن اللعبة اليوم لم تعد تثير فيّ الحماسة ذاتها، ولا تستنفر وجداني كما كانت تفعل. صارت فكرة أكثر منها تجربة، عرضا بصريا أكثر منها ممارسة روحية.

أحب كرة القدم، نعم، لكنّها لم تعد توقظ في داخلي ذلك الفرح البدئي، ولا تعيد إنتاج تلك العلاقة البريئة مع الخسارة والانتصار. بل إن خسارة فريقي المفضل، اليوم، لا تفتح فيّ سوى مسافة باردة بين ما كنتُه وما صرتُه، بين لعبة كانت تشبهنا، ولعبة صرنا غرباء عنها.

هكذا، تتحول كرة القدم في الذاكرة إلى استعارة كبرى عن الزمن نفسه.. عن طفولة لا تعود، وبساطة لا تُستعاد، وعالم كان أقل بهرجة، لكنه أكثر صدقاً. وفي هذا الاسترجاع، لا أبحث عن تمجيد الماضي بقدر ما أفتش عن تلك الشرارة الإنسانية الأولى، التي كانت تجعل من اللعب فعلاً للحياة، لا مجرد صناعة للفرجة والنتائج.

5 ـ

البياضات في النصّ… همسات بلا صوت، فراغات بلا حدود، تنبثق كأصداء داخل الصمت، لا يعرفها الكاتب، ولا يملكها القارئ. هي خطوط بين الظاهر والباطن، مسافات تُفلت من المنطق، تتحرك على هامش المعنى، تتسلل كظلال بين الحروف، فتفتح أبوابا لغيب لا يُرى.

في هذه المساحات، يصبح الغياب حضورا، وتتحول الإشارة إلى أيقونة. كما في السينما المشهدية، حيث الصورة تحكم المشهد، لكنها تخفي عن عينك قدراتها النصية، فتتوه بين الاستعارة والتوجس، بين المباشرة والسرّ، بين ما يُرى وما يختبئ في الظلال.

هنا، في قلب الفراغ، يولد المعنى، ليس على نحو قاطع أو محدد، بل كإشراقة تتناثر بين الكلمات، حيث يصبح الصمت خطابا، والغياب حضورا، والبياض دعوة، ليس فقط للقراءة، بل للمشي بين ضفاف النصّ، والتأمل في سحره الذي لا ينتهي، في رحلة دائمة بين السؤال والجواب، بين الرؤية والخيال، بين ما نعرف وما نغفل.

6 ـ

ما بين جناحين لا يعود للطيران معنى الحركة، بل معنى الانفصال المؤقت عن الاسم، إذ الفراشة لا تشق السماء.. إنها تُؤجِّل ثقلها كي تختبر خفة الكينونة، فتدخل الفضاء لا بوصفه علوًّا، بل باعتباره احتمالا للوجود حين يتحرر من علله.

السماء هنا مقامٌ مائيٌّ يتعلّم من الغيم كيف يكون الحضور بلا امتلاء، وكيف يصير النور فعلا بلا مركز، ينقضّ على الجاذبية لا ليهزمها، بل ليُذكِّرها بأنها ميلٌ قابل للتأويل، وأن السقوط ليس نقيض العروج، بل صورته غير المفهومة بعد.

الفراشة في عبورها، لا تعصي الأرض ولا تغادرها، بل تضعها بين قوسين، كما توضع الفكرة حين تُمحى حدودها لتُرى في أصلها، فالأرض من هذا الاتزان الدقيق بين جناحين تبدو أقل واقعية وأكثر صدقًا، كأنها حقل نعناع ميتافيزيقي، لا يُشمّ بالحواس بل بالطمأنينة، يمسح جبينه من بقايا أضواء تاهت لأنها لم تجد معنى تستقر فيه. وفي ذلك، يتصالح الحارّ والبارد لا كدرجتين حراريتين، بل كإشارتين على وحدة الضدّ، إذ الهواء يصبح فكرا معلّقا، والفكر نسيمًا لا يُمسك.

وليس ما يحدث رؤية بالمعنى البصري، بل انكشاف بلا صورة، نقطة صمتٍ تستعير فضاءها كي تقول دون لغة إن الوجود لا يبدأ من الأرض ولا من السماء، بل من تلك اللحظة التي ينسى فيها الكائن سبب وجوده، فيصير وجودا خالصا...

قصيدة لا تُكتب، لأن الكتابة سقوطٌ آخر، ولأن البداية الحقيقية ليست حركة ولا سكونًا، بل ارتجافة المعنى حين يعي أنه كان حاضرًا قبل أن يُسمّى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

 

في المثقف اليوم