قضايا

علي عمرون: البشير ربوح.. فيلسوف الفعل وسؤال التحرر

في البدء كان الانسان ثم رحل

لم يكن البشير ربوح مثقفا تقليدياً، بل كان "الإنسان الفيلسوف والمفكر الثوري" فهو المفرد بصيغة الجمع "لا يظهر إلا مبتسما"، قريباً من الناس في الأسواق والمقاهي، منخرطاً في النسيج الاجتماعي لمدينته رأس الوادي ومسقط رأسه، كان بشير خير فاعلا متحركا في سعيه نحو الاكتمال جامعا بين شرف الاسم وتميز المسمى قولا وفعلا، كان كما وصفه صديقه عبد الحكيم بليليطة، "فلسفة تتحرك" فهو القائل في مفتتح كتاب فلسفة الفعل - من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد " حين تريد الفلسفة أن تفكر، أن تسأل، أن تتخطى، أن تنقد، فما عليها إلاّ أن تعانق الحياة. معانقة تقودنا مباشرة إلى مفاصلها، وتعاريقها، وانشغالاتها. ربَّ انفتاح يمنحنا فرصة التحرر من الكسل، والقحط الوجودي، والتحجر، والانغلاق، ويضعنا في قلبها النابض بعشقها"

منذ البداية، اختط البشير ربوح لنفسه مساراً متميزاً. فحين سُئل في حوار فلسفي "من هو؟"، امتنع عن الإجابة المباشرة، معتبراً إياها سؤالاً "نيتشوياً" يستدعي النرجسية، وقدم نفسه ببساطة على أنه "الباحث المتواضع في مجال الفلسفة" كان هذا التواضع المعرفي عنواناً لرجل هو سقراط عصره، وظف كل طاقته في الفعل والفكر. لقد آمن بأن الفلسفة ليست حبيسة الأبراج العاجية، بل هي، في صميمها، حقلٌ دسمٌ للحياة اليومية والتحولات التاريخية. من هنا انطلق مشروعه من "التفكر مع كبار المفكرين" مثل هايدغر والمسيري وإدوارد سعيد، لا بوصفهم نصوصاً جامدة، بل بوصفهم شركاء في حوار يستهدف فهم أغوار العقل الغربي والبحث عن نموذج معرفي عربي متميز .

غير أن هذا الانشغال النظري لم يبقَ حبيس الصفحات. لقد تحول عند صديقنا البشير إلى "براكسيس" حي، إلى فلسفة فعل. فمع انطلاق الحراك الشعبي الجزائري في 2019، كان كمال في الصفوف الأولى، منخرطاً بكل كيانه، كان يرى في الحراك "منعطفاً تاريخياً" و "حقلًا كريماً للتفلسف الحق"، من الساحات العمومية يتحول الشارع إلى ما أسماه "الشارع الأنطولوجي"، أي فضاء وجودي تتحقق فيه الكينونة الحرة والقادمة للمجتمع لم يكن حضوره واجبا أخلاقيا فحسب، بل كان قراءة فلسفية عميقة؛ حيث وظف مفهوم هايدغر القائل بأن "اللغة هي بيت الكينونة" لاستكناه لغة الحراك، شعاراته ومفرداته، ليرصد من خلالها القطيعة التي أحدثها جيل جديد مع الماضي، كان همه أن "يُنتج معاني جديدة ويتصارع مع المعاني البائدة"

وإذا كنا اليوم نفتقده ونتحدث عن رحيله، فلا نروم من ذلك رثاء شخص عزيز فحسب، رغم ما يحمله الفراق من ألم، بل نرى فيه واجباً للصديق تجاه صديقه، وللتلميذ تجاه أستاذه: واجب الحفاظ على ذاكرته من خلال النبش في مشروعه الفكري واستئناف أسئلته الحارقة. فهو لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان ظاهرة فريدة جمعت بين العمق النظري المتجذر في التراث الفكري العالمي، والفعل الواعي المنغمس في قلب الواقع الاجتماعي والسياسي.

رحل البشير ربوح وهو يؤمن بأن النص الفلسفي، بما يكتنزه من زخم الدال وعمق المدلول، هو من يحرر الوعي ويوقظه من سباته، وهو من يغير الواقع ويصنع أفق التنوير. لقد رحل جسده، لكن أفكاره ونصوصه لا تزال متحركة نابضة بالحياة؛ فالنصوص العظيمة، كالنفوس النبيلة حية لا تموت. لذا فإن الحديث عن رحيله هو في الحقيقة حديث عن بيان استمرارية. إن الفراغ الذي تركه ليس فراغاً عدماً، بل هو مساحة مشحونة بالأسئلة والمشاريع التي أنجز بعضها وترك بعضها الآخر.

بناءً على هذا، يتساءل مقالنا: كيف شخّص ربوح "الخطيئة الأصلية" للتخلف الفكري والسياسي في واقعنا؟ وكيف حاول، عبر أدواته الفلسفية المركبة وحسه العميق باللحظة التاريخية، أن يبلور مشروعاً للخروج من هذه الدائرة؟ كيف ننتقل من حالة الاستهلاك والتلقي إلى حقيقة الإنتاج الحضاري المستقل؟ وأي إجابات قدمها على سؤال النهضة الذي لا يزال يشغلنا، مقترحاً طريقاً من "التشريح" إلى "التأسيس"، ومن "الفكر" إلى "الفعل"؟

في البدء كانت الخطيئة: تشخيص عوائق التخلف

إذا كان لكل سقوطٍ خطيئةٌ أولى، فقد وجد البشير ربوح خطيئة التجربة العربية الحديثة كامنةً في نظامٍ خماسي العطب، لا في مجرد أخطاء عارضة. لم تكن المشكلة لديه هي غياب العقول أو نقص الإرادات الفردية، بل خللٌ بنيوي أصاب علاقة الفكر بذاته، وعلاقة النخب ببعضها، وعلاقة المعرفة بالواقع. كانت "الخطيئة" هي تحوّل هذه العلاقات إلى دوائر مغلقة تعيد إنتاج التخلف، بدلاً من أن تكون محركات للتحرر.

- العطب الأول: الفكر التشريحي، أو "العقل الذي لم يتصيّر عقلاً بعد"

رأى ربوح أن الفكر العربي، رغم جهود كبار رواده في القرن العشرين، ظلَّ في مجمله "قاصرًا" و"يقتات على ما ينتجه العقل الغربي". والخطيئة هنا لم تكمن في طبيعة مشاريع المفكرين من الجابري واركون إلى سعيد والمسيري إلى حنفي...، بل في نتائج هذه المشاريع ذاتها التي ظلت – برأيه – في معظمها "نصوصًا تشريحية". لقد قامت بعملية تشريح رائعة لجثة الموروث، وكشفت عن "العقل السياسي" و"العقل الأخلاقي"، لكنها، في عمقها، لم تتحول إلى "نصوص بنائية" تضع لبنات المستقبل. النتيجة كانت فكرًا يملك أدوات هدم الماضي (نزعة نيتشوية/تفكيكية)، لكنه يفتقر إلى أدوات بناء الغد (منطق كانطي تأسيسي). هذا ما جعله، بحسب تشخيص ربوح القاسي، "عاجزًا عن فهم 'الحدث'" – أي التحولات العنيفة الكبرى كالربيع العربي – الذي تحول إلى "هتاف" انفعالي أو تأييد سطحي، لا إلى رؤية قادرة على التحليل والتوجيه.

- العطب الثاني: النخب المتشرنقة، أو من "الفرديات النخبوية" إلى غياب "الكتلة التاريخية"

لم يكن ربوح يخشى توجيه سهام نقده إلى الداخل، إلى شركائه في الحقل الثقافي. ففي وصفه الدقيق والصادم، رأى ان ما نملكه في الواقع العربي ليس "نخبة" بالمعنى الفاعل، بل "فرديات نخبوية". هؤلاء الأفراد – رغم امتلاكهم المعرفة والكفاءة – ظلوا جزرًا منعزلة، "لا تلتقي على مستوى المكان أو الرؤيا أو حتى الأسئلة الكبرى". أما النخبة الحقيقية، في منظوره المستلهم من غرامشي، فهي "الكتلة التاريخية"؛ كتلة تتماسك حول رؤية مشتركة وأسئلة مصيرية، وتستطيع تحويل معرفتها إلى فعل يغير وجه التاريخ. غياب هذا الكيان الحواري الفاعل جعل من الصعب تجاوز حالة "التصحر الثقافي"، حيث تتبدد الطاقات في صراعات هامشية، وتفشل في تشكيل قوة مجتمعة قادرة على مواجهة إما "القوى اللا تاريخية" ذات الوعد الميتافيزيقي (كما يصف التطرف الديني)، أو "النخب اليَعقُوبِيَّة" العلمانية التي فشلت – برأيه – في استنبات قيم حداثية حقيقية في التربة المحلية.

العطب الثالث: الجامعة المُلغاة، أو الانفصام بين "المعرفة" و"الوعي" و"الفعل"

هنا يقدم ربوح تمييزًا فلسفيًا جوهريًا. فالنخب، أو "الفرديات النخبوية"، قد تكتظ أذهانها بالمعرفة، لكنها تفشل في تحويل هذه المعرفة إلى "وعي". والوعي عنده ليس مجرد حشو معلوماتي، بل هو "المقدرة على اكتشاف الذات التي تعي ذاتها والعالم المحيط بها... وأن تكون ذاتًا واعية وناقدة، فاهمة وتسأل باستمرار" هذا الفشل في التحويل ليس بريئًا؛ فهو مرتبط، في تشخيصه، بـ "العجز البنيوي" الذي أصاب الجامعة الجزائرية والعربية، والتي من المفترض أن تكون "عقل الدولة". لقد رأى أن النظام السياسي البائد عمل بوعي على "لَجْم" الجامعة وعزلها عن الهم العام، مما رفع "منسوب غياب الكفاءة" وأفقدها دورها كرافد للنقد وتقديم الرؤى المغايرة. وبذلك، حُوصرت المعرفة في أروقة أكاديمية، ومنعت من أن تصبح وقودًا للوعي النقدي، ومن ثم محركًا للفعل التغييري في الشارع والواقع.

العطب الرابع: النظام السياسي المُعطوب وشرعية القبضة الحديدية

لم يكن نقد ربوح منصباً على المثقفين والجامعة فقط، بل امتدّ بجرأة إلى النظام السياسي الذي نشأ في مرحلة "الدولة الوطنية" ما بعد الاستعمار. رأى ربوح أن هذا النظام، الذي ادعى الشرعية الثورية والتاريخية، قام في الحقيقة على "رؤية تصحيرية لكل المجالات، وبخاصة المجال الثقافي". لقد أسس لهيمنته على أيديولوجيا أشبه بـ "البرقع"، جمعت بين بقايا المنظور الريفي وترسبات النظام الاشتراكي، في مزيج غارق – بحسب وصفه – في "السطحية والابتذال".

كانت استراتيجية هذا النظام، كما حللها ربوح، قائمة على وأد أي صوت نقدي مستقل. فقد "دشّن مسلكًا يعتمد على إبعاد الشخصيات النخبوية، التي تمردت على خطابها، أو العمل على طردها من الفضاء العام وتهميشها". لقد سلط الضوء على مصير مثقفين كبار مثل كاتب ياسين، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومفدي زكريا، ومحمد حربي، الذين دفعهم النظام إما إلى الصمت أو الانزواء أو المنفى. وفي المقابل، شجّع على ظهور "شخصيات نخبوية انخرطت وتورطت في خطاب النظام القائم، بحسب قناعات هشة"، جعلتها أقرب إلى فهم منطق السلطة منها إلى فهم قضايا المجتمع.

هكذا، تحولت "الشرعية الثورية" من إطار لتأسيس دولة المواطنة والحريات، إلى غطاء ميتافيزيقي لاستبداد جديد. لم يؤمن هذا النظام بـ "الرأي الآخر" لأنه رأى في أي اختلاف تهديداً لأسطورة تماسكه المطلق. وكانت النتيجة، كما لاحظ ربوح في سياق الحراك، "فترة عبثية من الحكم البائد" عملت على "لجم المؤسسة الجامعية ونخبتها عن التواجد والحضور والمشاركة في الفضاء العام، ومقاسمة الهموم الوطنية". لقد حورب كل من حاول تقديم رؤى مغايرة، مما خلق فراغاً فكرياً وسياسياً استغلته لاحقاً قوى التطرف والعنف من جميع الجهات.

العطب الخامس: الخطاب الديني المُشتَّت بين "الوعد الميتافيزيقي" و"التبرير السلبي"

يمثل تحليل ربوح للخطاب الديني السائد في الواقع العربي امتداداً طبيعياً لتشخيصه للنظام السياسي المعطوب، حيث يرى أن الخطاب الديني التقليدي وقع في فخين متكاملين ساهما في تعميق الأزمة بدلاً من حلها: فخ التبرير السلبي للواقع، وفخ المواجهة العدائية مع الحداثة.

لم يكن ربوح ينقد الدينَ كجوهر روحي أو قيمة أخلاقية، بل كان ينقد الخطاب المشوَّه الذي حوَّل الدين من قوة تحرر وإلهام إلى أداة لتبرير القصور التاريخي. رأى ربوح أن نسخةً من هذا الخطاب قد تحولت إلى "قوى لا تاريخية، ترى في نفسها الفئة المرشحة لامتلاك السلطة، بحسبانها وعدًا ميتافيزيقيًا، وبالنظر إلى كونها مالكة للحقيقة المطلقة" في هذه الرؤية المغلقة، يتحول التخلف إلى قدر إلهي أو عقاب غيبي، ويُصوَّر الغرب على أنه كتلة منحطة أخلاقياً جُعلت سلطةً على المسلمين عقاباً لهم. هذا المنطق، كما حلله ربوح، يؤدي إلى استقالة مريحة من الفعل التاريخي، ويحوّل الصراع من كونه صراعاً على بناء الذات والمستقبل، إلى مجرد رد فعل دفاعي يخلط بين مقاومة الهيمنة ورفض كل ما أنتجه "الآخر".

في المقابل، وفي الجانب النقيض، لم يُعفِ ربوح ما أسماهم "النخب اليَعقُوبِيَّة" العلمانية من النقد. فقد رأى أن خطابها العنيف والقمعي تجاه الموروث الديني، تحت شعار التحديث القسري، كان "عنفاً آخر استوطن في التجربة العلمانية العربية" هذه النخب، التي فشلت – برأيه – في "استنبات قيم حداثية داخل مجتمعات تقليدية" أو تقديم الكوني كقيم إنسانية مشتركة، ساهمت في استفزاز ردات الفعل الانكفائية وحصْر الدين في أيدي أصحاب الخطاب التبريري أو التكفيري.

هكذا، رسم ربوح صورة لـ خطاب ديني محاصر بين مطرقة قوى داخلية تختزله إلى أداة تبرير سلبي أو صراع هووياتي مغلق، وسندان قوى علمانية عنيفة ترفضه جملةً وتفصيلاً. وكانت النتيجة، في تحليله، تغريب الدين عن مجاله الحضاري الفاعل وإبعاده عن أن يكون مصدراً لأخلاقيات التجديد والحوار والتقدم. من هنا، جاء اهتمامه الشديد بفكر عبد الوهاب المسيري، الذي يقدم نقداً داخلياً للمادية الغربية من منظور إنساني يمكن أن يستوعب البعد الروحي دون انغلاق. كما أن مشروعه الشخصي حول إدوارد سعيد كان يهدف إلى تفكيك ثنائية "نحن" المتخلفة مقابل "هم" المتقدمة، والبحث عن هوية منفتحة وقادرة على الفعل.

لذا، فإن تشخيص ربوح للخطاب الديني يُكمل مشهد "الخطيئة الأصلية": فكما أن النظام السياسي عطَّل الفضاء العام، والنظام الفكري عطَّل قدرة البناء، فإن هذا النمط من الخطاب الديني – في بعض تجلياته – ساهم في تعطيل الطاقة الأخلاقية والروحية للأمة، وحَوْلها إما إلى طاقة سلبية مستسلمة، أو إلى طاقة غضب عدائي منكفئ على الذات. خروجه من هذا المأزق لم يكن في تبني خطاب ديني محافظ أو علماني متطرف، بل في البحث عن "حداثة عربية خالصة"، كما قال، قادرة على استيعاب التراث الروحي ضمن أفق نقدي ومنفتح، يجعل من الدين مصدراً للتساؤل عن العدل والحرية والكرامة، لا أداةً للهروب من مسؤولية التاريخ.

مشروع البناء: نحو فلسفة الفعل والشارع الأنطولوجي

إذا كان تشخيص البشير ربوح لواقع التخلف العربي قد بلغ قسوة تشريح الجثة، فإن مشروعه للبناء كان جراحة طموحة لإعادة إحيائها. لم تكن "فلسفة الفعل" و"الشارع الأنطولوجي" مجرد مصطلحات براقة، بل كانتا خارطة طريق عملية للخروج من دائرة العطب الخماسي (الفكر التشريحي، النخب المتشرنقة، النظام السياسي المعطوب، الخطاب الديني المشتت، والمنظومة الثقافية الفاسدة). كان مشروعه إجابة على سؤال مركزي: كيف نتحول من حالة "القصور التاريخي" إلى "الفعل الحضاري"؟

فلسفة الفعل: من التأمل إلى التغيير

لم تكن 'فلسفة الفعل' عند البشير ربوح اصطلاحاً عابراً، بل كانت مشروعاً فكرياً مؤسسياً حاول أن يلتقط، مع فلاسفة عرب معاصرين، نبض اللحظة التاريخية. فقد شارك ربوح في تحرير كتاب جماعي حمل هذا العنوان، وقدم له الفيلسوف التونسي عبد العزيز العيادي تصديراً يعد بمثابة بيان نظري لها، عرّفها بأنها 'هيئة الفكر التي تستجمع صيغة الوجود التامة لكيان الإنسان في العالم' و 'التعبير عن رغبة المقاومة العاملة على تعرية الذحل الفردي والقهر الجماعي' من هذا المنطلق المتقدم، انطلق ربوح ليجعل من الفلسفة سلاحاً للتحرر.

في قلب مشروع ربوح تقف "فلسفة الفعل" كبديل جذري للنزعة التأملية المجردة. لم يكن يرى في الفلسفة "تفسيراً للعالم" فحسب، بل أداةً لتغييره من خلال الفعل الواعي المسؤول. لقد ميّز بوضوح بين "المعرفة" المجردة و"الوعي" النقدي الفاعل، مؤكداً أن الوعي هو "المهمة العسيرة في صناعة الفعل". من هنا، كانت فلسفته دعوةً لتحويل الطاقة الفكرية إلى إرادة عملية، تنتقل من التحليل النظري للأزمة إلى اختراقها عملياً عبر الممارسة النقدية المستمرة. كان هدفه تحرير الفكر من أسْر "النصوص التشريحية" ليكون فكراً تأسيسياً يبني ولا يهدم فقط.

الشارع الأنطولوجي: الفعل في قلب الواقع

إذا كانت "فلسفة الفعل" هي النظرية، فإن "الشارع الأنطولوجي" كان التطبيق الأكثر جرأةً وحداثةً. استقى ربوح هذه الفكرة من حراك 2019 الجزائري، الذي رآه "منعطفاً تاريخياً" وفرصة وجودية نادرة. لم يعد الشارع مجرد مكان للاحتجاج، بل تحول في رؤيته إلى فضاء أنطولوجي (وجودي) تتحقق فيه "الكينونة الحقيقية والقادمة" للمجتمع. وهنا، انتقل ربوح من تنظيم الحوارات إلى الانخراط المباشر في الفعل التاريخي الجمعي. كان حضوره في الشارع تطبيقًا حيًا لمفهوم "الشارع الأنطولوجي"، حيث يتحول الفضاء العام إلى مدرسة للتسييس وفعل الكينونة. لم يكن متفرجًا ولا هاتفًا فقط، بل كان قارئًا وفاعلًا: يحلل شعارات الحراك بلغة هايدغر، ويدعو إلى تحويل الزخم العفوي إلى "فعل واعٍ ومسؤول" يؤسس لمرحلة جديدة. بهذا، اختصر مسارًا طويلاً: من مقاومة "القحط الثقافي" في ندوة صغيرة، إلى المشاركة في صناعة "المنعطف التاريخي" في ساحات البلاد.

لقد طبق ربوح أدواته الفلسفية ببراعة، مستخدماً مقولة هايدغر "اللغة بيت الكينونة" لتحليل لغة الحراك: شعاراته، رموزه، صوره. كان يرصد من خلالها "القطائع المختلفة التي باشرها الجيل الجديد مع الماضي بكل وجوهه". الشارع الأنطولوجي هو المكان الذي تتحول فيه الطاقة العفوية إلى فعل مؤسس، ويتحول الهم الشعبي إلى مشروع حضاري. كان ربوح يدعو المثقفين إلى "النزول إلى الشوارع الأنطولوجية"، مغادرين أبراجهم العاجية ليكونوا شركاء في صناعة التاريخ، لا مشاهدين له.

الكتلة التاريخية: من الفرديات النخبوية إلى التجمع الفاعل

كيف ننتقل من "الفرديات النخبوية" المتشرنقة إلى الفعل الجماعي المؤثر؟ قدم ربوح حلاً مستلهماً من غرامشي: بناء "كتلة تاريخية". هذه الكتلة ليست تجمعاً عشوائياً، بل هي تحالف عضوي بين النخب الملتزمة من مختلف التوجهات، تجتمع حول "رؤية ثورية" و"أسئلة كبرى" مشتركة. هدفها تحويل فاعليتها إلى مستوى أعلى من الحركة، لتشكل محركاً اجتماعياً قادراً على تفعيل المجتمع.

ركائز هذه الكتلة هي القيم التي رآها ربوح أساسية للحداثة الحقيقية: النقد، الحوار، التجاوز، التفكيك، المسؤولية، الفردية الفاعلة، الإيمان بالاختلاف، الاعتقاد في الغيرية، الانفتاح. كانت هذه القيم نقيضاً تاماً لقيم "نظام التفاهة" والاستبداد السياسي والخطاب الديني المغلق.

لقد رأى ربوح أن العائق الأول والأعمق هو انحسار الفضاء الثقافي الجاد واستبداله بمناخ من التسطيح والانتهازية. كانت استجابته العملية المباشرة هي خلق فضاءات حوار حية تتحدى هذا المناخ. فلم يكتفِ بالتنظير لـ "الكتلة التاريخية"، بل أسس نموذجها العملي الناشئ من خلال الندوات السبتية واللقاءات الرمضانية التي كان ينظمها فرع الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية في رأس الوادي وبرج بوعريريج. كان يسافر ليلاً في رمضان مسافات تصل إلى 500 كلم لضمان استمرار هذه الشعلة الفكرية، مجسدًا بذلك أن "الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ". كانت هذه اللقاءات مختبرًا عمليًا لتحويل "الفرديات النخبوية" المبعثرة إلى نواة لجماعة فكرية متحاورة، تقاوم العزلة والانغلاق.

المثقف الجديد: من الانتهازية إلى المسؤولية التنويرية

كان ربوح واعيًا بأن الجامعة الجزائرية، كجزء من النظام المعطوب، قد عزلت نفسها. لذا، سعى إلى كسر حاجز العزلة بين الجامعة والجمهور. إدارته النشطة للجمعية الفلسفية لم تكن شكلاً إداريًا، بل كانت آلية لجرّ الأستاذ الجامعي من برجه العاجي إلى ساحات النقاش في المدن والقرى الصغيرة. لقد جسّد نموذج "المثقف التنويري المناضل" الذي يدعو إليه، ليس بالقول بل بالفعل: مثقف ينزل إلى الناس، ويشاركهم همومهم، ويجعل من معرفته سلاحًا للتحرر وليس لقبًا للامتياز.

في مواجهة "المثقف الانتهازي" و"النخب اليَعقُوبِيَّة" الفاشلة، قدّم ربوح نموذجاً جديداً للمثقف: المثقف التنويري المناضل. هذا المثقف لا يكتفي بالمعرفة، بل يحولها إلى وعي ثم إلى فعل. دوره ليس ترفياً بل "تنويري، نضالي، يسعى إلى إنجاز حالة الحضور الدائم في الفضاء العام". كان ربوح نفسه نموذجاً حياً لهذا المثقف: القريب من الناس في الأسواق والمقاهي، المنظم للندوات في القرى والمدن الصغيرة، المشارك بجسده وفكره في الحراك.

ان المثقف الجديد الذي دعا إليه ربوح هو من يستوعب أبعاد الفعل الأربعة: يربط قوله بفعل أخلاقي واضح، فكل فعل 'يتضمن اتهاماً، أو اعتذاراً، أو تبرئة، أو حمداً أو ذماً" ويجعل من فكره مقاومة سياسية دائمة ذلك ان "الانتفاضة لن تغير شيئاً، والكتاب لن يكتمل، والبناء لن يستمر، والاحتجاج لن يثمر ما لم يكن للإرادة شجاعة مواصلة ما استهلته."

وينخرط في الفضاء العمومي الاجتماعي "لا أحد يفعل منعزلاً، ذلك أنّ الفعل حتى وإن كان يصدر عن الفاعل الفرد فإنّه لا يصدر عنه منعزلاً" ويحمل مسؤولية وجودية تجاه تاريخه ومجتمعه. إنه المثقف الذي 'ليست مخربشاً ولا صغير كتّاب، بل عقل تتحول أفعاله إلى جزء من التاريخ البشري. "لسنا بالمخربشين ولا بصغار الكتبة، وإنّما عقول تتحول أفعالها إلى جزء من التاريخ البشري الشامل"

ولمواجهة هيمنة الخطاب التشريحي المجرد أو الخطابات الدينية والسياسية المغلقة، انخرط ربوح في صناعة خطاب نقدي بديل قادر على مخاطبة العقل العام. تحولت حواراته الصحفية والإذاعية والتلفزيونية – كمشاركته في برنامج "المعنى" – إلى منصة لتقديم الفلسفة بلغة واضحة وجريئة. من خلالها، قدم قراءات نقدية للمسيري وهايدغر وإدوارد سعيد، لا كمادة أكاديمية صرفة، بل كأدوات لفهم الواقع العربي والعلاقة المعقدة مع الغرب. لقد حوّل وسائل الإعلام، التي غالبًا ما تكون أداة في "نظام التفاهة"، إلى "شارع أنطولوجي" إعلامي، حيث يتحول الحوار الفلسفي إلى فعل تنويري عام.

وهكذا، يرحل البشير ربوح جسداً، لكنه يترك لنا إرثاً حياً يدعونا إلى فضاء 'تلتقي فيه النفوس النبيلة' من أجل التأسيس المشترك. إن مشروعه ليس مجرد تحليل، بل هو 'أفق بازغ' لحظة تاريخية حاسمة تتطلب منا 'تثوير قدراتنا المتعددة'. فكما أن 'الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ'، فإن استئناف هذا الفعل هو الضمانة الوحيدة لتحويل 'همس يتامى الدهر' إلى صوت مؤسس، ولتحمل 'نوازل الزمن' بشحنة وجودية تجعلنا 'نطمح في أفق جديد وطريف'. هنا تصبح الذاكرة فعلاً، والغياب حضوراً، والنص فلسفة تتحرك من جديد."

***

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

في المثقف اليوم