قضايا
حاتم حميد محسن: اناكساجوراس فيلسوف سبق عصره
كان الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس رائدا في فهمه لتوسع الكون. أفكاره الثورية حول تعدد الأكوان والطبيعة اللانهائية للوجود وضعت الأساس للاكتشافات العلمية اللاحقة وردمت الفجوة بين التأمل القديم والفيزياء الفلكية الحديثة. في السردية الكبرى لعلم الكون، يبرز الفلكي الأمريكي ادوين هابل Edwin Hubble (1929) كرائد في فهمنا الحديث لتوسع الكون. لكن قبل ألفي سنة من ملاحظة هابل لإبتعاد المجرات عن الارض، طرح الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس (500-428 ق.م) اطارا فكريا لازال يتردد صداه في نظريات الكون الحديثة. ومع انه لم تتوفر لديه الأدوات الحالية للعلم، لكن أفكاره الراديكالية حول حركة الكون ودور العقل (نوس) Nous ووجود عوالم متعددة، كل ذلك ميّزه كشخص تنبؤي في تاريخ الفكر.
توسع الكون: علم الكون المبكر لدى اناكساجوراس
تبدأ رؤية اناكساجوراس العالمية بقول هام وعميق: "كل الأشياء كانت مجتمعة". وكما جاء في مذكرات الفيلسوف الافلاطوني الجديد سيمبليسوس Simplicius في تعليقه على فيزياء ارسطو، ان هذه العبارة تقترح حالة بدائية للكون حيث كل شيء كان موجودا في خليط غير مختلف. فقط من خلال تدخّل العقل – العقل الكوني – بدأت الحركة في هذه الوحدة الفوضوية. وبهذا انطلقت عملية من الانفصال والاختلاف. هذه الحركة لم تكن متناهية وانما مستمرة، تشير الى ان الكون يتوسع ويتطور.
في هذه الرؤية، يبدو اناكساجوراس سابقا لعصره. مفهومه لكون دائم التطور حيث العناصر تتحرك وتنفصل باستمرار، يعكس المبادئ الأساسية الكامنة خلف التوسع الكوني الحديث. هابل اظهر ان المجرات تتحرك بعيدا عن بعضها، بما يشير الى توسع الكون. ونفس الشيء، افترض اناكساجوراس ان الكون في حركة دائمة يقودها مبدأ عقلاني أساسي.
اناكساجوراس ونظرية تعدد العوالم
طور اناكساجوراس أيضا مفهوما يتماشى مع آخر النظريات في الكواكب والعوالم المتعددة التي يمكن العيش فيها. كاتب السيرة اليوناني ديوجين لايرتيوس في عمله (حياة وأفكار فلاسفة بارزين) يسجل بعض أقوال اناكساجوراس .هو ادّعى ان العوالم الأخرى تحتوي على شموس واقمار كما في عالمنا. كان هذا ادعاءً ثوريا: اذا كانت الاجرام السماوية توجد في أماكن أخرى، لماذا لا توجد حياة هناك أيضا؟ هذه الرؤية وضعت الأساس للتأملات الفلسفية حول تعدد العوالم وأثّرت على مفكرين مثل الفيلسوفين اليونانيين ديمقريطس وابيقور. اليوم، ومع اكتشاف آلاف الكواكب في مناطق خارج النظام الشمسي والتي يمكن ان تصلح للسكن تبدو رؤى اناكساجوراس اكثر تنبؤية وأقل تأملا. رفضه لوجود عالم احادي عكس إحساسا عميقا حول طبيعة الكون.
الفصل بين العقل والاحساس
ما وراء مساهماته للعلم، ادخل اناكساجوراس نظاما مزدوجا للواقع احدهما نظام فكري والأخر نظام حسي. هو جادل ان العقل هو القوة التي تضع نظاما للكون والذي بدونه يبقى فوضويا. العقل يحكم انفصال العناصر وظهور الواقع المنظم. في حوار فيدو، يذكر افلاطون تأكيد اناكساجوراس على العقل كسبب للنظام في الكون. هو ميز بين ما نتصوره بالحواس وما نفهمه بالعقل. هذا الاطار المفاهيمي سبق الاتجاهات العقلانية للفلاسفة اللاحقين أمثال افلاطون وديكارت.
هذا التمييز كان حاسما في تطور المنهجية العلمية. عبر إعطاء الأولوية للعقل والمشاهدة على التجربة الحسية، مهد اناكساجوراس الطريق لرؤية عالمية تُفهم فيها الطبيعة من خلال تحقيق منهجي بدلا من تفسير ميثولوجي.
تأثير اناكساجوراس
كانت أفكار اناكساجوراس مثيرة للجدل في زمانه. طبقا لما ذكره المؤرخ اليوناني بلوتارخ في عمله (حول النفي) ان الاثنيين عاقبوه بالنفي بسبب اقتراحه ان الشمس هي صخرة نارية وليست كينونة الهية. مع ذلك، رؤيته لكون ديناميكي منظم عقليا تنبأت المبادئ التي ستحدد لاحقا الفيزياء الحديثة وعلم الفلك. عقيدته في الحركة الكونية والفصل ووجود عوالم متعددة يتماشى مع الاكتشافات العلمية الحديثة، ما جعله رائدا ليس فقط كفيلسوف وانما كمبدع غير معترف به في علم الكون. لو انه عاش في عصر التلسكوبات والرياضيات المتقدمة، ربما لكان اول من يتحدث عن تمدد الكون. في هذه الحالة، يكون اناكساجوراس جسرا فكريا بين التأمل القديم واكتشافات علم الكون الحديث. هو كان مفكرا حقا بقيت أفكاره تتردد عبر الزمان والمكان.
***
حاتم حميد محسن






