قضايا

حسام الدين فياض: المعرفة في سجن أدواتها "رحلة البحث عن الفهم والوعي"

” ليست أزمة المعرفة في نقص الحقائق، بل في ضيق الأدوات التي نستخدمها لالتقاط المعنى، فالعقل قد يرى، لكنه لا يفهم إلا بحدود ما تعلّم أن يسأل عنه “.

” كل أداة معرفية تحمل داخلها تصوراً خفياً عن الإنسان والعالم، وما لا تسمح الأداة برؤيته، يُنفى خارج دائرة الفهم “ (الكاتب).

عندما تقرأ وتفهم معنى عبارة: المعرفة أسيرة أدواتها، تدرك بأنها تحذير له دلالاته ومعانيه الابستمولوجية، فالعقل الإنساني لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له أدواته أن يراه. فالإنسان لا يلمس الحقيقة بيده، بل يتوسطها بعقله، بلغته، بمفاهيمه، وبالمنهج الذي يصنع به طريقه نحو الفهم. ولأن هذه الأدوات ليست بريئة، فهي تصوغ العالم الذي تدرسه على صورتها.

حين ينظر الفيلسوف أو العالم أو الباحث إلى ظاهرة ما، فإنه يفعل ذلك من خلف منظار منهجي محدد، يوجه رؤيته ويقيدها في آن معاً. فالأداة التي تمنحنا القدرة على الفهم، هي ذاتها التي تحدد حدود هذا الفهم. فالمنهج التجريبي، على سبيل المثال، يكشف عن القوانين لكنه يسكت عن المعاني، والاستبيان الكمي يترجم التجربة الإنسانية إلى أرقام، لكنه في الوقت نفسه يختزل غناها الرمزي والعاطفي. وهكذا، تتحول المعرفة شيئاً فشيئاً إلى انعكاس للمنهج الذي صنعت به، لا للواقع كما هو في ذاته.

في هذا السياق، ليست المشكلة في الأدوات بحد ذاتها، بل في وعينا بها. فحين يظن الباحث أن أدواته محايدة، يقع في فخ خفي من الهيمنة، لأن كل أداة تحمل في طياتها تصوراً للعالم، وللإنسان، ولما يعتبر " معرفة " أصلاً. ومن هنا ينبع البعد السوسيولوجي للعبارة: فالأدوات التي ننتج بها معرفتنا ليست معزولة عن بنية المجتمع الذي أنشأها. إنها تعبر عن قيمه، وعن مصالحه، وعن توازنات القوة فيه.

فالمجتمع الصناعي المتقدم، مثلاً، أنشأ أدوات معرفية تهتم بالقياس والضبط والإنتاجية، بينما المجتمعات التقليدية كانت تميل إلى أدوات تستند إلى الحكمة والتجربة المباشرة. في الحالتين، المعرفة تعكس روح المجتمع الذي أنتجها، بقدر ما تعيد إنتاج تلك الروح في وعي أفراده.

أما المنظور النقدي، فيتسلل إلى هذه العلاقة ليكشف ما وراءها من سلطة. فالمعرفة ليست مجرد بحث عن الحقيقة، بل هي أيضاً ممارسة اجتماعية تنطوي على علاقات قوة. الأداة المنهجية يمكن أن تكون وسيلة للسيطرة بقدر ما هي وسيلة للفهم، حين تختزل الإنسان إلى رقم، أو الظاهرة إلى متغير، أو الثقافة إلى نموذج قابل للقياس. وهنا يصبح تحرير المعرفة مرهوناً بتحرير أدواتها من منطق الهيمنة الذي يسكنها.

غير أن التحرر لا يعني التخلي عن الأداة، بل الوعي بها وإعادة تشكيلها. فكل ثورة فكرية في التاريخ الإنساني كانت في جوهرها ثورة في الأداة، حين تحول الفلاسفة من التأمل المجرد إلى الملاحظة التجريبية، وحين انتقل علم الاجتماع من الوصف الأخلاقي إلى التحليل البنيوي، وحين أعادت الثورة الرقمية تعريف مفهوم الملاحظة والتحليل من جديد. ومع ذلك، تظل كل أداة جديدة تقيم حدوداً جديدة للمعرفة، وكأن الفكر يسعى أبداً إلى الانعتاق وهو يدرك أن حريته مؤقتة.

إن إدراك أن المعرفة أسيرة أدواتها هو الخطوة الأولى نحو وعي نقدي حقيقي. فهو لا يدعونا إلى رفض المنهج، بل إلى مساءلته، إلى جعل الأداة شفافة أمام العقل لا متوارية وراءه. فالمعرفة لا تتطور حين نغير ما نعرف، بل حين نغير كيف نعرف. وعند هذه النقطة فقط، يصبح التفكير ذاته فعل تحرر مستمر من قيود أدواته ومن ظلال مسلماته، في رحلة لا تنتهي نحو رؤية أعمق للعالم وللذات معاً.

خلاصة القول إن المعرفة التي لا تراجع أدواتها، تتحول تدريجياً من مشروع وعي إلى نظام دفاعي ضد الأسئلة المقلقة وبالأخص النقدية منها، وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية المعاصرة التي لا تمتلك القدرة على مراجعة وتطوير أدوات فهمها وتفسيرها للواقع الاجتماعي المعاصر.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

في المثقف اليوم