قضايا
بدر الفيومي: المسكوت عنه في التشريع الإسلامي
من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد
يُثير السكوت التشريعي في الإسلام إشكالًا معرفيًا عميقًا طالما جرى التعامل معه بحذر أو تهميش، إذ اعتاد الوعي الفقهي قديمًا أن ينظر إلى ما لم يرد فيه نص صريح بوصفه مجالًا للاجتهاد الاضطراري أو محاولة لسدّ فراغٍ تشريعي فرضته محدودية الوقائع زمن التنزيل، وهو ما أسهم في شيوع فهمٍ اختزالي لدى بعض الخطابات المتعجلة، قوامه الاعتقاد بأن اكتمال الدين لا يتحقق إلا بكثافة القول وتضييق المساحات، وأن الصمت التشريعي علامة نقص لا مظهر حكمة.
غير أن هذا التصور، عند فحصه في ضوء بنية النص القرآني والسنة النبوية وممارسات التشريع الأولى، يكشف عن قصور منهجي بيّن، إذ يفترض أن اكتمال التشريع لا يتحقق إلا عبر الاستغراق في التفصيل، بينما تشير معطيات التاريخ والنص معًا إلى أن السكوت لم يكن عجزًا، بل اختيارًا مقصودًا، وأن ترك المساحات مفتوحة كان جزءًا من حكمة التشريع لا خللًا فيه، بل إن هذا السكوت ذاته شكّل عنصرًا ضابطًا لحركة الفهم لا ثغرة ينبغي سدّها. وهو ما أسهم لاحقًا في تغذية نزعة تقريرية لدى بعض المجدفين المجتزئين، ممن اختزلوا اكتمال الدين في كثافة القول وضيق الأفق، وتعاملوا مع الصمت التشريعي بوصفه نقصًا في البيان لا اختيارًا مقصودًا في التشريع.
فالقرآن، بوصفه النص التأسيسي الأول، لم يأتِ بمدونة قانونية تفصيلية مغلقة، بل بنسق قيمي عام، أو بنسقية تشريعية مرنة، تضع المبادئ الكبرى وتترك تنزيلها مفتوحًا لاجتهاد الإنسان في الزمان والمكان. فآيات الأحكام، على أهميتها، محدودة عددًا، وقد قدّرها الأصوليون بنحو خمسمئة آية من مجموع القرآن، وهو عدد ضئيل نسبيًا إذا قيس باتساع الحياة الإنسانية وتحوّلها المستمر.
وهذا التفاوت لا يمكن تفسيره إلا بكون النص قصد العموم والمرونة لا الاستيعاب التفصيلي، وقصد أن يكون هاديًا لا مُقيدًا، موجّهًا لا مصادِرًا. وقد عبّر الشاطبي عن هذا المعنى بوضوح حين قرر أن الشريعة «إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأنها راعت الكليات قبل الجزئيات» ، وهو تقرير يجعل السكوت وظيفة تشريعية واعية، لا نقصًا في البيان ولا ضعفًا في المقصد.
ويظهر هذا السكوت المقصود في عشرات الأمثلة التي شكّلت أساسًا لاجتهادات كبرى لاحقًا، بعد أن مرّت عبر غرابيل الفهم والتأويل. فالقرآن لم يحدّد شكل الدولة، ولا نظام الحكم، ولا آليات اختيار الحاكم، مكتفيًا بمبادئ عامة كالشورى والعدل والأمانة، تاركًا تفاصيل التنزيل رهينة السياق التاريخي والواقع الاجتماعي. وقد تُرك تحديد هذه المسائل للواقع المتغير، وهو ما يفسر اختلاف التجارب السياسية الإسلامية دون إخراجها بالضرورة من دائرة المشروعية، رغم محاولات بعض المتفقهين لاحقًا تحويل هذه التجارب إلى قوالب مقدسة، بما يقود إلى زيغٍ بيّن في الخلط بين التاريخ والنص. وقد نبّه القرافي المالكي إلى هذا الخلل حين فرّق بين الأحكام المرتبطة بالمقاصد العامة، وتلك التي تتغير بتغير الأعراف والأزمنة (الفروق).
كما لم يحدّد النص شكل النظام الاقتصادي تفصيلًا، فلم يضع نموذجًا مصرفيًا، ولا نظمًا دقيقة للتجارة الدولية، ولا قواعد للملكية الحديثة، بل اكتفى بتحريم الربا، والأمر بالعدل، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، تاركًا ما عدا ذلك للاجتهاد المتغير بحسب الأغيار وتبدّل المصالح، وهو ما قرره الحنفية بوضوح، حيث أكد السرخسي أن «النصوص محدودة والوقائع غير متناهية، فلا بد من إعمال الرأي لتحقيق مقصود الشرع» .
وفي مجال العبادات نفسها، التي يُظن عادة أنها أكثر المجالات انغلاقًا، نلحظ مساحات واسعة من السكوت، خلافًا لما يتصوره الوعي الجمعي حين يُعاد إنتاج الدين في صورة طقوس جامدة. فالقرآن لم يبيّن عدد ركعات الصلاة، ولا تفاصيل هيئاتها، ولا أوقاتها الدقيقة، بل ترك ذلك للسنة العملية، ثم ترك للسنة نفسها هامش تنوع مشروع، كما في اختلاف صيغ الأذان، أو تنوع هيئات الصلاة الثابتة في الحديث، وهو تنوع فسّره العلماء على أنه توسعة لا اضطراب. وقد قرر الإمام الشافعي أن تنوع العبادة من مقاصد الشريعة، لما فيه من رفع الحرج وكسر الجمود، وهو قول ينسف محاولات الاختزال التي يمارسها بعض المجترئين المتأولين، ممن يتعاملون مع الدين بوصفه قالبًا واحدًا لا يحتمل التعدد. وهو أصل تبناه تلامذته، كإمام الحرمين الجويني والغزالي، حين أكدا أن التعدد الفقهي ثمرة طبيعية لاجتهاد معتبر لا خللًا في الشريعة.
ويبرز السكوت التشريعي بوضوح في القضايا المستجدة التي لم يعرفها العصر النبوي، مثل العقود المركبة، والأنظمة الإدارية، والعلاقات الدولية، والطب الحديث. فلم يرد نص يمنع أو يبيح التأمين، أو الشركات المساهمة، أو التلقيح الصناعي، أو نقل الأعضاء، ومع ذلك لم يُنظر إلى هذا السكوت بوصفه نقصًا، بل بوصفه مجالًا للاجتهاد وفق مقاصد عامة، كحفظ النفس والمال. وقد قرر النسفي الحنفي أن «الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يدل دليل على التحريم»، وهو أصل يجعل السكوت دالًا لا فارغًا.
غير أن هذا الفهم المقاصدي جرى تعطيله، في حاضرنا المعيش، على يد جماعات جانحة من المتأسلمين، ممن حوّلوا السكوت إلى ساحة تجريم، والاجتهاد إلى تهمة، والنص إلى أداة إغلاق، فمارسوا أقصى درجات التصلب باسم الدين، دون وعي بالمالات ولا اعتبار للعواقب. فاختزلوا الشريعة في أوامر صلبة، وأفرغوها من بعدها الأخلاقي والإنساني. وقد نبه ابن قدامة الحنبلي إلى خطورة هذا المسلك حين قرر أن «الجمود على الظواهر مع إهمال المعاني يفضي إلى مخالفة مقصود الشرع».
وقد استند الفقهاء في ضبط هذا المجال إلى أصل معتبر، هو قول النبي ﷺ: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها»، وهو حديث يضع حدًا فاصلًا بين البيان المشروع والتكلف في ملء المسكوت عنه. كما التقط الأصوليون هذا المعنى مبكرًا كالزركشي وابن النجار من الحنابلة أن اعتبار المآلات شرط في صحة الاجتهاد، وأن الحكم إذا أدى إلى مفسدة راجحة سقط اعتباره، ولو استند إلى ظاهرٍ مجرد. وذهب ابن القيم في إعلام الموقعين إلى أبعد من ذلك حين قال إن (الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل) ، وهو قول يكشف بوضوح أن الجمود ليس وفاءً للنص، بل خيانة لمقصده.
كما يظهر السكوت التشريعي في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه من كثير من الوقائع، حيث امتنع عن إصدار حكم مباشر، تاركًا المجال للاجتهاد أو العرف. ففي حادثة تأبير النخل، حين قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أرسى مبدأً بالغ الأهمية، مفاده أن التشريع لا يتدخل في كل تفاصيل الحياة، وأن الخبرة الإنسانية لها مجال مستقل. وفي قصة الأسرى بعد بدر، لم ينزل النص ابتداءً بحكم قاطع، بل جرى النقاش والاجتهاد، ثم جاء التعقيب القرآني لاحقًا، وهو ما يدل على أن التشريع نفسه كان يتفاعل مع الواقع لا يصادمه، وهي دلالة غائبة تمامًا عن خطاب الإغلاق المعاصر الذي تمارسه الجماعات الحركية.
فتحويل الفراغ التشريعي إلى أصل مقصود يغيّر جذريًا طريقة التعامل مع النص. فبدل أن يُنظر إلى السكوت بوصفه نقصًا ينبغي سده بأي فتوى، يصبح السكوت مساحة اختبار للعقل الأخلاقي والاجتماعي، ومسؤولية مشتركة بين النص والواقع، وحريّ بنا أن نعي هذا التحول قبل أن نغرق في فوضى الإفتاء أو في استبداد القراءة الواحدة. وهذا ما يفسر لماذا رفض كثير من الصحابة الإكثار من الفتوى، وكانوا يتحرجون من الإجابة، إدراكًا منهم أن النص لم يُرِد أن يقول كل شيء، وأن كثرة القول قد تقتل الحكمة.
ومن ثم؛ فإن مصادرة السكوت التشريعي لا تفضي فقط إلى جمود فقهي، بل تؤسس لنمط من العنف الرمزي والديني، حيث يتحول القول الواحد إلى معيار للإيمان، ويُجرَّد المخالف من شرعيته قبل مساءلته. وقد نبّه الشوكاني والشنقيطي، كلٌّ بطريقته، إلى أن تضييق دائرة الاجتهاد واحتكار الفهم هو من أعظم أسباب الانحراف باسم النص، وأن الشريعة إنما جاءت «لرفع الحرج لا لتعميقه».
وعلى النقيض من ذلك، فإن الشريعة التي تعترف بالسكوت، وتؤسسه أصلًا مقصودًا، تُنتج فقهًا يضبط القوة، ويحدّ من التوحش باسم الدين، ويعيد الاعتبار للتواضع المعرفي بوصفه شرطًا من شروط الإيمان لا نقيضًا له. ولذلك فإن الدفاع عن السكوت التشريعي ليس دفاعًا عن فراغ، بل دفاع عن أخلاق التشريع نفسها، وعن حق المجتمع في أن يفكّر دون تهديد، وأن يختلف دون أن يُدان، وأن يجتهد دون أن يُقصى.
وهكذا يغدو السكوت أحد أقوى أدوات الشريعة في مواجهة العنف، لأنه يضع حدًا لوهم الامتلاك الكامل للحقيقة، وينقل الفقه من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد، ومن وهم الاكتمال إلى وعيٍ تاريخي وأخلاقي أعمق.
***
بقلم: د. بدر الفيومي






