أقلام فكرية
حيدر عبد السادة: اللغة بوصفها انكشافاً للوجود
يعود الاتجاه التأويلي في أصوله العميقة إلى فقه اللغة والتفسير الديني، حيث كان الهمّ منصبّاً على فهم النصوص المؤسسة واستنطاق طبقاتها الدلالية، ثم وجد امتداده الفلسفي الأخصب في الفلسفة الظواهرية المعاصرة، حتى غدا التيار الغالب في الفلسفة الألمانية بخاصة، وفي الفلسفة الأوروبية القارية بعامة. وقد تبلورت معالمه على أيدي مفكرين كبار مثل (شلايرماخر)، و(مارتن هيدغر)، و(غادامير)، و(بول ريكور)، وصولاً إلى (جان غروندين) الذي يُنظر إليه بوصفه مجدداً للدرس التأويلي بعد أفول جيل الرواد.
إن التأويلية، في جوهرها، ليست منهجاً إجرائياً فحسب، بل هي موقف أنطولوجي من الوجود والمعنى، فهي لا تتعامل مع النص بوصفه بنية مغلقة مكتفية بذاتها، بل باعتباره حدثاً دلالياً مفتوحاً على أفق الفهم الإنساني. ومن هنا منحت المتلقي مكانة مركزية، إذ لم يعد القارئ مستهلكاً سلبياً للمعنى، بل شريكاً في إنتاجه وبنائه، والنص، في ضوء هذا التصور، لا يستنفد معناه في قراءة واحدة، ولا يُختزل في قصدية مؤلفه، بل يظل قابلاً للتجدد مع كل أفق جديد للفهم. ولعل هذا ما أفضى ببعض النقاد إلى إعلان "موت المؤلف"، كما عند (رولان بارت)، حيث لم يعد المؤلف هو مصدر المعنى، بل غدت اللغة ذاتها هي التي تتكلم، وهكذا تحرر النص من سلطة النية، وانفتح على تعددية القراءات، وأصبح المعنى حصيلة التفاعل بين بنية النص وأفق القارئ.
غير أن الذروة الفلسفية لهذا المسار التأويلي تتجلى في مشروع مارتن هيدغر، الذي نقل التأويلية من حقل المنهج إلى أفق السؤال عن الوجود، لأن اللغة عنده ليست أداة تواصل، ولا وسيلة يعبر بها الإنسان عن أفكاره، بل هي الحدث الذي ينكشف فيه الوجود ذاته، إنها ليست ملكاً للإنسان، بل الإنسان هو الذي ينتمي إلى حدثها. ومن هنا رفض (هيدغر) التصور الأداتي للغة، ويرى أن فهمها بوصفها أصواتاً متمفصلة أو إشارات اصطلاحية هو فهم سطحي لا يبلغ حقيقتها.
ويتحدث (هيدغر) عن مفهوم "القولة" بوصفها وحدة حدوث اللغة، أي ذلك البيان الذي تنكشف فيه الكينونة، فقول "القولة" ليس مجرد إصدار أصوات، بل هو إبانةٌ للوجود، وإظهارٌ للموجود في أفق الانكشاف. اللغة، بهذا المعنى، هي بيت الوجود؛ فيها يسكن الإنسان، وبها ينفتح العالم أمامه، فحيث توجد لغة، يوجد عالم، لأن العالم لا يكون عالماً إلا بقدر ما يُفهم ويُسمّى ويُكشف.
ومن هنا يؤكد (هيدغر) أن الإنسان لا يتكلم إلا لأنه ينصت أولاً، فالإنصات هو الشرط الأصلي للتكلم، وهو انتماء الكائن الإنساني إلى نداء اللغة، فإننا لا نمتلك اللغة كما نمتلك أداة، بل نحن منجذبون إلى دائرتها، منتمون إلى مجالها المفتوح، لأنها هي التي تسمح بظهور الأشياء، وهي التي تهيكل المجال الذي يقيم فيه الإنسان منفتحاً على انفتاح الكون. وإن انكشاف الحقيقة لا يتم خارج اللغة، ولا بمعزل عن الكينونة الإنسانية التي تشارك في هذا الانفراج، فاللغة تتكلم حين يتكلم الإنسان، والإنسان لا يتكلم إلا لأن اللغة تتكلم فيه، إنها علاقة تضايف وجودي، حيث يصبح التكلم حدثاً أنطولوجياً لا مجرد فعل تواصلي.
وعليه، فإن التأويلية، في أفقها (الهيدغري)، ليست قراءة للنصوص فحسب، بل هي إقامة في سؤال الوجود، ووعيٌ بأن المعنى لا يُعطى جاهزاً، بل يُنجز في حدث الفهم، إنها انتقال من البحث عن المعنى إلى الإقامة في أفق انكشافه، ومن النظر إلى اللغة كأداة إلى النظر إليها كقدر وجودي يحتضن الإنسان ويكشف له العالم.
***
د. حيدر عبد السادة جودة






