قضايا
ابتهال عبد الوهاب: الوعي الجمعي وافكار ما بعد انتهاء الصلاحية
نحن نحدق طويلا في تاريخ الصلاحية المطبوع على علبة طعام محفوظ، ونسال بقلق عن بلد المنشأ، كانما نخشى ان يتسرب الينا الفساد من طعام فاسد. نتحرى، ندقق، ونعيد العلبة الى الرف ان شككنا في يوم واحد زائد عن عمرها المسموح.
لكننا، على نحو يثير الدهشة والقلق معا، نبتلع الافكار كما هي، بلا سؤال، بلا فحص، وبلا ادنى ارتياب.
الافكار لا تحمل تاريخ انتاج، ولا تلصق على جبينها بطاقة تحذير تقول، صنعت في زمن القهر، او نشات في بيئة الخوف، او صالحة للاستعمال في عصور الجهل فقط.
ندخلها الى عقولنا بثقة عمياء، ونسمح لها ان تعيد ترتيب وعينا، وان تشكل احكامنا، وان تحدد مواقفنا من الانسان والحياة والاختلاف.
كم من فكرة فاسدة عاشت فينا اطول من اي منتج منتهي الصلاحية؟
وكم من معتقد عتيق نجا من المساءلة لانه قدم لنا في غلاف مقدس، او ورثناه دون ان نجرا على مساءلة اصله وسياقه وضرورته؟
الفكرة التي لا نعرف تاريخها، تشبه طعاما بلا مكونات. قد تشبع لحظة، لكنها تسمم على المدى البعيد.
والفكرة التي نجهل بلد منشئها، قد تكون ابنة ظرف سياسي، او اداة سلطة، او نتاج خوف جماعي، لكنها تقدم لنا باعتبارها حقيقة ابدية.
المجتمعات التي تخاف من فحص الافكار، تصاب بتسمم عقلي مزمن، لا يظهر فجاة، بل يتراكم في السلوك، في اللغة، في نظرتنا للاخر، وفي قدرتنا على التفكير الحر.
وحين نرفض مراجعة الافكار، نحول عقولنا الى مخازن لكل ما هو منتهي الصلاحية، ونستغرب لاحقا لماذا نمرض، ولماذا نعجز عن التقدم.
الفلسفة، في جوهرها، ليست ترفا ذهنيا، بل جهاز فحص دقيق.
تسال عن تاريخ الفكرة، عن سياقها، عن من استفاد منها، ولماذا صمدت، وهل ما زالت صالحة لزمننا ام لا.
انها دعوة لان نقرا الافكار كما نقرا الملصقات الصغيرة على المنتجات، بحذر، وبمسؤولية، وبحق كامل في الرفض.
فالعقل الذي لا يفحص ما يدخل اليه، لا يختلف كثيرا عن جسد لا يميز بين الغذاء والسم.
واسوا اشكال الفساد، ذلك الذي لا رائحة له، ولا لون، لكنه يسكن الافكار.
لهذا لم يكن سقراط مزعجا لمدينته لانه شكك، بل لانه علم الناس ان يسالوا عن اصل الافكار قبل الايمان بها. ولم يكن كانط يطالب بالعقل الجريء ترفا، بل ضرورة اخلاقية حين قال ان التنوير هو خروج الانسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. اما نيتشه فحذر من الافكار التي تطيل عمرها بالعادة لا بالحقيقة، وتعيش فينا لاننا ورثناها لا لاننا اختبرناها.
الفكرة التي لا تخضع للنقد تتحول الى سلطة، والسلطة حين تفلت من السؤال تفسد، حتى لو ارتدت ثوب الحكمة او القداسة. وكما قال سبينوزا، فالعقل الحر هو الذي يفهم لا الذي يخضع. لذلك فان خلاص المجتمعات لا يبدا بتغيير المنتجات، بل بتجديد الافكار، ولا يتحقق بتقديس الموروث، بل بمساءلته، ولا يكتمل الا حين نمتلك شجاعة ان نلقي في سلة المهملات كل فكرة انتهت صلاحيتها، مهما كان اسمها، او قداستها، او عدد المؤمنين بها.
***
ابتهال عبد الوهاب






