قضايا
عبد السلام فاروق: السلطة واللذة.. تفكيك البنى العميقة للبربرية الغربية
يحدث، في اللحظات التاريخية الفارقة التي تبلغ فيها الأمم ذروة عطائها المادي وسلطانها الظاهري، أن يلتقي الثراء الفاحش بالنفوذ المطلق، فيلقى هذا الالتقاء شرارة خاصة، تولد شكلاً استعراضياً متفرداً من أشكال القوّة، يجد في الجسد البشري للآخر مسرحه الأثير والأكثر دلالة.
هذا ليس مجرد استنتاج نظري يجترحه العقل، ولا هو فرضية جامدة، لكنه، في تقديري، نمط تاريخي عميق الجذور، يتكرر ظهوره عبر تعاقب الحضارات الإنسانية، كلما بلغت نخبتها الحاكمة ذروة الترفع عن المحاسبة وانعدام المنافس الحقيقي.
في هذه اللحظات الحرجة، تشهد المتعة الجنسية تحولاً جوهرياً في وظيفتها من فعل طبيعي ومشترك بين البشر، إلى أداة من أدوات إثبات الهيمنة وإعلان السيادة، وقد تتحول أحياناً إلى طقس سادي مرعب، يتم فيه إهانة جوهر الإنسان نفسه، عبر استباحة جسده وتحويله إلى مجرد ألعوبة، أو أداة قابلة للاستهلاك ثم التخلص منها. إنه ما يمكن أن نسميه، بتعبير يحاول رصد هذه الآلية المعقدة، (اقتصاد الرغبة المرتبطة بالقهر)، حيث لا تكتمل لذة السيطرة السياسية والاقتصادية، ولا يشعر صاحبها بالتمام والاكتمال، إلا باقتحام جسد الآخر، واستباحته، سواء أكان هذا الآخر عبداً أو جارية في المجتمعات القديمة، أم ضحية من ضحايا شبكات الاستغلال الحديثة، المخبأة خلف واجهات متعددة من الشرعية والرفاهية والامتياز.
وقد شهدت مجتمعاتنا العربية والإسلامية، في أيام مجدها المادي وتراكم ثرواتها الكثيفة، وجوهاً صارخة من وجوه هذه الظاهرة. ففي قصور بني أمية المتأخرة، وفي ديوان بني العباس في عصور ترفهم وزهوتهم، وصولاً إلى قصور السلاطين العثمانيين في قمة بذخهم وسلطتهم، لم تكن علاقات القوة والنفوذ تقدر بالجيوش الجرارة والعقود التجارية الضخمة فقط، إنما كانت تحسب أيضاً بعدد الغلمان والجواري، وبنوعية الوصيفات اللاتي يتم انتقاؤهن وفقاً لها، وكيفية تدريبهن وتشكيلهن وإعدادهن لخدمة أهواء السادة وإشباع رغباتهم. بحيث تحولت مؤسسة الرق آنذاك، وبموجب الشرعية الدينية والثقافية السائدة، إلى آلية مؤسسية فعالة لهذا النمط من الاستعراض. فما يروى من حكايات عن تهذيب الغلمان أو تزيين الجواري وتعليمهم فنون الغناء والرقص، ليس مجرد حكايات عن متعة بريئة؛ هو في جوهره تأكيد رمزي عميق على ملكية الإنسان للإنسان، واختزال الكائن البشري إلى شيء مادي يكتسب قيمته وأهميته من قدرته على الإمتاع والخدمة.
بل إننا، في عصرنا الحالي هذا، الذي تعلن فيه المجتمعات التزامها الصارم بمبادئ حقوق الإنسان وكرامته، لا نزال نسمع بين الحين والآخر أخباراً تتسرب عن بعض أفراد الأسر الكبري أو النخب المالية، الذين نشأوا وتربوا في بيئات تشدد على القيم الدينية والأخلاقية في خطابها العلني، وتروي هذه الأخبار حكايات عن مطالب جنسية غير تقليدية، تصل أحياناً إلى حد الجريمة المنظمة في تنظيمها واستغلالها للضعفاء.
هذا التناقض الصارخ بين ثقافة حساب الآخرة الديني، وبين ممارسات اللذة الأرضية غير المحدودة، يكشف عن فجوة عميقة في النسق الاجتماعي والسياسي السائد، وعن قدرة الثروة الهائلة والنفوذ المطلق على خلق دوائر أخلاقية خاصة، منفصلة تماماً عن الأخلاق العامة للمجتمع، ومعفاة من قوانينه الضابطة.
وهنا قد يثور سؤال مشروع أليست المجتمعات القديمة، بوجود نظام الرق المقنن والمقبول، كانت أكثر حرية وصراحة في التعبير عن الرغبة، مقارنة بمجتمعاتنا الحديثة التي اخترعت ثقافة الكبت والحشمة منذ القرن التاسع عشر؟
الحقيقة أن هذه الحرية المزعومة كانت امتيازاً حصرياً لفئة السادة والأقوياء فقط، وكانت مبنية على إنكار إنسانية فئة أخرى كاملة هي فئة المستعبَدين والمملوكين. إنها حرية قائمة على الاستعباد، وليست حرية إنسانية شاملة وعادلة. أما الكبت الحديث، فهو في أحد وجوهه الجوهرية، أداة من أدوات الضبط الاجتماعي للدولة القومية والطبقة البرجوازية الصاعدة، وهو يمارس بصرامة على العامة والضعفاء، بينما تظل دوائر النخبة والقوة تمارس انحرافاتها وشهواتها في الخفاء، ولكن بنفس الجوهر الاستغلالي والاستعلائي القديم.
والهدف من استحضار هذا الموروث التاريخي وتحليله ليس الانزلاق إلى فخ تشويه التراث أو تبني رؤية استشراقية تجعل من كل خليفة أو سلطان شره مثالاً على تشوه الحضارة العربية الإسلامية. فذلك تبسيط ساذج، يغفل حقيقة أن كل حضارة عرفتها البشرية على مر العصور شهدت أوجهاً مظلمة ومنحرفة، وأن تقييم الحضارات لا يتم بوجود الانحراف في ذاتها، بل بقدرتها على إنتاج آليات فعالة لضبط هذا الانحراف وردعه. فالحضارة الراشدة، في تعريفها العملي، هي التي تنجح في وضع سياج أخلاقي وقانوني متين يحمي كرامة الإنسان الأساسية، ويحد من طغيان الأقوياء، ويضمن محاسبتهم إذا ما تجاوزوا الحدود والخطوط الحمراء.
الأزمة الحضارية في ضوء انهيار الضوابط
وهذه هي بالضبط المعضلة الكبرى التي تكشف عنها لحظتنا الراهنة، خاصة في مجتمعات كانت تقدم نفسها، وتقدم على أنها، النموذج الأرقى للديمقراطية وحقوق الإنسان. فالأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتجلى رمزياً وقوةً في فضيحة "جيفري إبستين" وجزيرته الخاصة، هي في جوهرها أزمة ضبط مؤسسي. إنها تمثل الانهيار المخيف لقدرة المجتمع المدني ومؤسساته التشريعية والقضائية والإعلامية على محاسبة الأقوياء، عندما تصل ثرواتهم ونفوذهم إلى مستوى أسطوري يمكنهم من خلق دولة داخل الدولة، ونظام قانوني مواز، ومناعة اجتماعية وسياسية تكاد تكون تامة.
إن مشاهدة مجتمع يتغنى صباح مساء بحرية الصحافة والإعلام، أو مجتمع يتشدق بقدسية الحياة البشرية، ثم يتغاضى مؤسسياً عن قتل مواطنين عزل في الشوارع دون محاسبة حقيقية للجناة، هي صدمة كاشفة لهشاشة المبادئ الكبرى التي قامت عليها هذه المجتمعات.
هذه الفضائح ليست مجرد حوادث جنائية معزولة يمكن تطويقها؛ إنها فضائح كاشفة عن بنية نفسية واجتماعية أعمق، تستعيد منطق السيد والعبد في ثوب عصري مزركش. إنها إعادة إنتاج، بآليات جديدة، لمنطق الاستعراض السادي للقوة عبر امتلاك الجسد الآخر، ولكن هذه المرة تحت غطاء من القانون والمشروعية الزائفة، وباستخدام أدوات العولمة والمال والاتصالات الحديثة.
طبعاً، لكل ظاهرة فرادتها وتعقيداتها الخاصة، ولا يمكن إسقاط التعميمات التاريخية ببساطة وسذاجة على فضيحة مثل (فضيحة إبستين)! . لكن القراءة المتأنية والعميقة لما تكشفه ملفات هذه القضية المظلمة تجعلنا نربطها بتحولات كبرى، تعصف بالرأسمالية المعاصرة وبالذات الإنسانية في عالم الحداثة المتأخرة. ويمكن رصد هذه التحولات في ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: الرأسمالية (النيوليبرالية) في ذروتها
لقد وصل التراكم الرأسمالي إلى مستوى هائل وغير مسبوق من التركيز في أيدي قلة ضئيلة، وهو ما أنتج طبقة من "الأوليجارشية العابرة للقوميات" !، تشعر في قرارة نفسها بأنها فوق القوانين المحلية والدولية. هذا التراكم الفاحش لا يولد سلطة اقتصادية وسياسية فحسب، بل يولد شعوراً مرضياً بالعظمة والإفلات التام من العقاب، وهو ما يترجم نفسياً وسلوكياً إلى ممارسات استعراضية ومتهورة. فالثروة هنا تتحول من وسيلة للعيش الكريم إلى أداة لتمويل وتحصين عالم خيالي مواز، تسقط فيه كل المحرمات والقيم الأخلاقية. إنه عنفوان إجرامي متولد عن اليقين المطلق بالقدرة على شراء الذمم واختراق كل الأنظمة. كما أن طبيعة الاقتصاد الاستهلاكي اللامادي المعاصر تعزز من منطق تحويل كل شيء، بما في ذلك العلاقات الإنسانية والجسد البشري نفسه، إلى سلعة قابلة للاستهلاك والاستبدال والإهدار.
ثانياً: تحرير الرغبة الموجه
لقد شهدنا تحولاً جذرياً في المنطق الرأسمالي المهيمن، من مرحلة اعتمدت على كبت الرغبة وتأجيل الإشباع، من أجل خلق قوى عمل منضبطة وقادرة علي الادخار كما رأى عالم الاجتماع ماكس فيبر، إلى مرحلة جديدة تعتمد بشكل صارخ على تحرير الرغبة وتوظيفها واستثمارها وتسليعها. فاقتصاد الخدمات والاستهلاك المعولم يحتاج إلى إنسان مشتعل الرغبات، يسعى لإشباعها باستمرار وبأسرع الطرق. هذا التحرير الموجه والمدروس يخلق مناخاً ثقافياً عاماً يمجد اللذة الفردية المباشرة، ويبرر السعي وراءها بكل السبل الممكنة. في هذا السياق، تخرج الممارسات الجنسية المتطرفة والشاذة من هامش الانحراف السري الضيق، إلى سوق تحت الأرض واسعة ومتداخلة، تقدم بضائع وخدمات متخصصة، مدفوعة بمبدأ المتعة كغاية قصوى مطلقة، منفصلة عن أي إطار أخلاقي أو اجتماعي أو إنساني.
ثالثاً: الهشاشة النفسية للإنسان المعاصر
يعيش الإنسان في مجتمعات (الحداثة السائلة)، على حد تعبير زيجمونت باومان، في حالة من التشرذم الوجودي والقلق الدائم. حيث اهتزت روابط الجماعة التقليدية، وانهارت السلطات الدينية والأخلاقية الموحدة، وغرق الفرد في عزلة قاتلة رغم اتصاله الافتراضي الهش بكل العالم. هذه العزلة العميقة تخلق فراغاً وجودياً هائلاً، وشعوراً باللامعنى، وتوقاً محموماً لتجارب شاذة وحادة تثبت للفرد أنه ما يزال حياً، وأن له وجوداً مميزاً.
وفي المقابل، فإن التطور التكنولوجي المذهل يمنح هذا الإنسان المعزول والقَلِق إحساساً واهماً بالسيطرة المطلق على العالم من خلال شاشة هاتفه الذكي. هذا المزيج الخطير من الهشاشة الداخلية والسيطرة الخارجية الوهمية، يبحث عن متنفس، وغالباً ما يجده في أشكال من العنف الجنسي المشهدي. هنا، يتحول الجنس من فعل حميمي ومتبادل إلى مجرد مشهد لإثبات الذات وإعلان السيطرة، حيث يصبح الآخر مجرد دمية أو خلفية صامتة في مسرحية تأكيد "الأنا". إنه منطق يقترب كثيراً من رؤية "الماركيز دي ساد" الفلسفية المظلمة، التي رأت في العنف الجنسي أسمى تعبير عن حرية الإرادة الفردية المطلقة، المتحررة من كل القيود الدينية والاجتماعية والإنسانية.
التحدي الحضاري الأكبر
ما نراه اليوم، في الولايات المتحدة وغيرها من مراكز القوة العالمية، ليس مجرد فساد أخلاقي عابر يمكن للنظم القانونية إصلاحه بسرعة، إنه عرض لمرض بنيوي عميق حيث تتفكك فكرة المواطنة المتساوية تحت وطأة التراتبية الطبقية المهولة التي خلقتها الرأسمالية المتأخرة. كما تحول القانون في الكثير من الأحيان من أداة سامية لحماية الضعيف وصون كرامته، إلى غطاء قانوني معقد ومتداخل لحماية القوي وتكريس امتيازه. إنه انهيار للمنظومة الضابطة التي تميز المجتمع الحضاري عن غابة المصالح الفردية المتوحشة.
لذلك، فإن التحدي الحضاري الحقيقي أمام الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مقتصراً على تحقيق النمو الاقتصادي المتوازن أو التفوق التكنولوجي المذهل. التحدي الأكبر والأعمق هو إعادة بناء العقد الأخلاقي الاجتماعي على أسس جديدة وراسخة. عقد اجتماعي يؤكد، بشكل لا يقبل الجدل أو المساومة، أن الكرامة الإنسانية هي خط أحمر غير قابل للانتهاك أو الشراء، بغض النظر عن مقدار الثروة أو النفوذ أو الجاه. عقد يبني مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة حقيقياً، لا تستطيع الثروة الطائلة اختراقها أو التأثير على قراراتها العادلة. عقد مجتمعي حي يرفض الصمت والاستسلام، ويثور على انحرافات النخب وانتهاكاتها، مهما بلغت قوتها وامتيازاتها وعلاقاتها.
فالحضارة، في نهاية المطاف، ليست أبراجاً زجاجية شاهقة ولا ثروات طائلة متراكمة في الخزائن السرية. الحضارة الحقيقية تتجلي في قدرة البشر، مجتمعين ومتضامنين، على وضع قيود لأقواهم، وحماية أضعفهم، وصون الكرامة المتأصلة التي تجعل من الإنسان إنساناً. وهذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه لنا صفحات التاريخ المترعة بالألم والأمل، من قصور بغداد وإسطنبول القديمة، إلى جزيرة إبستين "الحديثة"!
***
د. عبد السلام فاروق






