قضايا
غالب المسعودي: الاعتمادية المسمومة والفجاجة السلطوية في الدول الرخوة
تُعد إشكالية الاستبداد في المجتمعات المعاصرة، لاسيما في الدول التي يصنفها الفكر الاقتصادي والسياسي بـ "الدول الرخوة"، من أعقد المعضلات التي تواجه مسارات التنمية والتحرر الإنساني. إننا نسعى هنا إلى تقديم تحليل معمق للتعاضد القائم بين أنماط "الاعتمادية المسمومة" التي تربط المحكومين بالسلطة، وبين تمدد "الفجاجة السلطوية" التي تتجاوز الأطر القانونية والمؤسسية لتستقر في فضاءات الميتافيزيقيا والخطاب الغيبي. إن الاستبداد في هذا السياق ليس مجرد ممارسة قمعية فوقية، بل هو منظومة "تعاضدية" تشترك فيها بنية الدولة الرخوة مع البنية النفسية للإنسان المقهور؛ لتنتج واقعاً يتغذى فيه الفساد على غياب القانون، وتقتات فيه السلطة على "العبودية المختارة" والاعتراف المبتور.
تشريح الدولة الرخوة وآليات الفجاجة السلطوية
تمثل "الدولة الرخوة"، كما صاغها الاقتصادي السويدي غونار ميردال، المختبر المثالي لفهم كيف يتحول الاستبداد إلى بنية مستدامة تتجاوز شخوص الحكام لتصبح أسلوب حياة. إن "الرخاوة" في هذا السياق لا تشير إلى غياب القوة القمعية أو الأجهزة الأمنية، بل تعني تحديداً غياب "هيبة القانون" والقدرة على تطبيقه بإنصاف وشمولية على كافة طبقات المجتمع.
يرى ميردال أن جوهر التخلف والفقر في دول العالم الثالث لا يعود حصراً إلى نقص الموارد المادية، بل يمتد إلى غياب احترام القانون وانتشار الفساد الذي أضحى هيكلياً ومؤسسياً. ففي الدولة الرخوة، تعمد السلطة إلى إصدار قوانين قد تبدو مثالية أو متقدمة من الناحية النظرية، لكنها تظل "حبراً على ورق"؛ إذ تمتلك النخب المتنفذة من المال والنفوذ ما يمنحها حصانة فعلية من الخضوع لهذه التشريعات، بينما يتم توظيف القوانين ذاتها كأداة مشروعة لقمع الضعفاء أو معاقبة خصوم السلطة السياسيين.
الفجاجة السلطوية كبديل للشرعية الإنجازية
عندما تخفق الدولة في النهوض بوظائفها الحيوية كالتنمية والتعليم وإرساء العدالة، فإنها تفقد "هيبتها" المعنوية وشرعيتها القائمة على الإنجاز. ولكي تعوض السلطة هذا الفقدان الجوهري، تلجأ إلى ممارسات "فجة" تتسم بالعنف المادي والرمزي المباشر. الفجاجة هنا تعني ممارسة السلطة في صورتها الخام العارية، دون أقنعة مؤسسية أو وسائط ديمقراطية؛ حيث يتم استغلال ذريعة "أمن الدولة" بشكل مفرط في الخطاب الإعلامي للنيل من المطالبين بحقوقهم المشروعة. وبذلك، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات صلبة لحماية المتنفذين وصيانة فسادهم. هذا النمط من الحكم يعزز حالة "الاعتمادية المسمومة"؛ إذ يدرك المواطن -تحت وطأة الحاجة والخوف- أن الحصول على حقه أو نيل الحماية لا يتم عبر القنوات القانونية، بل عبر التقرب من مراكز القوى أو القبول بالخنوع التام مقابل ضمان البقاء.
جدلية السيد والعبد والاعتمادية المسمومة
لفهم الأسباب الكامنة وراء استمرار الشعوب في تحمل هذا النمط من السلطة الفجة، ينبغي العودة إلى الجذور الفلسفية التي تفسر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحديداً "جدلية السيد والعبد" عند هيغل ونظرية "العبودية المختارة" عند إتيان دي لا بويسي:
قدم هيغل في أطروحته "ظواهرية الروح" تحليلاً فلسفياً عميقاً للعلاقة بين وعيين يتصارعان من أجل نيل "الاعتراف". ينتهي هذا الصراع بانتصار طرف (السيد) الذي خاطر بحياته في سبيل الحرية، وهزيمة طرف آخر (العبد) الذي آثر البقاء المادي والنجاة على الكرامة والحرية. ومع ذلك، يكتشف هيغل مفارقة مذهلة: وهي أن السيد يصبح معتمداً كلياً على العبد؛ ليس فقط في تلبية احتياجاته المادية، بل في استمداد جوهر هويته كـ "سيد" من اعتراف العبد به، مما يخلق قيداً تبادلياً يربط الطرفين في حلقة من التبعية.
تكتمل هذه الرؤية مع إتيان دي لا بويسي الذي تساءل: كيف يمكن لشخص واحد (الطاغية) أن يستعبد ملايين البشر؟ وجاء جوابه متمثلاً في مفهوم "العبودية المختارة"؛ أي القبول الطوعي بالخضوع نتيجة التعود أو فقدان الرغبة الفطرية في الانعتاق. يرى لا بويسي أن الشعوب هي التي تمنح الطاغية قوته في المقام الأول، وأن التحرر لا يحتاج بالضرورة إلى عنف مضاد، بل يتطلب فقط "التوقف عن الخدمة". غير أن هذه التراتبية تخلق شبكة واسعة من المنتفعين الصغار الذين يذودون عن النظام الاستبدادي ليس حباً فيه، بل دفاعاً عن مصالحهم المرتبطة بوجوده، مما يجعل "العبودية المختارة" حالة جماعية معقدة يصعب فك ارتباطاتها المتشابكة.
بنية الإنسان المقهور وهدر الكرامة في الدول الرخوة
لا يكتفي الاستبداد بالسيطرة على المجال السياسي، بل يتوغل في أعماق البنية النفسية لينتج ما وصفه الدكتور مصطفى حجازي بـ "الإنسان المقهور" أو "الإنسان المهدور". إن القهر هنا يتجاوز الممارسة الخارجية ليصبح عملية داخلية تهدف إلى "تحطيم اعتبار الذات". ويرى حجازي أن التخلف ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو "بنية شخصية" تتسم بالاستلاب وضياع الهوية. ففي المجتمعات المقهورة، تفضل الأنظمة الحاكمة "الأشياء" على "الإنسان"؛ حيث يُعتبر فقدان الموارد أشد إيلاماً من هدر الأرواح، مما يعمق شعور الفرد بأنه مجرد أداة لا قيمة ذاتية لها.
تؤدي هذه الحالة النفسية إلى ظهور أنماط سلوكية تعزز "الاعتمادية المسمومة". فعندما ينهار اعتبار الذات، يتضخم في المقابل تقدير "المتسلط" في وعي المقهور، فيبدأ بالتماهي مع الجلاد والاعتراف الضمني بحقه في السيادة والقهر. كما يركن الإنسان المقهور إلى "الحلول السحرية"؛ فهو لا يبحث عن وسائل عقلانية للتغيير، بل يظل في انتظار "الزعيم الملهم" أو "القوة الخارقة" التي ستغير واقعه دون جهد منه. ولعجزه عن مواجهة السلطة مباشرة، يفرغ غضبه المكتوم في تدمير الممتلكات العامة أو في ممارسة الاضطهاد على من هم أضعف منه داخل الأسرة أو تجاه الآخر المختلف.
إن هدر الكرامة يؤدي بالضرورة إلى فقدان السيطرة على المصير؛ حيث يعيش الفرد تحت رحمة "تعسف المستبد" و"تقلبات الطبيعة" في آن واحد. ففي الدولة الرخوة التي ينهار فيها التعليم وتغيب العدالة، ينشأ المواطن في بيئة تقمع ملكة النقد وتغرس قيم الاستكانة، مما يغلق السبل أمام أي محاولة واعية للتغيير.
هيمنة الميتافيزيقيا وفضاء الغيبيات
عندما تضعف المؤسسات وتتوارى العقلانية السياسية، ينفتح الباب لهيمنة "الميتافيزيقيا" والخطاب الغيبي كأداة لشرعنة الاستبداد وتخدير الوعي الجمعي. لقد أبدع عبد الرحمن الكواكبي في تحليل العلاقة العضوية بين الاستبدادين السياسي والديني، موضحاً كيف يتخذ المستبد السياسي لنفسه دائماً "صفة قدسية" يدعي بها مقاماً ذا صلة خاصة بالخالق.
هذا التوظيف للدين يهدف:
أولاً إلى "إضفاء الشرعية الإلهية" على الظلم، فتصبح معارضة الحاكم خروجاً عن الإرادة السماوية، ويصبح الصبر على الجور فضيلة وقضاءً لا مرد له.
وثانياً، يؤدي ذلك إلى بروز طبقة من "أعوان الاستبداد" من بعض رجال الدين والمثقفين الذين يسوغون أفعال السلطة. وأخيراً، يتم تحويل انتباه الجماهير عن البحث في أسباب الانحطاط السياسي والاقتصادي، لتُدفع للبحث عن الخلاص في "الأدعية" و"السكينة" وتجنب ما تصفه السلطة بـ "اللغو"، وهو في حقيقته المطالبة بالحقوق الأساسية.
في ظل "العجز المؤسسي" للدولة الرخوة وفشلها في تقديم تفسيرات منطقية للأزمات، يلجأ الإنسان المقهور إلى التفسيرات الخرافية لواقعة. فتصبح مفاهيم كـ "الحسد" و"القسمة والنصيب" هي المسؤول الأول عن الفشل التنموي، بدلاً من مساءلة السياسات الحكومية الخاطئة. يؤدي هذا التحول الميتافيزيقي إلى تحريف دور الدين من كونه قوة محفزة ، إلى أداة للسيطرة وإخماد النزعات التحررية، حيث يكتفي الناس بانتظار "الكرامات" بدلاً من الفعل المنظم، وتكتسب السلطة حصانة مطلقة ضد أي نقد موضوعي.
الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية
إن تحليل "الاعتمادية المسمومة" في الدول الرخوة يكشف عن أن الاستبداد ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تداخل معقد بين الفشل المؤسسي، والانهيار النفسي، والتوظيف الميتافيزيقي الممنهج. إن ما يضمن امتداد هيمنة "الفجاجة السلطوية" هو هذا "التعاضد" المعقد؛ حيث تغذي رخاوة الدولة الفساد، ويحطم الفساد كرامة الإنسان، مما يدفعه للوذ بالغيبيات التي تمنح السلطة بدورها شرعية مطلقة تسمح لها بمزيد من الفجاجة. إن التحرر الحقيقي يتطلب مسارات متوازية تبدأ باستعادة سيادة القانون وإعادة بناء اعتبار للذات الإنسانية.
***
غالب المسعودي
.....................
المراجع:
ميردال، غونار. (تحليل مفهوم الدولة الرخوة)، مراجع كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة كربلاء.
هيغل، جورج فريدريك. ظواهرية الروح. (دراسات في جدلية السيد والعبد).
لا بويسي، إتيان. مقال في العبودية المختارة.
حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. المركز الثقافي العربي.
الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.
تقارير ودراسات: (جريدة القبس، نداء الوطن، مجلة الجديد) حول بنية الدولة الرخوة وسيكولوجية القهر.






