قضايا
مصطفى غَلْمان: الوعي تحت الحصار.. سوسيولوجيا الإخضاع الإعلامي
إذا كانت حروب الإشاعة تمثل القلب الصلب في منظومة التحديات التي تفرزها الحروب المعلوماتية والتكنولوجية المعاصرة، فإن مكمن خطورتها لا يكمن فقط في سرعتها أو في اتساع مجال انتشارها، بل في قدرتها على طمس الحدود الفاصلة بين الوسيلة والغاية، وبين الخبر كأداة معرفة، والدعاية باعتبارها تقنية للهيمنة. فهي تُقيم مساواة خادعة بين ما تنتهي إليه أنظمة الإعلام، بما راكمته من أدوات وتقنيات، وبين الغايات القصوى للبروباغندا التي لم تعد فعلا عفويا أو ارتجاليًا، بل أضحت بنية استراتيجية محكمة، تُدار بعقل بارد لإعادة تشكيل الواقع، لا لوصفه.
في هذا السياق، تتحول الإشاعة من خطاب هامشي إلى سلطة موازية، تتغذى على هشاشة الوعي الجمعي، وتستثمر في الفراغات التي يعجز القانون الدولي عن ملئها، لتحل محلّه منطق القوة والاصطفاف. وهنا لا يعود الصراع محكوما بقواعد النزاعات التقليدية، بل يُعاد إنتاجه داخل الفضاء الرمزي، حيث تُهزم الدول قبل أن تُقهر، وتُسقَط الشرعيات عبر السرديات قبل أن تُستهدف بالبندقية.
إن الوقائع الحديثة تكشف بوضوح أن السلطة الإعلامية لم تعد منشغلة فقط بنقل الأحداث أو تفسيرها، بل بانخراطها العميق في تجارب ثقافية موجهة، تقوم على التشويش المتعمد، وإرباك المعنى، وإعادة تركيب الحقائق بما يخدم منطق السيطرة. فالتزييف لم يعد استثناءً، بل أصبح ممارسة منهجية، تُدار عبر شبكات معقدة من الرموز والصور والخطابات، تُفرغ الحقيقة من بعدها الأخلاقي، وتحولها إلى مادة قابلة للتلاعب.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة فلسفية نقدية لهذه الظاهرة، لا بوصفها خللا عابرا في أخلاقيات الإعلام، بل كتحول بنيوي في طبيعة السلطة ذاتها، حيث لم يعد النفوذ يُمارس فقط عبر الجغرافيا أو الاقتصاد أو السلاح، بل عبر التحكم في السرد، وتوجيه الإدراك، وصناعة الوهم بوصفه حقيقة قابلة للتداول. ففي زمن الحروب المعلوماتية، لا يُهزم الخصم حين يُدمر، بل حين يُقنع بأنه قد هُزم. وفي امتداد هذا الأفق الفلسفي، تبرز التدافعات الدولية الراهنة بوصفها إعلانا صريحا عن أفول نموذج العلاقات الدولية المؤسَّس على مرجعية القانون الدولي ومنظومة الاتفاقات متعددة الأطراف. فالعالم وهو يعيد ترتيب توازناته، لم يعد يحتكم إلى النصوص بقدر ما ينصاع لقوة الفعل، ولا إلى الشرعية بقدر ما يخضع لفاعلية التأثير. وفي هذا التحول العميق، تنسحب القواعد القانونية إلى الهامش، لتحل محلها هندسة جديدة للصراع، قوامها السيطرة على المعنى قبل السيطرة على المجال.
ضمن هذا السياق، تنخرط وسائل الإعلام، بتقنياتها المتسعة وقدراتها المتجددة، في مسار يتجاوز الوظيفة الإخبارية أو التفسيرية، لتغدو فاعلا بنيويا في إعادة إنتاج الهيمنة. فالتطبيقات الحاسوبية الكبرى، التي تهيمن على مجالات الثقافة واللغة والتواصل، لم تعد مجرد أدوات محايدة، بل أنظمة اشتغال قائمة على خوارزميات وظيفية دقيقة، تُعيد تشكيل البيانات وتوجيهها داخل فضاءات سيبرانية منظمة، تخدم في جوهرها منطق التسلط المؤسساتي وتكريس اللامتكافئ في القوة.
وهنا، يفرض السؤال نفسه حول مدى اتساع الاختراقات الممنهجة التي تستهدف البنى العالمية الهشة، تلك التي أنهكها الحصار وضيّق عليها الخنق الاقتصادي والسياسي. فهذه البيئات، بما تحمله من هشاشة معرفية وإعلامية، تتحول إلى حقول اختبار مثالية لتقنيات التأثير السيبراني، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي وفق نماذج جاهزة، تُزرع في العمق دون أن تُرى، وتُفَعَّل لحظة الحاجة السياسية.
وفي هذا المقام، تستعيد البروبجندا دورا يتجاوز ما عُرف عنها في قراءاتها الكلاسيكية. فهي لم تعد مجرد أداة لتأليب الرأي العام أو فرض سردية بعينها، بل أصبحت ممارسة متقدمة لإنتاج أفكار "مؤتمتة"، تُضبط إيقاعاتها عبر توجيه منظم، وتُمرَّر باعتبارها تعبيرًا تلقائيا عن الواقع. وبهذا تُصنع قطيعة صامتة بين الماضي والحاضر، حيث يُفرغ التاريخ من سياقه، ويُعاد تأويل الحاضر خارج جذوره، فيتحول الزمن نفسه إلى مادة قابلة لإعادة البرمجة.
إننا إزاء نمط جديد من الهيمنة، لا يقوم على محو الذاكرة دفعة واحدة، بل على تشويشها، ولا على فرض خطاب أحادي، بل على إغراق الفضاء بخطابات متنافرة تُعطّل القدرة على التمييز. وفي هذا التشتت المنهجي، تفقد الحقيقة مركزيتها، ويصبح الوعي أسيرًا لتدفقات لا يملك أدوات مساءلتها، في زمن لم تعد فيه السيطرة مرئية، بل موزعة، ناعمة، وعميقة الأثر.
إن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تحولات تقنية أو انزياحات إعلامية عابرة، بل هو تعبير كثيف عن تحول سوسيولوجي عميق في بنية السلطة والمعنى معا. فالصراع لم يعد يدور حول من يمتلك الحقيقة، بل حول من يمتلك القدرة على تنظيم تداولها، وضبط شروط ظهورها واختفائها. وكما نبه ماكس فيبر إلى أن السلطة الحديثة تقوم على "شرعية المعنى قبل شرعية الإكراه"، فإن الهيمنة المعاصرة لا تُمارَس بالسلاح وحده، بل عبر إنتاج قبول اجتماعي مُسبق لما يُراد فرضه.
وفي هذا الأفق، تستعيد أطروحة بيير بورديو راهنيتها حين اعتبر أن أخطر أشكال العنف هو العنف الرمزي، ذاك الذي يُمارَس بموافقة ضمنية من ضحاياه، لأنه يتخفى في اللغة، وفي الصور، وفي أنماط التفكير اليومية. فالإعلام المؤدلج والخوارزميات الموجهة لا تفرض خطابها بالقسر، بل تُعيد تشكيل "الهابيتوس" الجمعي، فتجعل المهيمن يبدو طبيعيًا، والمفروض يبدو بديهيًا، والمُختلّ يبدو نظامًا.
و يُضيء زيغمونت باومان هذا التحول حين تحدث عن "السيولة" بوصفها سمة العصر، حيث تتفكك الأطر المرجعية، وتغدو الحقائق عابرة، واليقينيات مؤقتة. كما لا تنتصر البروبجندا لأنها أكثر صدقا، بل لأنها أكثر قدرة على التكيف مع اللامعنى، وعلى السباحة داخل الفوضى الإدراكية دون أن تفقد فعاليتها.
وكان ميشال فوكو قد قدّم المفتاح الأعمق لفهم هذا المشهد حين ربط بين المعرفة والسلطة، مؤكدا أن كل نظام معرفة يُنتج في الوقت نفسه نظاما للضبط والمراقبة. فالحرب الإعلامية والخوارزمية ليست سوى امتداد لهذا المنطق، حيث تُدار الأجساد والعقول معا، لا عبر المنع، بل عبر التوجيه الدقيق للرغبات والاهتمامات وأنماط الاستهلاك الرمزي.
وعلى هذا الأساس، فمواجهة هذا النمط من الهيمنة لا يمكن أن تتم عبر أخلاقيات إعلامية مجردة، ولا عبر استعادة خطاب قانوني فقد الكثير من فاعليته، بل عبر إعادة بناء الوعي النقدي، وتحصين المجال العمومي بأدوات الفهم السوسيولوجي، التي تسمح بكشف آليات الإخضاع غير المرئي. فكما يقول إميل دوركايم، "لا يمكن للمجتمع أن يفهم ذاته إلا حين يجعل من نفسه موضوعًا للمعرفة".
إنها دعوة في جوهرها إلى مقاومة ناعمة، لا تقوم على الرفض الانفعالي، بل على تفكيك البديهيات، واستعادة القدرة على السؤال، في زمن لم تعد فيه السيطرة تعلن عن نفسها، بل تمارس صامتة، باسم الحرية، وتحت قناع التواصل.
***
د. مصطفى غَلْمان






