قضايا

زهير الخويلدي: الكائن البشري بين الديون تجاه الآخرين والوعود إزاء الذات

مقاربة أخلاقية

مقدمة: في سياق الفلسفة الأخلاقية، يبرز الكائن البشري ككيان مشروط بالعلاقات الاجتماعية والالتزامات الذاتية، حيث يجد نفسه محاصراً بين الديون التي يدين بها للآخرين – تلك الالتزامات غير المشروطة التي تنبع من الوجود المشترك – والوعود التي يقطعها على نفسه، والتي تمثل سعيه نحو التحقيق الذاتي والأصالة. من منظور أخلاقي، يتجاوز هذا التوتر مجرد الصراع بين الفرد والجماعة ليصبح تأملاً في طبيعة الوجود البشري نفسه، حيث تكون الأخلاق ليست قواعد خارجية بل عملية ديناميكية لتشكيل الذات في مواجهة الآخر. إن الديون تجاه الآخرين تعبر عن الالتزام غير المحدود بالمسؤولية عن الغير، بينما الوعود إزاء الذات تكشف عن الحرية الذاتية في بناء المعنى الشخصي، مما يجعل الكائن البشري كائناً مشدوداً بين الالتزام اللامتناهي والحرية المحدودة. في هذه الدراسة، سنستعرض هذا التوتر بشكل موسع ومعمق، مع التركيز على الجوانب الأخلاقية التي تكشف عن كيفية يعيد الكائن البشري صياغة وجوده من خلال هذه الثنائية، دون الاستناد إلى أطر خارجية، بل من خلال تدفق فكري يعكس الطبيعة المتداخلة لهذه العلاقات. فماهي الديون التي يحملها المرء تجاه الآخرين؟ وكيف يتم تسديدها؟ وماهي الوعود التي يظل مطالب بتحقيقها إزاء الذات؟ وكيف يمكن له إنجازها؟ وألا توجد علاقة تلازمية بين الديون والوعود؟

الديون تجاه الأخرين

يبدأ الدين تجاه الآخرين كأساس أخلاقي يتجاوز المنفعة الشخصية، حيث يرى الكائن البشري في وجه الغير دعوة غير مشروطة للمسؤولية، تلك المسؤولية التي لا تنبع من عقد اجتماعي بل من الوجود نفسه. أخلاقياً، يمثل هذا الدين تحولاً من الذات المركزية إلى الآخر كأولوية، إذ أن الوجود البشري ليس منعزلاً بل مشروطاً بالعلاقة مع الغير، مما يجعل الدين ليس عبئاً بل جوهراً للأخلاق. في هذا السياق، يصبح الكائن البشري مديناً للآخرين بطريقة لا تُقاس، كما في حالات الرعاية للضعفاء أو الالتزام بالعدالة الاجتماعية، حيث يتجاوز الدين المجردات ليصبح فعلاً يومياً يشكل الذات. هذا الدين غير المحدود يثير تساؤلات أخلاقية عميقة: هل يمكن للكائن البشري أن يحقق ذاته دون أن يخون هذا الدين؟ إن الإجابة تكمن في أن الدين تجاه الآخرين ليس قيداً بل دعوة للتجاوز، حيث يصبح الإنسان أخلاقياً من خلال الاستجابة لهذا النداء، مما يعيد صياغة الذات ككيان مسؤول لا أناني. مع ذلك، يظهر هذا الدين كتوتر داخلي، إذ أن الالتزام بالآخر قد يتعارض مع الرغبات الشخصية، مما يجعل الأخلاق عملية توازن دائمة بين الالتزام الخارجي والحفاظ على السلام الداخلي. في مقاربة أخلاقية، يصبح هذا الدين مصدراً للنمو الإنساني، إذ يدفع الكائن البشري إلى الخروج من دائرة الذات نحو عالم مشترك، حيث تكون الأخلاق ليست نظرية بل تجربة حية تعيد تعريف الوجود كعلاقة لا انفصال.

الوعود إزاء الذات

من هذا الدين اللامتناهي تجاه الآخرين، ننتقل إلى الوعود إزاء الذات، التي تمثل الجانب الحر من الوجود البشري، حيث يقطع الكائن على نفسه عهوداً تتعلق بالتحقيق الشخصي والأصالة. أخلاقياً، تكشف هذه الوعود عن الحرية الذاتية كأساس للأخلاق، إذ أن الإنسان ليس مجرد كائن اجتماعي بل هو مشروع ذاتي يبني معناه من خلال الالتزامات التي يفرضها على نفسه، كما في السعي نحو التميز أو الحفاظ على القيم الشخصية. هذه الوعود ليست أنانية بل هي تعبير عن الإرادة الحرة، التي تحول الوجود من مجرد حدوث إلى فعل مقصود، مما يجعل الكائن البشري مسؤولاً عن مصيره. في هذا السياق، يصبح الوعد إزاء الذات دافعاً للتطور، حيث يدفع الإنسان إلى مواجهة ضعفه وتحقيق إمكانياته، كما في حالات الالتزام بالتعليم أو الصحة، التي تعكس احتراماً للذات ككيان مستقل. مع ذلك، يثير هذا الوعد توتراً أخلاقياً، إذ أن التركيز على الذات قد يؤدي إلى تجاهل الدين تجاه الآخرين، مما يجعل الأخلاق بحثاً عن التوازن بين الحرية الشخصية والمسؤولية الجماعية. من منظور أخلاقي، تكون هذه الوعود ضرورية للحفاظ على الأصالة، إذ أن الكائن البشري الذي يخون وعوده لنفسه يفقد جوهره، مما يجعله عرضة للاغتراب في عالم الآخرين. هكذا، تتداخل الوعود مع الديون في عملية أخلاقية متكاملة، حيث يصبح التحقيق الذاتي مرتبطاً بالالتزام بالغير، مما يعيد صياغة الوجود كمشروع مشترك.

خاتمة

في الختام، يتضح من خلال هذه المقاربة الأخلاقية أن الكائن البشري بين الديون تجاه الآخرين والوعود إزاء الذات هو كائن في حالة تطور مستمر، حيث تكون الأخلاق ليست قيداً بل طريقاً للتحرر. إن هذا التوتر ليس نقصاً بل جوهر الوجود الإنساني، الذي يجد معناه في القدرة على الجمع بين المسؤولية والحرية، مما يدعونا إلى تأمل مستمر في كيفية نعيش هذه الثنائية كفرصة للارتقاء بالإنسانية. في التفاعل بين هذين الجانبين، يبرز الكائن البشري ككيان أخلاقي مشدود بين الدين والوعد، حيث يصبح التوتر مصدراً للغنى الإنساني بدلاً من الصراع. أخلاقياً، يعني هذا أن الأخلاق ليست نظاماً ثابتاً بل عملية تفاوض دائمة، حيث يتعلم الإنسان أن يدمج الالتزام بالآخرين مع الوفاء لنفسه، مما يؤدي إلى نمط وجود أكثر عمقاً. على سبيل المثال، في الحياة اليومية، يجد الكائن نفسه يوازن بين رعاية الأسرة (الدين تجاه الآخرين) والسعي نحو الطموحات الشخصية (الوعد إزاء الذات)، مما يجعل الأخلاق تجربة حية تعيد تعريف الإنسان ككائن قادر على التجاوز. هذا التوازن ليس سهلاً، إذ قد يؤدي الإفراط في الدين إلى فقدان الذات، بينما التركيز المفرط على الوعد قد يؤدي إلى العزلة، لكن في مقاربة أخلاقية، يصبح هذا التوتر فرصة للنمو، حيث يتعلم الكائن أن يكون مسؤولاً عن الآخرين دون أن يفقد حريته، وأن يحقق ذاته دون أن يخون الآخرين. إن هذه الثنائية تكشف عن طبيعة الأخلاق كعملية إبداعية، حيث يصبح الكائن البشري فناناً لوجوده، يرسم لوحة تجمع بين الالتزام والحرية في وحدة متماسكة. فمتى يحقق الكائن البشري المصالحة مع ذاته والعالم والمجتمع البشري؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في المثقف اليوم