قضايا
سامي البدري: حظ الوجه السابع للنرد
أذكر الآن مقولة رددها أحد الأساتذة في الجامعة، في معرض إجابته على سؤال لأحد الطلبة: ما العامل أو الوضع الذي يديم العلاقات الإنسانية ويبقيها نضرة ومتوقدة؟ وقبل الإجابة سأل الأستاذ ذلك الزميل: هل تقصد العلاقات العادية بين الناس أم داخل مؤسسة الزواج؟ ولأن أغلبنا ضحك حينها متسائلاً عن الفرق بين صيغتيّ العلاقة رد الأستاذ: هناك فرق كبير جداً بين صيغتيّ وشروط العلاقتين لو تعلمون، ولكني الآن ولضيق الوقت سأكتفي بالقول بأن صيغة العلاقة داخل شكل أو مؤسسة الزواج، يحكمها صراع طبقات ونظام مصالح، أكثر مما يحكمها الود والتآلف، وذكروني في يوم آخر لأشرح لكم معنى هذا الكلام ومقصده. ولككنا وللأسف، نسينا تذكيره ليشرح لنا رؤيته تلك، تحت ضغط غرور وطيش الشباب الأول، طيش عمر العشرين وزهو فتوته. أما الآن وأنا على أعتاب الأربعين، وبعد أن خضت تجربة الزواج، فلم أعد أحتاج لشرح ذلك الأستاذ لرؤيته تلك لكي استوعب مقصدها، لأني فهمتها فهماً تاماً وبكافة دقائقها وحيثياتها عبر التجربة.
وطبعاً الآن أغلبكم سيتساءل: الزواج أو علاقة الرجل والمرأة داخل صيغة العلاقات الإنسانية صراع طبقات؟ كيف ولماذا؟ هل يعقل هذا، أم تراه هو مجرد ترديد أعمى لمقولة وفكرة ذلك المخبول، بفخامة النظريات، كارل ماركس؟
أما أنا فسأقول، بل وأؤكد بإلحاح، دعونا نترك ماركس في قبره مع كم نظرياته المفزعة وكتبه ثقيلة الوزن، التي لم يقرأها ربع العدد الذي يتبجح بقراءتها ويستشهد بمقولات منها، لأن ماركس لم يصنع صراع الطبقات أو نظريته، ولأن صراع الطبقات وجد مع بداية أول علاقة لرجل بامرأة، ببساطة ووفق تجربتي، لأن أي رجل وامرأة لا يتزوجان بحثاً عن هواء أو طاقة جديدة، بل بحثاً عن حياة بديلة للحياة التي يعيشها كل منهما قبل الزواج.
هل يبدو لكم هذا الكلام بتعقيد ماركسي، كما في نظريات ذلك العجوز البورجوازي ماركس؟ معكم حق، بل ويحك الدماغ بطريقة مستعجلة، كحكة الطفل لذراعه وهو منهمك باللعب: حكة عنيفة – قصيرة ولكن مشبعة.
جميعنا، رجالاً ونساء، لدينا تصور خاطئ عن طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة، والذي مفاده أن الرجل والمرأة وجدا ليكونا زوجين ومن أجل إنشاء عائلة وأطفال. طبعاً واقع الحياة اليومية الظاهر لنا يقول هذا وبكل وضوح، لكن ما تخلف عملية الزواج والعيش المشترك لأي ثنائي تقول أو تسفح – إذا شئنا الدقة في التعبير – شيء آخر يمكننا اختصاره بمقولة (العيش مع العدو في مكان واحد) دون الخوف من تصفية كل منهما للآخر وهو نائم، رغم أن عدم التصفية هذا لا يسقط عن الشريك، أي شريك أو كل شريك، صفة العدو، بل العدو المزمن، إذا شئنا الدقة في التوصيف.
وربما بدافع كسب التأييد للفكرة أكثر من مناقشتها، عرضتها على صديقتي المتخصصة في التحليل النفسي، فابتسمت وقالت متسائلة بطريقة المحللين النفسيين المشبعة بالتشكيك المبطن، ولكن الذي لا يمكن تجاوزه:
- ولكن أي طبقة من صراع الطبقات وبأي اتجاه؟ قلت بصيغة صبيان المدارس غير المتأكدين من إجابتهم:
- برأيي أنا؟ الطبقة الأثقل والتي تسعى لمحق جميع الطبقات... هنا علقت صديقتي بطريقة من يعلق على قطة مرت بالصدفة من أمامه:
- أنت تحت تأثير الألم الآن، ولذا تكون أحكامك وتقييماتك أشبه بمرحلة الاستمتاع بالألم. ولكن دعنا نبقى في محور الطبقات لنرى فهمك لأمرها؛ فماذا عن زواج بين اثنين من ذات الطبقة الاجتماعية؟ هنا ابتسمت بصيغة المنتصر وقلت:
- المشكلة، أعني مشكلة الطبقية، ليست في الجانب الاجتماعي أو الجانب الاقتصادي الذي يحدد المستوى الاجتماعي، كما تصور ذلك البورجوازي ماركس، بل هو يقوم في زاوية الرؤية للحياة ككل، وهذه الزاوية لا يمكن أن تتشابه بين أي شخصين، ولذا يظل ينظر كل شخص لمن يختلف معه في زاوية الرؤية هذه على إنه من طبقة أدنى، يكون صاحبها على استعداد للدخول في صراع من أجل إخضاع الطرف الثاني لرؤيته. فكرت صديقتي لبعض الوقت قبل أن تقول:
- ليس من الناحية الثقافية بل من ناحية النظام العام للأشياء، هذا الكلام خطير، بل وبمنتهى الخطورة. ولأني اكتفيت برمقها بنظرة تساؤل عما قصدت أضافت هي: لا أقصد كلامي حرفياً طبعاً، أنت تفهم هذا الشيء، إنما أقصد أن هذا الكلام يزعزع الثقة بثوابت كثيرة، أولها نظام العائلة المقدس. صمتت صديقتي مفكرة، فمنحتها الوقت الكافي لتسرح مع أفكارها قبل أن أقول:
- وأنت، إلا مَ توعزين المشكلة إن لم يكن لنوع من صراع الطبقات؟ هزت رأسها دلالة على عدم اليقين وقالت:
- هو بالتأكيد أحد أنواع الصراع، ولكن توصيفك له، بكل هذه الخلفية القاتمة تجهدنا فعلاً، بل لا تدع لنا غير أن نرى ما حولنا بلون واحد. أين تريد أخذ باقي الألوان؟ قلت بقليل من الاستخفاف:
- أنت تتكلمين لغرض الإلهاء، وهذا هو البديل الذي يسعى إليه الجميع، في محاولة للهروب من مواجهة الصراع ذاك، وبكل مواصفاته الطبقية. ولأني وجدتها لم تفهم ما قصدت أضفت شارحاً: بعيداً عن كونك محللة نفسية، أي عبر قوس أنوثتك فقط، كم مرة ستحتملين من زوجك أن يغير لك مواضع الأشياء في مطبخك؟ أي أن تستيقظي بمزاج الصباح المتكدر وتجديه قد غير مكان علبة القهوة، أي حشرها بين علب التوابل أو تجديه قد دس علبة السكر في خزانة الصحون التي لا تستخدميها بشكل يومي، أو أن تجديه قد ترك علبة الملح في الثلاجة أو في الفرن؟ ورغم أنها ابتسمت إلا أنها قالت وملامح الجد تغطي وجهها:
- هل تصدق؟ بسبب تصرفاته هذه، لا أفكر في تركه فقط، بل أحياناً أتمنى موته ورحيله إلى مكان آخر، بعيد يختفي فيه، غير القبر حتى. هنا قلت بشيء من الانتصار:
- ألا يعني هذا أنك ترينه من طبقة أخرى دون طبقتك وغاية في التخلف وهو يفعل ذلك؟ تصنعت رصانة المحللة النفسية الأكاديمية وقالت:
- ليس إلى هذا الحد؛ ولكني صدقاً أراه في غاية التخلف وهو يفعل ذلك. وبعد لحظة كسرت طوق رصانتها الأكاديمية لتقول بصوت أنوثتها: صدقاً ذلك الأمر يدفع المرأة لليأس التام ويدفعها للتفكير بإشعال ثورة كبيرة. وتوقفت هنا وكأنها تبحث عن توصيف دقيق ثم قالت: ثورة تسقط الرجل من حافة الكرة الأرضية وتعيد ضبط الأمور من جديد، بل وتعيد كتابة قصة الوجود من جديد وبعناصر جديدة. هنا ضحكت بنبرة تشفي وقلت:
- على ألا يكون الرجل من بين عناصرها الجديدة طبعاً... أليس كذلك؟ ورغم أنها لم تجب، بل وبدل الإجابة نهضت وتركت المكان ومضت، إلا أني فهمت إجابتها التي لم ترغب التصريح بها.
في يوم آخر، آخر بعيد نسبياً عن يوم حديثنا ذاك، اتصلت بي صديقتي ودعتني لفنجان قهوة. كانت ملابسها غير منسقة، بل وحتى شعرها لم يكن مرتباً بأناقة الأنوثة. وما أن وصلنا فنجانيّ القهوة وابتعد النادل قالت بانكسار:
-هل تعرف أن معظم النساء في الزواج يراهن على حظ الوجه السابع للنرد! قلت وأنا أكتم ضحكتي كي لا تثير استياء رواد المقهى:
- يبدو إن زوجك اليوم لم يكتف بالعبث بأغراض المطبخ، بل امتدت يده لتعبث بنظام خزانة ملابسك ذاتها...؟ نفثت حسرة طويلة وقالت:
- ليس هذا بالضبط، وأنت تعرف هذا تماماً، إنما هناك شقة طويلة وعميقة، في جانب الانسجام بين الرجل والمرأة بالفعل. سألت بحياد وكأني جنس ثالث ولا يمسني الأمر:
- ومن يتحمل المسؤولية في هذا الجانب برأيك، الرجل أم المرأة؟ ردت بهدوء ومن دون أن تتوقف عن التجذيف في بحيرة أفكارها:
- هل تعرف أني عندما أفكر بعمق في الأمر، لا يبقى أمامي سوى أن هذين المخلوقين لم يكونا يوماً من فطرة واحدة ولا من مكان واحد، بل ليس من تشابه بينهما أو من صفة تجمع بينهما. كل منهما جاء من عالم بعيد، وبالصدفة المحضة وجدا أن ثمة ما قد يجمع بينهما، وهي العلاقة الجنسية وما ينتج عنها من نسل. وبعد أن توقفت لتلتقط أنفاسها أضافت: بل هما وحتى في هذا الجانب، كانت لهما آلاف في الملاحظات على بعضهما البعض، وعشرات من أوجه الخلاف والاختلاف، وخاصة في جانب التفاصيل الصغيرة. قلت بطريقة المحقق الأمني أو مفتش الشرطة الذي يحاول استدراج مجرم من حيث لا يشعره:
- وإذن؟ ابتسمت وقالت:
- لا حل أمامهما إلا أن يعود كل منهما إلى المكان الذي جاء منه. أطلقنا ضحكة مكتومة، قبل أن تطلب هي كوبيّ عصير كبيرين، من أجل تهدئة ميزاجينا، كما قالت. وبعد أن أخذنا بضع رشفات من العصير قالت، شارحة لرؤيتها: أظن أنك تتفق معي على إن المرأة تعشق الطقوس في كل شيء؟ ولأني أومأت برأسي موافقاً أضافت: وعكسها الرجل تماماً، فهو قليل الصبر ويحب القفز إلى خط النهاية بأسرع ما يمكنه...؟ وهنا أومأت موافقاً مرة أخرى فأضافت: عملية حرق المراحل بالقفز تحرم المرأة من متعة التفاصيل الصغيرة، وخاصة في طقوس الحب. هي تريد قلب كل حجر يصادفها لترى ما تحته وهذا يزيد متعتها؛ وهو، أعني أنتم يا رجال، تريدون فتح الباب والدخول بأسرع مما يفعل ديك تلاحقه مجموعة ديكة غاضبة، وفي هذا تبدون جميعكم من طبقة واحدة.. طبقة عتيقة ولا تريد التزحزح من فوق الحجر الذي تجلس عليه. هنا أطلقت ضحكة طويلة قبل أن أقول:
- ألا تظنين أن للرجال ذات النظرة حيالكن؟ عبر ضحكة مكتومة أجابت:
- تخيل، معظم النساء يعرفن هذه الحقيقة ولكن لا يردن تصديقها أو تصر أغلبهن على تجاهلها إلى حين نشوب جولة عراك بينهما، أقصد داخل مؤسسة العائلة؟ ولهذا تعود النساء للحظة صفر، أي لهذا الجانب باعتباره أساس المشكلة، لتنثر كل شيء أو كل ما تراكم في الطريق ومن أول خلاف قام بين الاثنين. قلت وأنا أبتسم:
- وإلى متى سيستمر هذا الوضع برأيك؟ ردت وهي تضحك بصوت مكتوم:
- إلى أن يأتي أو يتحقق حظ الوجه السابع للنرد، الذي سيجري عملية غسيل لدماغيّ الرجل والمرأة ويجعلهما من طبقة واحدة. تساءلت بطريقة المحقق الأمني، وأنا أصطنع ضحكة:
- وهل ستقبل المرأة بالوضع الجديد برأيك، أي أن تكون من طبقة مساوية للرجل؟ الحقيقة، وانسجاماً مع طبيعة المرأة التي أعرف، أشك في هذا! ردت وهي تضحك:
- الحقيقة إن قبلت فهذا يعني أنها ستخرج من جلدها وتتحول إلى كائن آخر… غريب ولا يشبهها!
***
د. سامي البدري






