قضايا

شيماء هماوندي: فلسفة العناية بالذات

"لا أحتاج الى طبيب نفسي بقدر ما أحتاج الى نفسي"

تلك عبارة قالتها إمرأة تعاني من حزنٍ شديد، وأزمات مُتعددة، إن هذا النوع من الأزمات التي يواجهها الإنسان في حياته ليست كلها بحاجة الى دواء بقدر ماهي بحاجة الى دعم نفسي، وبيئة آمنة، والى عناية (ذاتية) بالذات.

 إن الرجوع الى الذات ليس مُجرد إِجراء فلسفي، بل هو ضرورة وجودية، من اجل معرفة أساس المشكلة، وتتبع جذورها، وإعادة النظر في طريقة تفكيرنا، وفي رؤيتنا الذاتية لأنفسنا وللأشياء من حولنا، وفي سلوكنا تجاه انفسنا وتجاه المجتمع، لأن كل انواع الدعم النفسي، والطبي لن يكون فَعّالاً بصورة كافية إذا لم يكن الشخص يُحب ذاته، ويعتني بها، فقد لاتكون المشكلة دائماً في من حولنا، بل ربما تكون فينا نحن أنفُسَنا!

في كثير من الأحيان تكون المشكلات التي يواجهها الإنسان هي من صنع يديه، مثال على ذلك: القرارات التي يتخذها، الوضع الذي يختاره، الطريقة التي يَقبل من الآخرين أن يُعاملوه بها، والسلوكيات التي يمارسها ويكررها في حياته اليومية، وحتى الطعام الذي يتناوله، لأن قرارات الإنسان اليومية تصنع واقعه، على الصعيد الصحي، والجسدي، والمادي، والنفسي، وقد يعتني المرء بالجميع وينسى نفسه!

أيها الإنسان إعرف نفسك بنفسك

منذ أن قال سقراط مقولته الشهيرة هذه "إعرف نفسك"، والمفكرون والفلاسفة يدعون الإنسان الى معرفة نفسه، لأننا في الواقع كثيراً ما نجهل أنفسنا، ولانعرف بالضبط، مانريد، ولا كيف نحققه، وإن جهلنا بأنفسنا قد يضعنا في مكان لايليق بنا، والحقيقة أن مقولة سقراط "إعرف نفسك" هي حكمة عملية، تدعو الإنسان الى الرجوع الى ذاته، وفحص معتقداته، والتخلص من كل ما من شأنه ان يضره أو يؤذيه، نفسياً وجسدياً، وإن معرفة النفس، وإدراك مايجعلها تعيش بحكمة، وفضيلة، وسعادة، هو جزء مهم من العناية الذاتية بها، حيث يعمل على زيادة الوعي الذاتي، والتسلح بالمهارات اللازمة للتعامل مع انماط الحياة المختلفة، وإدارة العلاقات الإنسانية وحُسن توجيهها.

 إن الجهل بالنفس هو سبب أغلب المشكلات التي تواجه الإنسان، وإن معرفة النفس وفهمها، والعناية الذاتية الصحيحة بها، يولد القدرة الكافية على إتخاذ القرارات الحكيمة في حياتنا، ويكون سبباً في الوصول الى السعادة، والطمأنينة، والشعور بالرضا، لأن العناية بالذات هي وقاية لها، وهي تحمينا من الوقوع في المشكلات، وبالتالي يجب ان نكون رحيمين بأنفسنا، ولا نقسو عليها، ولا نبالغ في جلد ذاتنا، بل يجب أن يكون الإنسان عوناً لذاتهِ، ومُحباً لها، فإن لم تُحب ذاتك، ولم تقدرها، لا تتوقع من الآخرين ان يمنحوك هذا الحب، والعناية، والتقدير.

***

شيماء هماوندي

في المثقف اليوم