قضايا

اسعد الامارة: التحليل النفسي.. محاولة لمعرفة بعض من أعماق النفس

"فضائح جزيرة إبستين إنموذجًا"

تؤكد لنا معرفتنا وجميع المشتغلين بالتحليل النفسي سواءً بالعلاجات النفسية التحليلية، أو معرفة الاسباب، أو التفسير النفسي التحليلي لظواهر تمر بها المجتمعات المعاصرة في عصر ما بعد الانترنيت وعوالم الاليكترونيات وعالم المجتمعات "السوشيال ميديا" بأنواعها، فالإنسان هو هو، في عالم السكينة والهدوء إن وجدت، وعالم الانترنيت ومشكلاته من مواقع اليكترونية وغرف ودهاليز الاعلام الرقمي والمشفر، أو العالم الخبيء في جزر تحولت لتحقيق الرغبات المكبوتة، ولنقل المقموعة في فجر طفولة الإنسان وقيدت في السجل الرمزي في صفحة الفرد بكل حرفياته، لم تمحى أبدًا حتى وإن أشبعت بالمال والجاه والسلطة والمنصب وإدارة الشركات والبنوك والاستثمارات الهائلة، إلا انها تظل تقرع أجراس الرغبة بتوحش وشدة لا تطاق، تعود في السجل الخيالي بصور مجسمة تارة، وتارة أخرى ملطفة بتشويق به من الحفزات الغريزية بحثًا عن الإشباع الوهمي، وعلمتنا التجربة اللاكانية ان موضوع الرغبة المستحيل بلوغه والذي يعبر عن عجز الذات المنقسمة عن ان تحقق الإشباع، هو في الحقيقة علة الرغبة في الدرجة الأولى، ويدلنا " جاك لاكان " بأن الذات تعتقد إن رغبتها تستهدف موضوعًا بعينه، مخطئة في إدراك إن الرغبة إنما تُبنى وتنشأ من الوضع البنيوي للنقصان الذي فيه تجد الذات نفسها، والذي فيه لا يكون موضوع الرغبة إلا بديلا، ويضيف " لاكان " في كتابه " كتابات" لذا فإن سعي الذات وراء موضوع رغبتها الخاصة هو شكل من أشكال الخطأ في التصنيف، حيث فيه تكون الذات مدفوعة إلى السعي وراء كل موضوع بعينه على أمل تحقيق الإشباع والكمال اللذين منعت منهما بعد دخولها إلى العالم الرمزي، هذا السجل الذي ضم كل ما يتعلمه الإنسان ويدركه بصور مختلفة والديه " الأم والاب والأخ الكبير" والتقاليد والقيم والأعراف والدين.. الخ حسب تنوع كل فرد وخصوصيته وتنوع افراد البشرية بكيفية إدراك ما تقدم في ذلك السجل.

إن إشراك أكبر عدد ممكن من البشر ممن يحتاج لإشباع تلك الرغبة، والحاجة تبحث عن طلب لتحقيق هذه الرغبة، جاءت اللحظة التي تعلن فيها النفس البشرية عن ما ينقصها رغم ضخامة المال والجاه والمنصب.. كل تلك كانت محاولات فاشلة في سد فجوة بنيوية حدثت جراء الدخول في الرمزي " ما بنته النفس في مرحلة عمرية من حياة الإنسان، تأسس معها النقص والشعور بالدونية، ففي هذه المرحلة من الطفولة يعجز فيها الفرد دومًا عن تجسيد الخبرة المعاشة تجسيدًا كاملا باستبعاده لجزء من الواقعي الذي نحن نتجذر فيه، وهو لذلك سعي الذات العقيم في نهاية المطاف وراء موضوع الرغبة العميقة والمتجذرة لمواصلة الرغبة التي لا تنتهي ولا تشبع.

هي النفس في كل ما بعمقها وما تحتويه من شذوذها، فالذين حضروا وشاركوا في المنتدى العالمي لشذوذ النفس البشرية هم من دعا إلى حق وسط الكذابين، وهم من دعا إلى الفضيلة وسط الرذلاء، وهم أنفسهم من دعا إلى عدالة وسط الظالمين، وإلى الحرية في وسط ركام الدكتاتورية، في حقيقة أنفسهم هم بشر دعوا شعوبهم ومريديهم وزبائنهم في الحياة العملية إلى رؤية أفضل لإنسان أفضل يحيا حياة أفضل، فمحفل " جيفري ابستين " أعلن عن التسامح فوق المحسوسات، وأرتفع بمبادئه محلقًا في سماء الفضيلة ساعيًا لخدمة الناس في مختلف مجتمعات العالم المتحضر والأقل تحضرًا أيضًا، نحاول في هذه المطوية ذات السطور المهتمة في التحليل النفسي عرضنا بعض من أفكار التحليل النفسي، وكما علمنا التحليل النفسي أيضًا بأن الإنسان هو لغة رغبة التي يعلن بها عنها يجمع بين الإفصاح والإخفاء، بأعلان يقدم فيه رغبته على الوضع الذي يرغبه، أو أن يخضع رغبة الآخر ويريد منه أن يقدم بها هذه الرغبة. ومثال ذلك فضائح جزيرة " جيفري ابستين ".

أثبت التحليل النفسي إن دراسة الإنسان هي محور دراساته منذ تأسيسه على يد المحلل النفسي النمساوي " سيجموند فرويد". وجاء بعده من يرى أن كل تحليل نفسي هو نقد للمجتمع، لأن المجتمع يتغير باستمرار كما يرى المحلل النفسي الألماني " ليون برينر " ويضيف المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" إن الإنسان يتعايش تمامًا مع عدم الحقيقة.

إننا نعيش هذا العالم المتجدد والسريع في التطور، هذا يجعل رغباتنا تضغط علينا لمواكبة هذا التطور، هذا كله لإشباع رغبة – شهوة – متعة، هذه كلها ليست سد الحاجة، أو طلب إنساني بل هي نزوع مرضي لعدم الإشباع حتى وإن كان الاشباع عند المليونير في المال، أو السلطة، أو في المنصب، أو إدارة الدولة، هناك شيء غير مشبع ظل هائمًا بين المال والسلطة والمنصب، ولن يشبع فأخذ منحى آخر هو ممارسة كل ما هو شاذ، لأنه يمثل حقيقة النفس، ونقول لا فائدة من المال أو السلطة أو المنصب أو الشهادة العليا في التخصص والعلم إذا لم تعترف بجهل ما تشتهي النفس، ويقودنا قول جاك لاكان من الرغبة تنبثق الهيئة التي تمارس المتعة – النشوة، ونقول ما بني في تكوين النفس لابد وإن يعلن عن نفسه مهما طال الزمن، أو تخفى تحت ستار المال، أو المنصب، أو الجاه، أو شرف المهنة، أو الوطنية والمواطنة.. الخ.

ظواهر الإنسان اليوم لا تبتعد كثيرًا عن ظواهر الأمس إلا من حيث النوع، وإن زاد فيها الكم وتنوع فيها المسبب، فما يعانيه إنساننا اليوم من أعراض هي وليدة حضارتنا، وزيادة الحصر في الحضارة مما أدى إلى تضخم الأزمات واحداث الصدمات النفسية فضلا عن التداخل الشخصي في شحن الرغبات غير المتحققة، والمتحققة منها.. لإن الصراع لا ينتهي. وساستعير من المحلل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" تشكيل بنية الفرد وانعكاساتها على سلوكه وتعامله اللاحق في حياته في عدة صور من صور الحياة اليومية والممارسات، نقول تظهر تلك البنية وتكشر عن أنيابها.

تعتمد صورة التخييل عند من تعاون وتعامل مع شخصية المدير - الرئيس – الوزير في هذه الجزيرة هي بنية متخيلة تحمل ذات منشطرة وهي في الآن نفسه لا تشير فقط إلى نوع من الشطح المتخيل، وإنما تشكل النسيج الاجتماعي الحق للواقع الذي يعيشه فعلا وعندئذ تكون الذات بطبيعتها مغتربة وناقصة، وكما عرفنا ان النقص " العميق في النفس" يولد الرغبة بكل أشكالها ومنها الهمجية البدائية، وكذلك غياب أو عدم وجود شيء في اعماق أنفسنا لا يشبع أبدًا.. أبدًا.

***

د. اسعد الامارة

في المثقف اليوم