قضايا

غالب المسعودي: تهافت الأكاليل.. هجرةٌ ثانية إلى "التيه"

في القبوِ الخلفيِّ لوجودٍ قاحل، حيثُ المرايا وجوهٌ مطفأة والآجامُ أجسادٌ بلا ظلال، وقفَ مسحوقٌ يتجردُ من أسمالِ ذاكرتِه، لا يملكُ إلا الرمادَ كأثرٍ يتأملهُ شبحٌ غريب. كانت السماءُ هناكَ ندبةً حمراءَ تشهقُ غبارَ الصمت، حتى انفتقَ رتقُ الكونِ فجأة؛ فتداعت حلقاتُ المريخ.. لم تسقط ككواكب، بل هبطت كشظايا مسنونة، ناضحةً باحمرارٍ أزليٍّ كنزيفِ المدنِ التي نساها الله خلفَ الحصار.

ذلك الشبحُ الذي جفَّت في عروقِه حواسُّ الدفء، توهّمها أمطاراً حامضيةً تنهشُ ما تبقى من أثيرِه الممزق. لم يدرك أن 'آريس' -إلهُ الحربِ المكلوم- يفرغُ الآن جيوبَه المثقوبة من ذهبِ الأساطيرِ العتيق، وينثرُ لوعتَه فوقَ رأسٍ لا يسكنُه سوى صدى الجوعِ وهواجسِ المنافي.

"كل حلقة تسقط، هي صرخة مؤجلة في حنجرة الفراغ، هي بيتٌ ينهار في قاع الذاكرة".

لم تكن الحلقات ماءً، بل كانت توابيت من الضوء الميت، تشبه تلك التي تُشيع بلا أسماء. حين لامست مفرق رأسه، لم يحترق، بل استيقظت فيه غريزة الانتماء إلى "التلاشي" الأول، حيث الفقر هو التجرد المطلق. بصقةٌ من القرف أطلقها بوجه السكون، وقرر الهجرة المعاكسة؛ نبذ الاستقرار البارد في الموت، وسحل أذيال كينونته عائداً.. مخترقاً فجوات الزمن التي تشبه جروحاً لم تندمل في جسد الأوطان. كان يركض نحو مصب بحر الأمنيات، ليس حباً في الأماني، بل رغبةً في الغرق داخل لزوجة الاحتمالات ثانيةً، لعلَّ في الغرق صوتاً لا يسمعه الطغاة.

هناك، عند المصب، حيث تلتقي المياه الكبريتية بدموع التماثيل المنسية في الميادين المهجورة، وقف الشبح عارياً من وهم الخلود، ينتظر أن تبتلعه الأمواج التي لا تجيء، محاطاً بحطام المريخ الذي صار الآن.. مجرد ركام في ذاكرةٍ لم تعد تملك رأساً ليفكر، كفقيرٍ فقد بيته ولم يعد يملك حتى سقفاً للخيال.

عند مصب بحر الأمنيات، حيث تتقيأ الأمواج بقايا أحلام الغرقى الفارين عبر البحار، لم يكن الشبح يبحث عن نجاة، بل عن تفتتٍ منظم. كانت شظايا حلقات المريخ التي علقت بمسامه الأثيرية تتأكسد، تتحول من أمطار حامضية إلى "علقة" كونية حمراء، تشبه تخثر الدم فوق ركام المدن.

هناك، وسط الهياكل الكلسية للأماني المجهضة، انشقت الأرض عن "ننماخ". لم تأتِ كآلهة مغسولة بالضوء، بل برزت من رحم الطمي العظيم، طين الخنادق والملاجئ كصرخة جسدية. يداها الملطختان بصلصال الأزل تمسكان بخيوط "الأنكي" المقطوعة، كأنها تحاول رتق أرواح قتلى الحروب. كان الصمت مكتملاً كالبيض، ننماخ لم تكسر البيضة لتصنع من قشورها خناجر للولادة، بل لتصنع منها دروعاً لفقراء لا يحميهم أحد.

دنت "ننماخ" من الشبح المتهاوي. لم تمنحه قبلة الحياة، بل غرست أصابعها السبع في تجويف صدره الخالي من الرغيف والوطن. انتزعت وهم العدم، وحولته إلى رحمٍ مكشوف؛ حلقات المريخ التي ظنها دماراً، صارت تحت لمساتها أحزمةً من المشيمة، تربط ضحايا الحروب بالأرض التي تأبى لفظهم.

الولادة الأولى:

 لم تكن طفلاً، بل كانت "معنى" يزحف على ركبتيه، كلاجئٍ يبحث عن حدودٍ لا تقتله. تداعت جدران الفراغ، وبدأ بحر الأمنيات يضخ "اللا زمن" في عروق الشبح التي نبتت فجأة من ملوحة الأرض الجريحة. لقد استعادته "ننماخ" من الضياع لتضعه في جحيم التكوين. الشبح الذي أراد الهرب من الأمطار الحامضية، وجد نفسه الآن الجنين الأبدي الذي يقتات على فضلات النجوم ومخلفات المعارك، محكوماً عليه بأن يولد في كل لحظة انفجار، دون أن يكتمل أبداً.

على وسادة التكوين، يتقيأ بقايا طيفه، وبأصابع ننماخ التي تشبه مخالب القدر، لم تكن تمنحه شكلاً، بل كانت تنتزعه من الفراغ انتزاعاً. قبضت بيدها اليمنى على حفنة من الطين الأحمر ذلك الهباء الذي تداعى من حلقات المريخ الممتزجة بتراب المقابر الجماعية ومزجته بلعاب "بحر الأمنيات" المالح. كان الطين يعوي تحت أصابعها، وكأن ذرات الحديد فيه ذكريات ضحايا تأبى أن تُصاغ ثانيةً كوقودٍ للحروب.

غرزت "ننماخ" ركبتيها في صدر الشبح الهلامي، وبدأت برتق الفتوق:

الرأس:

لم يكن كروياً، بل صاغته من حطام الحلقات الحامضية؛ فصار جمجمة من حجر بركاني أسود، تنعكس على جدرانها خيبات الفقراء في كل العصور.

العينان:

 فقأت عين العدم في وجهه، وزرعت مكانهما فصين من الكبريت المريخي، لينظر بهما إلى الوجود فلا يرى إلا احتراق المعنى في فوهة البندقية.

الجسد:

 لطخت أثيره الشاحب بطبقات من الطين الثقيل، حتى صار الشبح سجناً من الفخار الحي، نُصباً تذكارياً للألم الذي يرفض الموت.

حين اكتمل الجسد، لم تنفخ فيه روحاً، بل نفخت فيه رعبها من التكرار الأبدي للمأساة. تقشرت القشرة الحمراء عن جلده الجديد، فظهر الشبح كأنه جرحٌ يمشي على قدمين. الحلقات التي ظنها أمطاراً حامضية أصبحت الآن عموده الفقري، تئن مع كل خطوة يخطوها مبتعداً عن شواطئ الأمنيات، عائداً إلى صخب الوجود كآلة بيولوجية صنعها الفقر من فضلات الكواكب الميتة.

لقد صار الشبح الآن "ابن الطين الأحمر"، يحمل في مسامه ملوحة الدم وغبار المريخ، محكوماً عليه بأن يظل شاهداً على أن الولادة في زمن الصراع هي أقسى أنواع العقاب السريالي.

على حافة المنحدر الذي يفصل بين الهلامية والصلصال، وقف الشبح المسخ بجلده المريخي المشقق، يلتفت خلفه بنظرة كبريتية أخيرة. هناك، في الفراغ المطلق، تجسد "سيروان" كعدمٍ يتثاءب، بلا ملامح وبلا صدى، وناداه:

عدتَ سجيناً يا هارب.. كنتَ سيداً في لا-شيئي، والآن أنتَ عبدٌ لمخاض 'ننماخ'. تلبّستَ بصدأ المريخ، وتوضأت بملوحة الأمنيات، فماذا ربحتَ غير ثقل الجسد الذي ستأكله المدافع؟ الحلقات التي ظننتها مطراً، صارت الآن أغلالك الفقرية.

أجابه الشبح، وهو يلمس جرحه الجديد:

في عدمك كنتُ مكتملاً كالدائرة، لكنني كنتُ ميتاً كالحجر الصامت. فضلتُ أن أكون جرحاً ينزف طيناً مريخياً على أن أكون فكرةً منسية في ردهات صمتك. 'ننماخ' لم تمنحني حياةً مخملية، بل منحتني ألم الارتطام بالواقع، وهذا يكفيني لأعرف أنني أقاوم.

قال سيروان بسخرية باردة:

 أنت الآن مادة.. والمادة تخون، ان الذي جلبته من حروب المريخ، سيجف في هجير الحقيقة. ستتمنى لو عدتَ طيفاً في مملكتي العدمية حين تكتشف أن 'بحر الأمنيات' ليس سوى سرابٍ من دموع أسلافك الذين قتلتهم نفس الحلقات.

رد الشبح وهو يغرس قدمه الحمراء في أرض التكوين:

ليجف الطين، وليتكسر الجسد.. ففي كل شقٍّ في جلدي المريخي، سأزرع أسطورة جديدة لفقيرٍ لم يركع. لقد تركتُ لك 'الكمال البارد' في قصورك الوهمية، وأخذتُ معي 'القرف المقدس' للولادة وسط الركام. اذهب إلى صمتك فأنا الآن أملك ظلاً.. والظل هو أول اعتراف بالضوء الذي يحجبه دخان المعارك.

بصق الشبح كتلة من العلق الأحمر في وجه الفراغ، واستدار بظهره. الحلقات التي تداعت على رأسه ذات يوم، استقرت الآن كتاجٍ من شوك النجوم أو أسلاك شائكة فوق جبهته الطينية، ومضى يجرّ كينونته الجديدة نحو شمسٍ لم تغرب بعد، تاركاً وراءه أبدية من العدم المنفي.

في تلك النقطة المحرمة، حيث تنتهي كظلامٍ يلتهم نفسه، ويبدأ الشبح ككتلة من طين المريخ الأحمر المتخثر، حدث الارتطام. لم يكن ارتطام أجساد، بل كان انكسار "فكرة السلام" على صخرة "المادة المحترقة". وقف الشبح، الذي أعادت "ننماخ" رتقه بحطام الحلقات، يقطر دماً معدنياً، بينما كان يمتص الضوء من حوله كأنه ثقب أسود يبتلع التاريخ. إنه الجرح الذي لا يندمل لأن لا لحم له، بل له قضية.

بدأت حلقات المريخ التي استقرت فوق رأسه تدور بسرعة جنونية، لم تعد أمطاراً حامضية، بل صارت نصالاً من الزمان تقطع سكون الطغاة. مدّ الشبح يده المصنوعة من طمي "ننماخ" الثقيل، وطبع كفه المحروقة على وجه العدم. في تلك اللحظة، ولأول مرة، صار للعدم وجهٌ مشوه بملوحة بحر الأمنيات الميتة، وجهٌ يصرخ بصوت الفقراء الذين يأبون التلاشي.

سيروان يمتص ذرات المريخ من جسد الشبح، والشبح يمتص "التلاشي" من قلب سيروان. صارا كياناً واحداً هجيناً:

 "عدماً متجسداً في صورة ضحية". لم ينتصر أحد. سقط الشبح في المصب، لكنه لم يعد شبحاً، بل صار "تمثالاً من الوجع" يقف حارساً على بوابة البرزخ بين الفقر والموت. أما "سيروان"، فقد تلوث بذرة من الطين الأحمر، وصار محكوماً عليه بأن "يشعر" بثقل وجود الجياع إلى الأبد.

كانت ننماخ تراقب من بعيد، تبتسم بمرارة، وهي ترى أن الولادة ليست سوى عملية "تلطيخ" للعدم بدم الحقيقة الجارحة. لم يسقط الهجين في الماء، بل غاص في مخاضٍ سائل؛ كان بحر الأمنيات في تلك اللحظة يشبه رحماً كونياً مفتوحاً، مياهه هي دموع الأمهات الثكالى ووعود السياسيين المنتهية الصلاحية. وحين لامس جسده القاع، بدأت طبقات طين المريخ تتقشر كجلد ثعبان يرفض موته.

حلقات المريخ التي كانت تاجاً وشوكاً، ذابت وصارت خيوطاً من البرق تلتف حول عنقه كحبل سُريّ يربطه بأرضه المنهوبة. لم يختنق، فتح فمه ليدخل ملح الأمنيات المرة إلى رئتيه، فاستحالت أنفاسه إلى بلورات من الكبريت الصامد.

الغرق هنا ليس نهاية، بل هو تراكم الطبقات فوق الروح حتى تصبح مادةً صلبة كاليقين بالحق.

في القاع السحيق، حيث تجلس "ننماخ" صامتة تغزل من عشب البحر أجساداً لمشردين جدد، استقر الهجين. لم يعد شبحاً، بل صار "نطفةً معدنية" تنتظر الثورة الكونية القادمة. لقد امتص بحر الأمنيات وحوّله إلى ثقلٍ نوعي. والآن، كلما اهتز سطح البحر بفعل القذائف، يعرف العابرون أن هناك، في الأسفل، شظية من المريخ تحاول أن تولد من جديد، وأن الشبح الذي فر من الفقر قد صار هو نفسه "المطر" الذي سينهمر يوماً ليغسل ركام العالم.

توقف الهمس، لكن أثره ظل يغلي في الطين الأحمر. الهجين، في قاع البحر، لم يفتح عينيه الكبريتيتين، لكنه شعر ببرودة تسكن في نخاعه الفخاري. لقد صار هو "البرزخ" نفسه؛ يداه من طين الخلق، وقلبه من فراغ العدم، وحنجرته تختنق بملح أماني الجوعى.

بشهقةٍ معدنيةٍ شقّت صمت القاع، هزّ أركان بحر الأمنيات، قرّر أن يضع حداً لحوارية الطين والعدم. لم يعد "البرزخ" يتسع للتناقض، انفجر صدر الهجين، لا عن أحشاء، بل عن مجراتٍ مجهضة من الأحلام التي وُئدت في المهد.

انطلقت حلقات المريخ التي كانت مستقرة في عموده الفقري كشفراتٍ ضوئية، قطعت مياه بحر الأمنيات وحولتها إلى بخارٍ مسموم يلاحق القتلة. طين ننماخ تفتت إلى ذراتٍ، كل ذرة منها تحمل "صرخة ولادة" و"همسة احتجاج". صار القاع غباراً أحمر يبتلع ضوء الزيف.

الانفجار هو الطريقة الوحيدة التي يعتذر بها الطين للعدم عن كونه وُجد في عالمٍ لا يحترم الفقراء.

لم يبقَ من الشبح، ولا من المريخ، ولا حتى من الهمس شيءٌ ملموس سوى الذاكرة. فوق سطح بحر الأمنيات، طفت رغوةٌ كبريتية حمراء، تشبه وشماً مؤقتاً على وجه الماء الغادر. وفي القاع، بقيت فجوةٌ أبدية، أثرٌ لبرزخٍ قرر أن ينتحر ليتحرر من عبء "التكوين القسري".

تفتحت النافذة على عين "ننماخ"، الآلهة التي لم تعد تملك طيناً لتشكله بعد أن استنفد الفقراء كل التراب. وقفت على حافة البحر الذي صار لونه بلون النحاس المحروق، تمسح عن كفيها بقايا "العلقة المريخية". بالنسبة لها، لم يكن الهجين مجرد كائن، بل كان صرخة الضحية الأخيرة.

من شظايا الانفجار، لم تخرج جثث، بل خرجت "أجنة من هواء" أرواح الفقراء التي تسبح في الفضاء. حلقات المريخ لم تختفِ، بل تحولت إلى "غبار زمني" يسقط فوق جفون العالم الظالم. كل ذرة غبار هي مشهد من حياة فقير لم تُعش؛ مطر حامضي يغسل القصور المنيعة.

ننماخ لا تبكي، لكن مسام جلدها تفرز ملحاً أسود كلما تذكرت أنها كانت يوماً.. هجيناً يرفض السقوط تحت أقدام الحروب.

نظرت ننماخ إلى الأفق، رأت ظلاً جديداً يتشكل من "صدى الانفجار" نفسه. هذا الظل هو "ذاكرة الألم المريخي" وقد استقلت عن جسدها. إنه التمرد الأخير؛ فبينما أراد الطغاة الصفر المطلق للفقراء، قرر هذا الظل أن يكون "الواحد المتكرر" في خيال التاريخ.

لا عزاء للأشباح التي تظن أن الطين سقفٌ يحميها.. الطين هو القبر الذي نمشي فوقه، أو الخندق الذي نولد فيه. ارحلوا الآن عن هذا البرزخ، فالهجين لم يمت.. إنه الآن يسكن في مسام جلودكم، يهمس بملوحة البحر وغبار الكوكب الأحمر، شاهداً على أننا جميعاً، نحن الفقراء والأشباح، لسنا سوى "أخطاءٍ ميتا سريالية" في ذاكرة آلهةٍ نسيت كيف تمسح يديها من دماء الخلق.

 خامساً: ما تم إضافته لتعميق الرمزية

***

نص ميتا سريالي

غالب المسعودي

في المثقف اليوم