قضايا
نبيل الربيعي: المنعكسات الشرطية بين تجارب بافلوف وفلسفة نوري جعفر
يُعد علم المنعكسات الشرطية من أهم المنعطفات في دراسة السلوك الإنساني، إذ وضع أسسه العالم الروسي إيفان بافلوف، ثمّ جاء المفكر العراقي نوري جعفر ليمنح هذه النظرية أفقاً أوسع، متجاوزاً حدود التفسير الفسيولوجي إلى فهم أشمل لطبيعة الوعي الإنساني ونشأته. ومن هنا تتجلّى أهمية الربط بينهما، بوصفه انتقالاً من تفسير السلوك بوصفه استجابةً، إلى تفسير الإنسان بوصفه كائناً واعياً مُنتجاً للمعرفة.
لا يمكن فهم نظرية المنعكسات دون الانطلاق من مفهوم (الانعكاس) ذاته. فالانعكاس، في أبسط صوره، ظاهرة فيزيائية عامة تتّصف بها المادة، سواء كانت جامدة أو حية. ففي العالم اللاعضوي يظهر الانعكاس على شكل ارتداد الضوء أو انعكاس الصور، وهو انعكاس سلبي لا يحمل أي دلالة حيوية أو وظيفية.
لكن مع تطور المادة عبر مسار النشوء والارتقاء، تحوّل هذا الانعكاس من كونه ظاهرة سلبية إلى ظاهرة بيولوجية نشطة. فالكائن الحي لا يكتفي باستقبال المؤثرات، بل يستجيب لها بما يخدم بقائه. وهنا يظهر الفرق الجوهري:
- الجماد يعكس الواقع دون تمييز أو اختيار.
- الكائن الحي يستجيب انتقائياً وفق حاجاته.
مع تعقد الكائنات الحية وظهور الجهاز العصبي، تطورت الاستجابات لتصبح أكثر دقة وتنظيماً، فظهرت الحواس، وتعددت أنماط الإحساس، وصولاً إلى الدماغ بوصفه مركزاً لتنظيم العلاقة بين الكائن وبيئته. أما الإنسان، فقد بلغ بهذا التطور ذروته، إذ لم يعد انعكاسه للواقع مجرّد استجابة، بل تحوّل إلى إدراك واع، يمكّنه من فهم البيئة والتأثير فيها، لا التكيف معها فقط.
قدّم إيفان بافلوف تفسيراً علمياً دقيقاً لكيفية تشكّل السلوك من خلال ما سمّاه (علم المنعكسات الشرطية)، وذلك عبر تجاربه الشهيرة على الكلاب. من خلال المنعكس الغير شرطي، هو استجابة فطرية مباشرة، مثل إفراز اللعاب عند رؤية الطعام. هذه الاستجابة لا تحتاج إلى تعلم، بل هي جزء من التكوين البيولوجي للكائن الحي.
أما المنعكس الشرطي؛ هو استجابة مكتسبة، تنتج عن ربط مثيرٍ محايد كـ(صوت الجرس) بمثير طبيعي (الطعام)، بحيث يصبح المثير المحايد قادراً على استدعاء نفس الاستجابة. من خلال ذلك، أثبت بافلوف أن: السلوك ليس ثابتاً، بل قابل للتشكل، من خلال التعلم الذي يتم عبر الربط بين المثيرات، ومن خلال الجهاز العصبي الأعلى هو المسؤول عن تنظيم هذه العلاقات.
أما أهمية المنهج العلمي عند بافلوف فلم تقتصر إسهاماته على نتائجه التجريبية، بل امتدت إلى منهجه العلمي الصارم، الذي يمكن تلخيصه في:
- وضع خطة واضحة للبحث.
- التدرج من البسيط إلى المعقد.
- الفحص الدقيق (التمحيص).
- الاعتماد على الحقائق لا الافتراضات.
وقد عبر عن ذلك عملياً بشعاره الشهير: (التمحيص ثم التمحيص)، مؤكداً أن الحقيقة هي الأساس الذي يقوم عليه العلم.
أما العلامة نوري جعفر ودوره في توسيع مفهوم (علم المنعكسات الشرطية)، لم يقف عند حدود التفسير الفسيولوجي، بل سعى إلى بناء رؤية شاملة تربط بين البيولوجيا والفكر والمجتمع، من خلال المنعكس البيولوجي إلى الوعي الإنساني. يرى نوري جعفر أن المنعكسات ليست مجرد استجابات عصبية، بل هي الأساس الذي يبنى عليه الوعي. فالإنسان لا يستجيب فقط، بل: (يدرك، يفسر، يعيد تشكيل الواقع). هذا يعني أن الوعي هو نتيجة تطور طويل للمادة، بلغ ذروته في الدماغ البشري.
أما المنعكسات الكلامية، فمن أهم إضافات نوري جعفر لها، إذ اعتبر اللغة تلعب دوراً حاسماً في تشكيل التفكير. فالإنسان يستجيب للكلمات كما يستجيب للمثيرات الحسية، بل إن الكلمات تصبح بدائل رمزية للعالم الخارجي. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان، من خلال:
- الحيوان يستجيب للمثيرات المباشرة.
- الإنسان يستجيب للرموز، مثل: (الكلمات، المعاني، الأفكار).
أما البُعد الاجتماعي للوعي؛ إذ يربط من خلالها نوري جعفر بين تطور الدماغ وتطور المجتمع، فالسلوك الإنساني لا يفهم بمعزل عن البيئة الاجتماعية. فاللغة، والثقافة، والتجربة التاريخية، كلها تسهم في تشكيل الوعي.
لنكتشف من خلال متابعتنا لذلك؛ من خلال الربط بين الاستجابة إلى السيطرة على الواقع بين بافلوف والعلامة نوري جعفر عن مسار تطوري واضح. عند بافلوف كان السلوك يمثل (الاستجابة للمثيرات)، أما عند نوري جعفر السلوك يمثل (الاستجابة للوعي إضافة إلى القدرة على التغيير). فالإنسان لا يكتفي بالتكيف مع البيئة، بل يعمل على فهم قوانينها وتوظيفها للسيطرة عليها، وهذا هو جوهر التقدم العلمي والحضاري.
إن هذا الفهم المتكامل (للمنعكسات) يقدم لنا العلامة نوري جعفر أساساً مهماً في التربية والتعليم ودلالاتها المعرفية، إذ يؤكد على أهمية التدرج في التعلم، وضرورة الربط بين المعرفة والتجربة من خلال دور اللغة في بناء التفكير، وأهمية البيئة في تشكيل السلوك. كما يبرز دور المنهج العلمي القائم على الفحص والتجريب، لا الحفظ والتلقين.
خاتمة
إن الربط بين إيفان بافلوف والعلامة نوري جعفر ليس مجرد مقارنة بين عالمين، بل هو تتبع لمسار تطور الفكر العلمي نفسه من تفسير للسلوك بوصفه انعكاساً بيولوجياً، إلى فهم الإنسان بوصفه كائناً واعياً يصنع المعنى ويعيد تشكيل العالم. وهكذا، يتحول (المنعكس الشرطي) من مجرد استجابة عصبية، إلى مفتاح لفهم أعقد ظواهر الوجود هو العقل الإنساني ووعيه.
***
نبيل عبد الأمير الربيعي







