عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بهاء سوادي: سفير الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.. عبد الجبار الرفاعي

أقرأ لعبدالجبار الرفاعي منذ سبعة أعوام، وأنا من أشد المتأثرين به. تلك الإثارة الأولى التي انبثقت في حياتي مع الإلهام العميق لقراءاتي في الدين وقضاياه، ما كانت لتبلغ غايتها في اكتشاف المعنى، لولا ما أتاحته كتابات الرفاعي من أفق رحب، وما فتحته رؤيته الأخّاذة للدين من دروب تقود إلى تجربة أعمق في الفهم والعيش. الرفاعي سفيرٌ معنويٌّ لحياةٍ روحيةٍ، أخلاقيةٍ، جمالية. وأقصد بـ"السفير المعنوي" أنه ينهض بدورٍ يتجاوز التنظير الأكاديمي، إذ يمنح العالم رؤية تفتح أفقًا يُعيد فيه الدين اكتشاف معناه، بوصفه طاقة حب وجمال وأخلاق، بعد أن أثقلته صور التهويل والتخويف. هذه الثلاثية: الروحية، والجمالية، والأخلاقية، تشكّل الأعمدة التي يرتكز عليها مشروعه في إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ليغادر به المجال الأيديولوجي إلى الأفق الأنطولوجي، وينتقل من القوالب الشكلانية إلى المعنى الجوهري، ومن التنظير السطحي إلى رؤية نقدية عميقة تُنصت إلى حاجة الإنسان للمعنى.

تتردد كلمات: روح، أخلاق، جمال، معنى، ومعنى المعنى، بكثافة في مؤلفات الرفاعي، كأنها المفاتيح التي يفتح بها أفق رؤيته للدين والإنسان. الإنسان عنده تعبير عما يختزنه في داخله، لذلك يمنح الآخرين الجمال والمعنى بوصف ذلك انفتاحًا لروحه، التي لا تحتمل الاكتظاظ بما امتلأت به، فتفيض به حضورًا في العالم. سألتُه مرة عن هذا الحضور الكثيف لمفردة "المعنى" في كتاباته، فقال: "الدين حياة في أفق المعنى، الدين والحب كلاهما محاولات لإنتاج معنى لحياة الإنسان. لا يستطيع الإنسان العيش من دون معنى لحياته الفردية والمجتمعية."

 يحدثنا عبد الجبار الرفاعي بطريقة يأمل معها أن يُعاد الدين من حقله الأيديولوجي إلى حقله الأنطولوجي، ليُروى بهذه النقلة ظمأ الإنسان إلى المقدس، وتمتلئ روحه بالحب والإيمان والجمال. يقول الرفاعي: "يمكن أن يكون الدين منبعًا للمعاني الجميلة عندما يعود الإنسان إلى البعد الأنطولوجي للدين"، ويرى أيضًا أن "إدراك البعد الأنطولوجي للدين من شأنه أن يضع الدين في حقله الذي يكفل بناء حياة روحية وأخلاقية وجمالية في حياة الفرد والمجتمع". تتسع آفاق هذه الرؤية حين ننظر إلى الظاهرة الدينية بوصفها تركيبة متنوعة الأبعاد، أساسها لغة الدين بوصفها نواة يتولد منها المعنى، وتتفرع عنها تجليات متعددة للغة الدينية في الواقع؛ فهذه اللغة تتشكل وفق الأرضية النفسية، والوضع الاجتماعي، وأفق انتظار المتلقين الذي يتبدل من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن واقع إلى أخر. عندما نؤمن بتعدد هذه التجليات، تنفتح أمامنا رؤية جديدة للدين والإنسان والعالم، رؤية تدرك أن التعدد أفق كل معرفة وتجربة، في هذا الأفق تتجدد الحياة الدينية بوصفها إشراقة للمعنى، تعيد لكل شيء دلالته، وتفتح القلب لتقبّل الآخر كما هو، بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى لا خصمًا في الاعتقاد.

يعيش الإنسان في فضولٍ معرفي لا يخفت، يتوق به إلى الكشف عن الدلالات الملتبسة التي تتسلل إلى حياته عبر مؤثرات العالم، فتوقظ في أعماقه أسئلة لا تهدأ، أشبه بمشاكساتٍ دفينة تقلق سكونه، وتدفعه إلى البحث عن أجوبة تمنحه معنى لوجوده، وتعيد ترتيب علاقته بنفسه والعالم. هذه الأسئلة لا تنشأ على هامش الحياة، بل تنبثق من صميم التجربة الإنسانية، حين يواجه الإنسان قلق المعنى وغربة الوجود، يندفع نحو ما يروي عطشه إلى الفهم والسكينة. هكذا يغدو الإنسان، كما يقول عبد الجبار الرفاعي، "في توق مستمر للكشف عن معنى المعنى"، إذ لا يكتفي بالمعاني الجاهزة، بل يظل يبحث عن أفق أعمق يهب حياته دلالة تتجاوز العابر والمؤقت.

يعيش الإنسان حياته كأنها رحلة مؤقتة، تتصارع فيها الأضداد وتتعاقب فيها الأحوال؛ طريقها طويل وقصير، سريع وبطيء، هادئ وصاخب، مبهج ومثقل، جميل ومؤلم. في هذا التوتر الدائم بين الأضداد تتشكل حركة الإنسان في العالم، وتتجلى صيرورته التي تنمو من احتكاك التجربة وتفاعلها مع تناقضات الواقع. في قلب هذه الرحلة المفعمة بالصراع والقلق، يندفع الإنسان بقوة نحو كل ما يمنحه الطمأنينة ويعيد إليه توازنه، فيتأمل ويشتاق إلى ما يفيض بالمعنى، وما يشبع عقله وروحه وقلبه من أفق يتلمس فيه أثر الخلود وإيحاءات السلام العميق.

يستكشف الإنسان العالم في هذه الرحلة بحثًا عن مبتغاه، فيخوض في الفنون والأدب والشعر والعلوم الإنسانية والدين، كما يتأمل في المعرفة والعلوم الطبيعية، وينخرط في الواقع المادي الذي يتجلى اليوم في الخوارزميات والبزنس والتطورات الرقمية المعاصرة. في كل واحد من هذه الحقول يلمس الإنسان جانبًا من ذاته، ويجد تعبيرًا عن انشغالاته وأسئلته؛ ففي الفن يتذوق الجمال، وفي الشعر يختبر طاقة الإبداع، وفي العلوم يكتسب خبرة تتطلب التأني والدقة، وفي الدين يستشعر أفق الخلود ومعنى النجاة. وعندما ينغمس في العالم الرقمي بما يحمله من حركة وتدفق وفرص، يتلمس شكلًا من البهجة والاستقرار والأمان، كأن كل حقل من هذه الحقول يمنحه جزءًا من المعنى الذي يظل يسعى إلى اكتماله.

 ليس كل إنسان قادرًا على الإحاطة بجميع هذه الحقول والخوض في تفاصيلها، الإنسان يولد بسيطًا هشًا، ضعيفًا جاهلًا، محدود التوهج روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا، ثم يرتقي في مدارج التكامل ليغدو كائنًا أكثر تعقيدًا ووعيًا وقدرة. وفي أثناء شق طريقه في العالم، يواجه تضاريس قاسية، ويدخل في صراعات لا تخلو من عنف وهيجان وحروب واضطهاد وعصبيات واستبداد فكري، حيث يضيق أفق المعنى تحت وطأة ما يسميه عبدالجبار الرفاعي "نظام احتكار المعنى"، حين يُرحَّل الدين من حقله الأنطولوجي إلى حقل الأيديولوجيا، فيفقد طاقته على إرواء الظمأ الروحي، ويغدو أداة في صراعات السلطة والثروة. في هذا الأفق، تستوقفني عبارة محمد أركون: "لقد قتلت الأيديولوجيا العرب"، وهي عبارة بدت لي يومًا صادمة وغامضة حين كنت أفهم الأيديولوجيا فهمًا ساذجًا، غير أن معناها انكشف في ضوء قراءة الرفاعي، الذي يرى أن "الأيديولوجيا ليست مجرد أفكار، بل هي نظام لتوليد المعنى ينتج وعيًا زائفًا بالواقع، ويصوغ شبكة سلطة متشعبة تنبثق من أحلام مشبعة بعالم طوباوي متخيل، فتحتكر إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل الواقع في صورة تختزل تعقيده وتطمس أبعاده، وتفرض على الإنسان فهمًا مغلقًا للعالم، يحرمه من رؤية غناه وتعدده".

 إذن نحن، في خضم هذا الصراع، ننازل غولًا ضخمًا اسمه الأيديولوجيا، أمسك بالدين وقيده بأغلال ثقيلة تتمثل في وعي زائف، ورؤية مظلمة للعالم، وأسئلة جامدة تتكرر بلا أفق، واحتكار للحقيقة، وإخماد لذلك الاستفهام المتقد الذي يسلكه المعنى في عقل الإنسان، فيضيق أفقه، وينحسر حضوره، ويتحول الدين من طاقة تحرر إلى أداة تسلط واستعباد. لقد "قتلت الأيديولوجيا العرب" فعلًا، ويمكن القول، من منظور ديني، إن الأيديولوجيا قتلت الدين أيضًا. إنها جريمة كبرى تستدعي يقظة كل المنهمكين في حقول الدين، من فقهٍ وأصولٍ وكلامٍ وعرفان، لأن إقحام الدين في الحقل الأيديولوجي يعني إدخال العقل الديني في نفق ضيق معتم، أفقه مغلق، وحركته مغلولة. في هذا النفق يضيق أفق العقل، ويتباطأ فعله، ويبدأ بالتآكل تدريجيًا تحت وطأة ما تراكم فيه من أوهام وسموم فكرية، حتى يفقد الدين قدرته على إنعاش الروح وإيقاظ المعنى، ويتحول إلى منظومة خانقة تُطفئ الحيوية بدل أن تُشعلها.

 بتسلط الأيديولوجيا لا نستطيع أن نُدين فاعلًا بعينه، لأن المجتمعات الدينية في عالمنا العربي تتشرب الأيديولوجيا على نحو لا شعوري، إذ يحتل اللاشعور مساحة واسعة في البنية النفسية للإنسان، فتتشكل هذه المجتمعات داخل جهاز مفاهيمي مغلق، تظن أنه الأقدر وحده على الكشف عن الحقيقة والمعنى اللذين يتوق إليهما الإنسان، في حين أن هذا المعنى وهذه الحقيقة يتبدّيان بوصفهما بناءً زائفًا يتولد داخل هذا النسق المغلق. ومع ذلك، يمكن الانتصار في هذا الصراع لا عبر الإدانة، بل عبر فتح أفق آخر للعيش والفهم، أفق لحياة عقلانية مشبعة بالروح والأخلاق والجمال، كما يدعو إلى ذلك عبد الجبار الرفاعي، الذي الخبير بفلسة الدين وعلومه، الذي غاص في أعماقه لأكثر من أربعة عقود، فصار يدعو إلى استعادة الدين بوصفه تجربة تُنير الوجود، لا أيديولوجيا تُغلق أفق المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

***

طالب في كلية طب جامعة البصرة

..................

* في الصورة غلاف ترجمة كتاب: الدين والظمأ الأنطولوجي للغة البوسنية

Religija i ontološka žeđ

تأليف: عبد الجبار الرفاعي

, autor: Abdul-Jabbar al -Rifa'i

ترجمه للغة البوسنية: عدنان مصطفى مشانوفيتش