عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حاتم حميد محسن: هل الأكوان المتعددة موجودة حقا؟

هل توجد هناك حقا أكوان متعددة؟ كيف تبدو هذه الأكوان وكيف يمكن الوصول اليها دون التأثير على الزمن؟ ان فكرة الأكوان المتعددة هي احدى القصص التي يسعى الخيال العلمي الى استكشافها. لكن هل هناك وجود حقيقي لهذه الأكوان المتعددة؟ لكي نجيب على سؤال ما اذا كان تعدد الكون واقعيا، يجب علينا أولا الاتفاق على ما تعنيه كلمة واقعي. يذكر زاكاري سليبيان Zachary Slepian عالِم الفيزياء الفلكية (1) الذي درس الكوزمولوجي وفلسفة الفيزياء، انه فكّر بهذا السؤال مرات عديدة أثناء عمله المهني.

التعريف المباشر لمفردة "واقعي" هو كل ما نستطيع رؤيته او لمسه. غدائي واقعي لأني أستطيع تذوقه وانت تستطيع الاستماع لي وانا أمضغ الطعام. لذا فان كلمة "واقعي" يمكن تعريفها كشيء تستطيع انت تصوره على الأقل بواحدة من حواسك الخمس. لكن ذلك يستبعد الكثير من الأشياء التي هي أيضا واقعية. أفران المايكروويف التي تسخن الطعام هي واقعية، لكنك لا تستطيع تصورها بشكل مباشر – انت تدرك فقط تأثيرها في تسخين الطعام.

وهكذا فان بعض الأشياء الواقعية نستطيع رؤيتها مباشرة فقط عبر الدليل الذي تتركه خلفها. وجود الديناصورات هو مثال آخر – لا يمكنك رؤية سوى متحجرات الديناصور. اذن، انت تستطيع ان تطرح صيغتين للسؤال حول ما اذا كانت الأكوان المتعددة موجودة ام لا. الصيغة الأولى: هل تستطيع رؤية، او سمع، او لمس، او شم هذه الأكوان او تذوقها؟ الصيغة الثانية: حتى لو كنت لا تستطيع ذلك، هل هناك أي دليل لتأثيرها؟

ميكانيكا كم الأكوان المتعددة

الجواب الذي يقدمه أغلب الباحثين للسؤال حول ما اذا كنا نستطيع تصور العوالم المتعددة بحواسنا الخمس هو النفي. لكن هناك الكثير من الأشياء الواقعية التي هي ليست واقعية بهذا المعنى، مثل المايكروويف. اذن هل نستطيع رؤية أي دليل غير مباشر لتعدد الاكوان، مثل تأثيراتها على العالم المُلاحظ؟

الجواب المختصر هو عن طريق فهم سلوك الأشياء الصغيرة جدا، مثل الذرات وجسيمات ما دون الذرة. العلماء يسمون القواعد التي تحكم هذه الأشياء الصغيرة جدا بميكانيكا الكم. في ميكانيكا الكم، من غير المؤكد ابدا ما ستكون عليه نتيجة التجربة. انت تستطيع فقط كتابة الحظ – بمعنى، احتمال حدوث شيء ما.

انها تشبه عملية رمي النرد: نحن لا يمكن ان نتأكد أي رقم سوف نحصل عليه، لكن يمكننا القول اننا نمتلك حظا متساويا في الحصول على رقم 1،2،3،4،5،6 على سطح النرد. مع ذلك، لو عرفنا ما يكفي من المعلومات حول النرد – مثل شكله بالضبط وكتلته، او أشكال الهواء التي تحيط به والطريقة التي نستخدمها لرميه – يمكننا التنبؤ بالضبط على أي جانب سيقع. ربما نحتاج الى محاكاة حاسوب لتحليل الأرقام، وكل ذلك ممكن.

الآن لو تخيّلنا نردا صغيرا جدا. حتى لو كان لدينا كومبيوتر قوي جدا، سوف لن نكون قادرين على التنبؤ بالجانب الذي يسقط عليه هذا النرد المتناهي في الصغر. هذا بسبب انه محكوم بميكانيكا الكم، حيث لا نستطيع التنبؤ بالمحصلات بيقين تام. اننا يمكننا التنبؤ باحتمال فقط.

عدة عوالم والكون المتعدد

ميكانيكا الكم هي عشوائية الى حد ما - ليس كل شيء له حظ متساوي بالحدوث. نحن نستطيع ان نتنبأ بحظ كل سيناريو بالحدوث، ولكن ليس النتيجة الحقيقية. في حالة النرد الكمي، كل ما نستطيع معرفته حوله هو ان هناك واحد من ستة احتمالات في السقوط على أي وجه من وجوه النرد. احدى الطرق التي فسر بها العلماء الخصائص الغريبة لميكانيكا الكم هي ان كل سيناريو محتمل انما يحدث حقا. لكن عندما يحدث، يخلق كونا آخر. هذا يُسمى رؤية العوالم المتعددة لميكانيكا الكم.

في هذه الحالة من النرد الكمي لدينا، تقول رؤية العوالم المتعددة ان هناك 1 في 6 حظوظ من رمي كل رقم لأن ستة عوالم تُخلق في كل مرة نرمي بها النرد. رغم اننا نبقى في واحد منها – لنقل ان العالم الذي يظهر فيه النرد هو 3 – فان عوالم خمسة أخرى أيضا تُخلق حيث يظهر النرد كواحد من الأرقام الأخرى. في هذه الصورة من ميكانيكا الكم، يتفرع الكون مع كل سيناريو. بالطبع نحن لا نستطيع حقا عمل نرد ميكانيك كمي ونرميه – لأن التفاعل مع النرد سوف يحطم طبيعته الكمية. هل هذا يعني ان ميكانيكا الكم هي دليل على ان الأكوان المتعددة واقعية؟ يقول الأستاذ زاكاري كلاّ. مع انها طريقة ساحرة لتصور ميكانيكا الكم، لكنها فقط تفسير واحد، ليس دليلا لا يمكن انكاره للكون المتعدد. اذا كان من المحتمل وجود الأكوان المتعددة لكنك غير قادر على تصور أي واحد منها، فهل هي حقا موجودة؟

الكون المتعدد ونظرية الأوتار

مظهر آخر ملائم للكون المتعدد هو دوره في نظرية الاوتار. نظرية الاوتار ترى ان الجسيمات الأساسية التي تكوّن المادة هي ذاتها مصنوعة من خيوط اهتزازية من الطاقة. تخيّل شريط مطاطي يهتز داخل كل جسيم. نظرية الاوتار أيضا ترى ان الكون له اكثر من ثلاثة ابعاد. مختلف نظريات الاوتار تتنبأ بمختلف الأرقام لأبعاد إضافية. هذا يعني ان الثوابت الفيزيائية مثل سرعة الضوء وشحنة الالكترونات يمكن ان تكون لها قيم مختلفة. ونفس الشيء يمكن ان يحصل لكمية الشيء في الكون، مثل المادة. هذا يشير لمسرح لمختلف الاكوان الممكنة كل واحد له ظروف مختلفة – متعدد الاكوان.

حتى الان، لا وجود لدليل محدد لكون متعدد مرتكز على نظرية الاوتار. هذه الاكوان يُحتمل ان لا ترتبط ببعضها، والاّ لما اعتُبرت عوالم منفصلة.

اذن حتى لو كانت تلك الأكوان موجودة حقا نحن قد لا نحصل على دليل مباشر لوجودها. مع ذلك، يمكن ان يكون هناك دليل غير مباشر على وجود اكوان متعددة. فمثلا، نظرية الاوتار يمكن ان تساعد العلماء في التنبؤ بنتائج كل تجربة عالية الطاقة في الكون الخاص بنا. انه يمكن أيضا عمل تنبؤات للكيفية التي تتصرف بها المادة في نطاق صغير جدا. اذا تبيّن ان هذه التنبؤات صحيحة، ذلك سيكون دليلا على نظرية الاوتار. واذا كان من المحتمل ان تكون نظرية الاوتار واقعية في كوننا، هذا يعني بشكل غير مباشر ان الكون المتعدد هو أيضا واقعي. وعلى الرغم من عدم وجود دليل قاطع في كوننا على نظرية الاوتار، فمنْ يدري ما قد يحمله المستقبل؟

***

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) أستاذ مشارك في علم الفلك، جامعة فلوريدا.