قضايا
ابتهال عبد الوهاب: الإنسان على حافة العدم.. فلسفة الألم الصامت
الحياة والموت كلاهما يحتاج شجاعة.. لذا قررت الهجرة وغادرت طوعا إلى ما وراء الإنسان..
اعتقد ان المرء ينتحر لا لأنه يريد أن يموت ولكن لأنه ميت بالفعل.. إنها شده الوعي بقساوة العالم. المنتحر ليس جبانا كما يروج، بل هو كائن بلغ حافة الشعور، وانهارت لديه المسافة بين الألم والوعي.. فبعض البشر لا يموتون حين يتوقف قلبهم، بل يموتون قبل ذلك بكثير.. حين يخذلون، حين يهانون، حين يتركون وحدهم في مواجهة قسوة العالم.. وفي هذا السياق، يصبح الانتحار سؤالا أخلاقيا موجها إلى المجتمع قبل أن يكون فعلا فرديا.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ينتحر الإنسان؟ بل: كيف وصل إلى درجة صار فيها العدم أكثر رحمة من الوجود؟. أي عالم هذا الذي يدفع إنسانا إلى كراهية الحياة؟. أي قسوة هذه التي تجعل البقاء عبئا أثقل من الرحيل؟ إنها ليست مأساة فرد، بل مأساة إنسانية تتكشف فيها هشاشة التضامن، وغياب الرحمة، وانطفاء المعنى.
رفقا بالإنسان.. فليس كل من يبتسم بخير، وليس كل من صمت سالما. فبيننا أرواح تتآكل في صمت، وقلوب تصرخ دون صوت. إن أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان ليس الألم ذاته، بل أن يترك وحيدا داخله. فلنخفف عن بعضنا ثقل هذا العالم، ولندرك أن الرحمة ليست ترفا أخلاقيا، بل ضرورة وجودية. فرب كلمة حانية تؤجل موتا، ورب حضن صادق يعيد إنسانا من حافة العدم.
الحياة تحتاج شجاعة.. نعم. لكن ما يحتاجه الإنسان أكثر من الشجاعة، هو إنسان آخر يشاركه ألمه وهمومه فكل روح هي كون هش، وكل قلب معركة خفية لا ترى. لا تحاكموا الساقطين من اعلي، بل انظروا إلى الحافة التي وقفوا عليها طويلا وحدهم
والفلسفة في أقصى تواضعها، لا تملك أن تمنع موتا لكنها تستطيع أن تزرع وعيا: وتقول لنا أن الوجود، رغم قسوته، لا يحتمل إلا بنا معا.. مشاركه الإنسان للإنسان. وأن الإنسان قبل أن يحتاج معنى للحياة، يحتاج من يشعره أنه مستحق للحياة.
تفقدوا أحوال بعضكم.. اسألوا عن الغائب قبل الحاضر، وعن الصامت قبل المتكلم. قد يكون السؤال البسيط: كيف حالك؟ طوق نجاة. فكونوا رحماء.. لأن الرحمة في عالمٍ كهذا، ليست فضيلة فحسب بل هي آخر ما تبقى لإنقاذ الإنسان من نفسه. فلا تؤجلوا الحضور الإنساني، فبعض الأرواح لا تنتظر طويلا.
***
ابتهال عبد الوهاب







