عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

رحيم الساعدي: اعادة انتاج المعاني عند المفكر الشهيد محمد محمد صادق الصدر

الحرارة التي في قلوب المحبين، نواتها المحبة، وهي تشمل الأنبياء والمعصومين وأولياء الله العارفين، وفي ذكراه الـ٢٨ نستذكر السيد محمد الصدر بحرارة محبة القلوب، ونذكر بعضًا من جانبه الفكري الذي سيخلد معه في عالمه الأخير، ويمكن القول إنه:

١- تبنى منهج تقويض الطائفية:

فقد اعتمد على عدم استفزاز الآخر، بالرغم من استفزازه للسلطة الطاغية، ودعا إلى نوع من (المواطنة المظلومة والتي منها السنة والشيعة والمسيح والأقليات) في مقابل المواطنة الظالمة، والتي تمثل السلطة الطاغية.

٢- أعاد إنتاج معاني الطقوس والشعائر الدينية:

(طقوس محرم والمسير للحسين، وزيارة المهدي)، وما زالت هذه المعاني تقود مجتمع العراق المعاصر.

بالإضافة إلى تثبيته لمفاهيم المقاومة الشعبية الغاندية مثل (الشعارات، الأهازيج، المسيرات) والتي جعلت الشارع العراقي بما يشبه المسرح الحيوي للمقاومة المدنية.

٣- أعاد إنتاج المعنى السياسي:

فهو العقل الذي خطط وصمم ونفذ لتغيير خارطة العراق السياسية، فقوض سلطة البعث، وقلم أظافر الطاغية بمنهج ديني واجتماعي وإعلامي مبسط، وأنتج آلية تصنيع الحشود وإدارتها لإحراج الهيكل السياسي العراقي الظالم.

كما أنه خرج من مشروع الإصلاح المحلي إلى آلية الإصلاح العالمي بطرح فرضية الموعود المستقبلي، بالإضافة إلى نقد الدول التي تستعبد الدول الضعيفة وتسميتها بالثالوث المشؤوم.

وفي تفكيري فإن الصدر دفع عنا شبح الجوع بظهوره كرقم معارض تراخت عنه السلطة الظالمة، لتهدد به الدول التي تحاصر العراق.

٤- إنتاج المعنى الاجتماعي والنفسي:

فقد قاد تغيرًا اجتماعيًا دينيًا ونفسيًا، ليؤسس إلى الفقيه الشعبي، وليس فقيه النخبة، ذلك الذي أعاد بناء الإنسان العراقي الجديد وفق تحييده عن مرضين قاتلين:

الأول: منظومة البعث التي أعدها الطاغية بوصفها محرقة لإدخال كل فئات المجتمع في مشروع صنع الإنسان العراقي الجديد، فأفشله مشروع الصدر بتأسيس إلغاء الخوف من أهل العراق، وإعادة تأهيل النفسية والقابلية العراقية، وتجديد الإحساس بالقيمة الإنسانية والمواطنة المبنية على مزاولة الإنسان لحريته ورفض الظلم.

أما المرض الآخر: فهو كشف زيف المبغضين والمخدوعين والمتزمتين من الشيعة المعادين للشهيد الصدر، والذين (ابتلوا بأحد أكبر الابتلاءات التاريخية، فوقفوا بصفين: إما المحايد أو المبغض للطاهر الصدر)، وكلاهما (قشمره) كل من التاريخ وسوء سريرته أو توفيقه، واستغفر بعضهم، وبقي الآخر في التيه وما زال.

٥- إنتاج المعنى العلمي:

فقد برزت منظومة ما بعد الحداثة الفقهية وفلسفة التاريخ الاجتماعي، وهي صورة مقلوبة لفلسفة ابن خلدون (وهذا أمر مهم جدًا) الذي بدأ بالاجتماع ليؤسس للتاريخ، في حين بدأ الصدر بعلم المستقبل ليؤسس للتاريخ وللاجتماع معًا.

٦- أيضًا أسس للأخلاق التطبيقية:

وسيما الجانب البواتيقي (فقه المسائل الحديثة)، وهو رائد مفهوم المستقبل المعاصر في العراق بالحديث عن المستقبل البعيد المدى (في موسوعته).

٧- أسس لمعنى ما بعد الحداثة الفقهية:

(ما وراء الفقه).

٨- أسس لنقد العلم المعاصر وطرح اليوتوبيا الدينية:

(يوتوبيا الصدر) التي لا تشبه اليوتوبيا المثالية الأفلاطونية أو الأوغسطينية الأخروية أو يوتوبيا ماركس أو سواهم.

٩- أسس لمعنى الراديكالية الشيعية:

فحاول تصحيح الكثير من المفاهيم وطرح منهجية الحوزة الناطقة، وتجريب مقدرات الدين في إصلاح المجتمع.

١٠- إنتاج معنى الاقتصاد المقاوم:

رغم أنه لم يؤلف في الاقتصاد، إلا أنه أسس لنوع من الاقتصاد المقاوم والذي كان محوره أن يكون سببًا سياسيًا مدافعًا عن حقوق كل الشعب العراقي، فلا يهمل الطاغية ولا الأمم المتحدة والغرب المستعمر هذا الشعب.

١١- إعادة إنتاج مفهوم “الغيبة” للإمام المهدي:

لم ينتظر الصدر الظهور، بل أسس لواقع الظهور، ورسم سيناريوهاته، وما زال العالم اليوم (الصديق والعدو) يركض لمتابعة تفاصيل ذلك الظهور والاستعداد له.

١٢- إنتاج “النموذج الصدري” في التأثير المستقبلي:

فهو خلافًا للثورات المسلحة أو الأحزاب السرية، ابتكر نموذجًا ثالثًا وهي (الثورة بالكلمة والمنبر والمواكب والفتوى والمسير وكاريزما الصوت)، وهو نموذج لم تستطع المنظومات المعاصرة من البراغماتية والماركسية والعلمانية، بل والإسلامية المعاصرة، أن تجاريه.

وما زال هذا النموذج يسير بشكل ثابت ولم يتغير، وفق متغيرات سياسية ودينية واجتماعية ونفسية.

١٣- إنتاج معنى “الشهادة كمنهج حياة”:

لم يقدّس الموت، بل قدّس “العيش الكريم الذي يستحق الاستشهاد من أجله”، وحوّل الشهادة من نهاية مأساوية إلى بداية حضور سياسي لا ينتهي.

ولا تكفي هذه السطور ولن تكفي، وما زلنا نجد من أضاع بوصلته وضميره ويصر على الاعتقاد بأنه كان اختراقًا للتشيع (وسيَعرفون حقيقة هذا الغل في عالم لا اعتذار ولا أعذار فيه، ولا صدقة ولا رجعة منه لتصحيح الأخطاء).

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي