قضايا
قاسم المحبشي: تأملات في قلق الانتظار.. من الخبرة إلى الفكرة
(قل لي: ماذا تنتظر؟ اقول لك: من أنت) ق.م.
الانتظار ليس مجرد زمنٍ فائض بين لحظتين، بل هو الحالة الأكثر التصاقًا بجوهر الإنسان. إننا لا نعيش أعمارنا بقدر ما نعيش ما نترقبه فيها؛ نولد ونحن ننتظر، ونكبر على مهل الانتظار، ثم نمضي وفي داخلنا شيء مؤجل لم يكتمل بعد. وحده الإنسان يعرف كيف يحوّل الزمن إلى قلق، وكيف يمنح الغياب حضورًا أشد من الحضور نفسه، ولذلك كان الانتظار أكثر من حالة نفسية عابرة؛ إنه بنية وجودية كاملة، وسرّ خفي من أسرار الوعي البشري.
كل الكائنات تنتظر، لكن انتظارها محكوم بالغريزة، بينما انتظار الإنسان محكوم بالمعنى. النحل ينتظر تفتح الأزهار، والعصافير تنتظر الفجر لتستعيد غناءها، والصقور تترقب لحظة الانقضاض، والأسود تصبر على الجوع حتى تمر الفرائس. غير أن هذه الكائنات لا تقلق من المستقبل كما يقلق الإنسان، ولا تبني على الانتظار أحلامًا وتأويلات وهواجس. الإنسان وحده هو الكائن الذي يستطيع أن يحيا عمرًا كاملًا على وعد مؤجل، وأن يجعل من الأمل ضرورة للبقاء، حتى حين يعرف في أعماقه أن ما ينتظره قد لا يأتي أبدًا.
الأم تنتظر مولودها كما لو أنها تنتظر ولادة معنى جديد للحياة، والأب ينتظر قدوم ابنه بوصفه امتدادًا لزمنه الشخصي. الطفل ينتظر حليب أمه، والفتاة تنتظر فارسًا تخيلته قبل أن تعرفه، والعاشق ينتظر لقاءً يعتقد أنه سيعيد ترتيب العالم داخله. الطالب ينتظر نتيجة امتحانه وكأنها قدره الأخير، والمريض ينتظر الشفاء، والمغترب ينتظر العودة، والسجين ينتظر باب الحرية، والشعوب تنتظر السلام والاستقرار بعد أعوام الخراب. هكذا يبدو الإنسان كائنًا معلقًا دائمًا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الحاضر الناقص والمستقبل المتخيّل وهكذا هو الإنسان كائن مسكون بالانتظارات الدائمة في كل لحظة من حياته منذ الميلاد حتى الممات ولا يكف الكائن عن الانتظار الا حينما يتوقف قلبه عن النبض فبعضهم ينتظر رسالة وبعضهم ينتظر موافقة وبعضهم ينتظر بشارة وبعضهم ينتظر إشارة وبعضهم ينتظر مكالمة وبعضهم ينتظر إجازة وبعضهم ينتظر طعامه. وهكذا هو الإنسان في كل زمان ومكان كائن مسكون بالانتظار. فمن منكم لا ينتظر الآن شيئا؟ قل لي ماذا تنتظر أقول لك من أنت. أما أنا فلي ما انتظره وينتظرني.
ولعل كتابي (فيما يشبه الانتظار؛ قضايا وافكار) عن دار يستطردون في القاهرة 2022م هو خلاصة تجربتي بقلق الانتظار وقد دونت فيه قصتي مع الانتظارات الطول منذ طفولتي إذ يحدث أحيانًا أن تتسلل بعض الكلمات والمفاهيم والعبارات إلى اذهاننا دون وعي منًا لاسيما نحن الذين درسنا فلسفة التاريخ والحضارة وتلقفنا معظم المفاهيم التي نستخدمها من سياقات ثقافية واجتماعية غربية مغايرة لم نعشها قط. وربما وجدنا التحليل النفسي ما يشبع ويروى لفهم هذه الظاهرة. إذ أن عالم التحليل النفسي سيجموند فرويد، في كتابه المهم، تفسير الأحلام قد أكد بأن كل ما يصدر عن الإنسان من افعال وأحلام وافكار وأوهام وعبارات وكلام يمكن فهمه وتفسيره بإعادته إلى اسبابه والأسباب أربعة (قريبة وبعيدة وظاهرة وخفية) حتى زلات اللسان لها معنى حينما تصدر عن الإنسان دون ارادته . والحلم سر الشخصية بحسب اريك فروم. لا يحلم الكائن الحالم إلا بالأشياء الحيوية التي عجز عن إشباعها في الواقع. فالجائع لا يحلم إلا الخبز والعطشان لا يحلم بما يروي عطشه والمسجون يحلم بالحرية والمحصور يحلم بالحمام والمحروم يحلم بموضوع حرمانه والخائف يحلم بالأمان والحزين يحلم بموضوعات حزنه والمظلوم يحلم بالعدل والمقهور يحلم بموت قاهره ..الخ. وهكذا هي الأحلام لأيمكن تفسيرها وفهمها إلا بما قبلها وفي سياق حاضرها الحي الفوري المباشر. في ذات السياق يمكن لي ولكم فهم معنى كلمة (فيما يشبه) التي أدمنت كتابتها في عناوين مقالاتي دون وعي في كثير من الأحيان إذ ما أن أبدى بكتابة اي شيء يتصل بالحياة العامة في مجتمعنا العربي الإسلامي حتى تقفز تلك الأزمة (فيما شبه) مثل البسملة . كتبت فيما يشبه الفرح وفيما يشبه التهنئة وفيما يشبه الاحتفاء وفيما يشبه الاعتذار وفيما يشبه الحياة وفيما يشبه الوطن وفيما يشبه الأمل وفيما يشبه الحرية وفيما يشبه الشعر وفيما يشبه الحب وفيما يشبه الحلم وفيما يشبه التفكير وفيما يشبه الحزن وفيما يشبه المؤسسات وفيما يشبه الجامعة وفيما يشبه الجودة وفيما يشبه المدينة وفيما يشبه الثورة وفيما يشبه الدولة وفيما يشبه الثقافة وفيما يشبه البشر فيما يشبه الجيوش وفيما يشبه الصلاة وفيما يشبه الحرب وفيما يشبه الثقة وفيما يشبه الصدق وفيما يشبه العلم وفيما يشبه الحقيقة.. الخ. نعم كتبتها في عناوين مقالاتي المنشورة. ولم أكون على دراية واعية بحضورها الكثيف بهذا النحو . وربما يعود الفضل لأخي العزيز، استاذ صالح أبو مهيب الذي نبهني إلى تكرارها بشكل مستفز فيما معظم ما أكتب.
ذات يوم سألني صالح أخي أبو مهيب: لماذا تكتب كلمة (فيما يشبه) بعناوين منشوراتك ومقالاتك؟ تلعثمت ولم أجد جوابًا منطقيًا حينها وأتذكر أنني قلت له: لا أعرف لماذا علقت بذهني هذه الأزمة اللغوية؟ وحينما خلوت بنفسي أخذت أتأمل في الأمر فأخذتني الذاكرة إلى زمن مضى ربما لعقدين من الزمن منذ بدأت استخدم تلك العبارة دون أن أكون واعيًا بها. وهذا ما جعلني أتفحص الدلالة في هذا العبارة العالقة بذهني. انها يا سادة نابعة من احساس عميق بان تلك الحياة التي نعيشها في هذه الأصقاع المسممة بالبؤس والخراب والظلام والخوف والجريمة ليست حياة طبيعية للكائن الإنساني. أنها فقط فيما يشبه الحياة. وجودنا فيما يشبه الوجود أحلامنا فيما يشبه الأحلام أفراحنا فيما يشبه الأفراح، لا شئ طبيعي وراسخ ويبعث على الاطمئنان والثقة والحلم والأمان في هذا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية الراهنة .اننا نعيش في حالة وجودية عبثية تعي قوة التمييز والحكم. وتلك هي السمة العامة التي تتسم بها المجتمعات التي تضيق فيها حدود الحرية (حرية الضمير والفكر والاعتقاد والعمل) إذيندر أن تجد فيها أشخاص طبيعيين يتصرفون على طبيعتهم ببراءة وعفوية بالاتساق مع سجيتهم الحقيقية ، بل تسود ثقافة وقيم ازدواجية الشخصية بين الظاهر والباطن وتزدهر قيم التكلف والتزلف والنفاق والمرآءة واللف والدوران والكذب والأحقاد والضغائن والخيانات والغدر والخديعة والشتم والغيبة والنميمة وانعدام الثقة والشك والارتياب وسوء الفهم والتفاهم والفصام وسرعة التقلب من حال الى حال و الجمع بين المتناقضات دون الشعور بالتناقض وصعوبة التنبؤ بسلوك الأفراد وردود أفعالهم، واختلاط المعايير وغياب الحدود بين الغث والسمين بين الجيد والردئ ويمكنكم تعداد المزيد من القيم السلبية من واقع حياتكم وتجاربكم الشخصية. أتمنى أنني استطعت أن أجيب على السؤال ولو بالحد الأدنى. في ذات السياق جاءت فكرة كتاب فيما يُشبه الانتظار بوصفها فكرة محملة بكنانة شاملة بالأمل والترقب والصبر والرجاء وحينما يعجز الواقع عن إشباع حاجاته الملحة يضطر اخيرا إلى الحلم والأمل. من هذا التوتر العميق يولد قلق الانتظار؛ ذلك القلق الذي يجعل الدقيقة الواحدة تمتد كأنها عمر، لأن الزمن النفسي لا يقاس بالساعة بل بشدة الترقب. فالانتظار ليس سكونًا كما نظن، بل احتراق داخلي بطيء، حالة من الشد العصبي بين الرغبة والعجز، بين الخوف والرجاء. نحن لا ننتظر الأشياء فحسب، بل نعيد خلقها في داخلنا، فنمنحها معاني أكبر من حجمها الواقعي، حتى يصبح المنتظَر أحيانًا أكثر جمالًا من لحظة تحققه ذاتها.
ولعل الأدب كان المرآة الأصدق لهذا القلق الإنساني. وتعد مسرحية في انتظار غودو للكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، من ابرز الاعمال التي عبرت عن عبث الانتظار وكذلك رواية ليس للكولونيل من يراسله للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز لا ينتظر الكولونيل رسالة معاش تقاعدي فقط، بل ينتظر اعتراف العالم بوجوده وكرامته. خمسة عشر عامًا وهو يذهب إلى الميناء كل يوم جمعة مترقبًا رسالة لا تصل، ومع ذلك يواصل الانتظار بعناد نبيل. هنا يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال المقاومة، وإلى وسيلة لحماية الذات من السقوط الكامل في العدم. لقد أدرك ماركيز أن الإنسان قد يعيش على الأمل أكثر مما يعيش على الخبز، وأن المعنى أحيانًا لا يكمن في الوصول بل في القدرة على الاستمرار رغم تأخر الوصول.
وفي الفن أيضًا تتجلى هذه الفلسفة بصورة أكثر شفافية. فالأغاني التي تتحدث عن الغياب ليست سوى أناشيد طويلة للانتظار كما هي أغنية “مستنياك” للفنانة عزيزة جلال فإن الانتظار يتحول إلى هوية شعورية كاملة، حتى يبدو العاشق كمن يعيش حياته كلها داخل لحظة ترقب لا تنتهي وفي ذات السياق تأتي اغنية “مرسول الحب” للفنان المغربي إبراهيم كيالي
وقد اختزلت الحكمة الشعبية هذه الفكرة بعبارة شديدة العمق: “الإناء المراقب لا يغلي أبدًا”. ذلك لأن الإنسان حين يحدّق طويلًا فيما ينتظره يشعر أن الزمن يتباطأ، وأن الأشياء تتعمد التأخر. فالانتظار المكثف يجعلنا سجناء للوقت، بينما الانشغال بالحياة يخفف وطأة الترقب. ولهذا قيل إن الصبر ليس مجرد احتمال الزمن، بل القدرة على العثور على معنى آخر للحياة أثناء مروره.
غير أن الانتظار لا يقتصر على الأفراد وحدهم؛ فالثقافات والحضارات أيضًا تعيش قلق الانتظار. إن الثقافة، بوصفها القوة الإبداعية في التاريخ، ليست سوى ثمرة لهذا القلق الوجودي المتأصل في ذات الإنسان العاقل. فحين يشعر الإنسان بالنقص يبدأ بالسؤال، وحين يسأل يبدأ بالتفكير، ومن التفكير يولد الخيال، ومن الخيال تولد الحضارة. لذلك لا نمو ولا تطور ولا تجديد إلا بالإبداع، ولا إبداع إلا بالتغيير والانقطاع والتحول من بارادايم إلى آخر. الثقافة الحية هي ثقافة القلق الخلاق، أما حين تتجمد الثقافة فإن التاريخ نفسه يتحجر، ويتحول الإنسان إلى مجرد كائن يكرر ذاته دون قدرة على تجاوزها.
ومن خبرات الحياة البسيطة ندرك أن الاهتمام هو مفتاح كل معرفة ممكنة، بل هو الشرارة الأولى لكل فعل إنساني. فالإحساس بالاختناق يدفع الكائن الحي للبحث عن الهواء، والإحساس بالجوع يدفعه للبحث عن الطعام، والعطش يقوده إلى الماء، والحاجة إلى الحب تدفعه نحو الآخر، والحاجة إلى الاعتراف تدفعه إلى البطولة والإنجاز. وحين تموت الدافعية يحتضر الكائن نفسه. الأسد الذي لا يغادر عرينه يموت جوعًا، والثعلب النائم لا يصطاد الدجاج. ولذلك كانت الحكمة الشعبية دائمًا تربط الحياة بالفعل والحركة والسعي، لأن الوجود نفسه مقاومة دائمة للفناء.
إن أول قانون فهمه الإنسان لم يكن قانونًا فلسفيًا معقدًا، بل قانون البقاء. لم يكن ممكنًا للإنسان أن يعيش على الأرض دون أن يتعلم كيف يفكر علميًا، وكيف يحول الخوف إلى معرفة. أول الحضارة ربما كانت كهفًا احتمى به الإنسان من العراء، لكنه لم يكن مجرد مأوى، بل بداية الوعي بالأمن والانتماء. وأول الثقافة كانت خيالًا؛ محاولة لتصور الأشياء قبل امتلاكها، وللبحث عن وسائل تجنب الهلاك. حين واجه الإنسان النهر صنع القارب، وحين واجه البرد صنع الملابس، وحين واجه العراء بنى البيت، وحين واجه الجوع استصلح الأرض، وحين واجه المسافات روّض الحيوان وصنع السفن. كل اختراع عظيم بدأ بإحساس حاد بالنقص أو الخوف أو الحاجة، أي بدأ من القلق ذاته.
ولهذا يمكن القول إن القلق ليس عدو الإنسان دائمًا، بل هو القوة التي دفعته إلى تجاوز محدوديته. الحضارة كلها ليست سوى استجابة طويلة لقلق البقاء. وحتى الأخلاق نفسها ربما ولدت من خوف الإنسان من عواقب الاعتداء المتبادل، ذلك الخوف الذي تحول مع الزمن إلى ضمير، ثم إلى قيم، ثم إلى مفاهيم مثل الحرام والعيب والممنوع. فالثقافة في جوهرها ليست معلومات محفوظة، بل عادات متراكمة من الخبرة الإنسانية؛ إذ إن كل فعل يتكرر يصبح عادة، وكل عادة تترسخ تتحول إلى ثقافة، ولهذا قيل إن الثقافة هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء.
لكن سؤال الإنسان اليوم لم يعد بيولوجيًا فقط، بل وجوديًا ومعرفيًا أيضًا، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح العالم يتغير بسرعة تفوق قدرة الوعي التقليدي على الفهم. نحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل نعيش تحولًا عميقًا في معنى المعرفة نفسها. لقد اعتاد الإنسان قرونًا طويلة أن يفهم العالم من خلال خبرته المباشرة وحدوده الحسية، أما اليوم فهو يواجه عقلًا صناعيًا قادرًا على إنتاج المعرفة وتحليلها وإعادة تركيبها بصورة غير مسبوقة. وهنا يعود القلق من جديد، لكن هذه المرة بوصفه سؤالًا عن معنى الإنسان ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تصبح الآلة قادرة على التفكير؟ وما الفرق بين الذكاء بوصفه قدرة حسابية، والوعي بوصفه تجربة وجودية؟
ربما لهذا يبدو الإنسان المعاصر أكثر توترًا من أي وقت مضى. إنه يعيش في عالم يفيض بالمعلومات لكنه يفتقر إلى الطمأنينة. التكنولوجيا اختصرت المسافات لكنها لم تختصر الوحدة، ووفرت وسائل الاتصال لكنها لم تمنح البشر القدرة الحقيقية على الإصغاء لبعضهم. ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا، لأن الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل كائن قادر على المعنى، والمعنى لا يُصنع بالمعادلات وحدها، بل بالتجربة والذاكرة والحب والخوف والحنين.
ومن هنا يبدو السلام أعظم ما يمكن أن ينتظره البشر اليوم. فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل عودة الإنسان إلى إنسانيته. الطيور تحتاجه لتغني دون خوف، والأشجار تحتاجه لتنمو دون أن تحرقها النيران، والبحار تحتاجه لتعود زرقاء لا حمراء. السلام ليس شعارًا سياسيًا، بل حاجة كونية عميقة، لأنه وحده القادر على إعادة المعنى للأشياء.
حين يغيب السلام يتغير وجه الوطن كله. الطرقات تصبح ذاكرة مفتوحة للخسارات، والبيوت تتحول إلى شواهد على أحلام لم تكتمل، والناس يمشون في الشوارع وكأنهم يعبرون داخل جرح جماعي طويل. الوجوه المتعبة لا تبتسم إلا باعتذار خافت للحياة، والأصوات تخشى أن توقظ شيئًا مكسورًا في الداخل. حتى الصمت في البلاد المنهكة لا يعود علامة طمأنينة، بل يصبح خوفًا مما قد يأتي بعده.
الحرب لا تنتهي حقًا حين تتوقف البنادق، بل حين يتصالح الناس مع ما تبقى من أرواحهم. فالأوطان لا تموت دفعة واحدة، بل تموت بصمت كل يوم حين يعتاد أبناؤها الألم، وحين يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. لهذا يبدو السلام فعلًا أخلاقيًا وروحيًا قبل أن يكون اتفاقًا سياسيًا؛ إنه القدرة على ترميم الداخل الإنساني، وعلى إعادة الأطفال إلى المدارس بدل الملاجئ، وإعادة الضحكة إلى البيوت بدل الصدى.
وربما في النهاية، ليست مشكلة الإنسان أنه ينتظر، بل أنه لا يعرف دائمًا كيف ينتظر. بعض الانتظار يفتح الروح على الأمل، وبعضه يحول الحياة إلى إقامة طويلة في العدم. لكن الإنسان، رغم كل شيء، يواصل الانتظار لأنه لا يستطيع التخلي عن الحلم. نحن ننتظر لأننا ناقصون، ونحلم لأننا أحياء، ونقاوم لأن في داخلنا يقينًا خفيًا بأن العالم، مهما ازداد قسوة، ما يزال قابلًا لأن يُعاد بناؤه من جديد.
وهكذا يبقى الإنسان، منذ الكهف الأول حتى الذكاء الاصطناعي، كائنًا قلقًا، حالمًا، منتظرًا؛ يحمل في داخله خوفه من الفناء، وشغفه بالمعرفة، وحاجته إلى الحب والسلام والمعنى. وبين الخبرة والفكرة، بين الوجع والأمل، تتشكل الحضارة كلها بوصفها محاولة طويلة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يعيش هذا العالم دون أن يفقد روحه؟
كتب الشاعر، ناظم حكمت ما يلي:
أجمل الأيام
تلك التي لم نعشها بعد
أجمل البحار
تلك التي لم نبحر بها بعد
أجمل الأطفال
هم الذين لم يولدوا بعد
أجمل الزهور
تلك التي لم تتفتح بعد
أجمل الكلمات
تلك التي لم أقلها بعد
أجمل القصائد
تلك التي لم أكتبها بعد
وأجمل ما أريد أن أقوله لك
ما لم أقله بعد







