قضايا
فارس حامد: الأمانة المادية والأمانة المعنوية
"نظرة أخلاقية وشرعية وقانونية"
مفهوم الأمانة: الأمانة في معناها العام هي أداء الحقوق إلى أصحابها، والمحافظة عليها وصيانتها من الضياع أو الاعتداء، سواء تعلقت بحقوق مادية أم معنوية. ويعد حفظ الامانة من أعظم القيم الإنسانية والدينية والقانونية عبر التاريخ ، إذ تقوم عليها الثقة بين الأفراد واستقرار المعاملات والمجتمعات.
وتنقسم الأمانة بحسب طبيعتها إلى قسمين رئيسيين متكاملين:
هما الأمانة المادية والامانة المعنوية
أولاً: الأمانة المادية (المالية)
التعريف: يقصد بالأمانة المادية حفظ الأموال والممتلكات والأشياء المادية التي تُسلَّم إلى الشخصعلى سبيل الحفظ أو الاستعمال أو الإدارة أو الوكالة او الإعارة، مع الالتزام بردّها أو التصرف بهاوفق ما أُؤتمن عليه.
أمثلة الأمانة المادية:
المحافظة على المال العام وعدم استغلاله لمصلحة شخصية.
أمانة الموظف في إدارة الأموال والموجودات الرسمية.
ردّ الديون إلى أصحابها في مواعيدها.
المحافظة على الودائع والأموال المسلَّمة للحفظ، وحفظ البضائع والأمانات التجارية.
إعادة الأشياء المستعارة إلى أصحابها
أهمية الأمانة المادية:
تُعد الأمانة النادية (المالية) أساس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأن ضياعها يؤدي إلى انتشار الاحتيال والفساد وفقدان الثقة في المعاملات والمؤسسات.
ثانياً: الأمانة المعنوية
التعريف:
الأمانة المعنوية هي صيانة كل ما لا يُقدَّر بثمن مادي، ويتعلق بالقيم الأخلاقية والمبادئ والواجبات الإنسانية وحقوق الآخرين المعنوية.
وهي أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا من الأمانة المالية، لأنها ترتبط بالضمير والصدق والشرف المهني والاجتماعي.
صور الأمانة المعنوية
1. أمانة المشورة والرأي:
ويكون ذلك بإعطاء الرأي أو المشورة بصدق وإخلاص، بعيدًا عن التضليل أو تحقيق المصالح الشخصية، سواء في مجالات القانون أو الاقتصاد أو السياسة أو الإدارة او المجالات العسكرية والاستخبارية والأمنية أو غيرها.
2. حفظ الأسرار:
ويشمل المحافظة على أسرار الدولة خاصة تلك التي تتمتع بالسرية والتي يؤدي كشفها الى اضرار عامة.
وكذلك امانة حفظ اسرار الناس وخصوصياتهم وأسرار البيوت والمجالس والعمل، وعدمإفشائها بما يضر أصحابها.
3. أمانة الكلمة والنصيحة:
فالكلمة مسؤولية، والنصيحة أمانة، ويجب أن تقوم على الصدق والإخلاص وعدم الخداع أوالغش أو تضليل الرأي العام.
4. أمانة المهن والوظائف:
وتتمثل في أداء الواجب المهني بضمير حي وإتقان وإخلاص، وانانة الحفاظ على اسرار المهنة مثل:
أمانة القاضي في تحقيق العدالة.
أمانة المحامي في الدفاع الشريف.
أمانة الطبيب في حفظ حياة المريض.
أمانة المعلم في تربية الأجيال.
أمانة الموظف العام في خدمة المجتمع.
5. أمانة الرعاية والتربية:
وتشمل مسؤولية الآباء والأمهات في رعاية الأبناء وتربيتهم تربية صالحة قائمة على الأخلاق والعلم والقيم.
6. بيوع الأمانة:
من التطبيقات الفقهية المهمة للأمانة ما يُعرف بـ”بيوع الأمانة“، وهي البيوع التي يعتمد فيها المشتري على صدق البائع في بيان الثمن الحقيقي للسلعة.
ومن أهم صورها
بيع المرابحة.
بيع التولية
بيع الوضيعة.
وتقوم هذه البيوع على الصدق وعدم الغش أو التدليس.
الأثر الشرعي والقانوني للأمانة:
في الفقه والقانون يُفرَّق بين "يد الأمانة" و"يد الضمان"، فـيد الأمانة هي يد الشخص الذييحوز المال بإذن صاحبه ولمصلحته أو لمصلحة مشتركة، كالوديع والمستعير والوكيل، ولايضمن ما يهلك أو يتلف إلا إذا تعدّى أو قصّر.
أما يد الضمان فهي يد من يلتزم بضمان المال وما يلحقه من تلف أو نقصان، سواء بسبب التعدي أو بحكم العقد أو القانون، كالغاصب أو من استعمل المال على وجه غير مأذون به.
ويترتب على هذا التمييز آثار مهمة في المسؤولية المدنية والفقهية، إذ تختلف حدود الالتزام بالتعويض بحسب طبيعة اليد وما إذا كانت يد أمانة أم يد ضمان.
أولاً: في الشريعة الإسلامية
جعل الإسلام الأمانة من أعظم الواجبات الأخلاقية والدينية، وعدّها من صفات المؤمنين، قالتعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىأَهْلِهَا﴾
كما عدّ النبي محمد ﷺ خيانة الأمانة من علامات النفاق، لما يترتب عليها من فساد وظلموضياع للحقوق.
ولا تقتصر الأمانة في الإسلام على المال فقط، بل تشمل المسؤولية والوظيفة والعلموالسلطة والكلمة.
ثانيا: في القانون
حظيت الأمانة بحماية قانونية واسعة، سواء في القانون المدني أو الجزائي أو الإداري.
1. في القانون المدني
تظهر الأمانة في:
الوديعة
الوكالة.
العارية
الإدارة.
تنفيذ العقود بحسن نية
2. في القانون الجزائي
جرّم القانون خيانة الأمانة باعتبارها اعتداءً على الثقة المشروعة بين الناس.
وتتحقق جريمة خيانة الأمانة عندما يتسلم شخص مالًا أو شيئًا على سبيل الأمانة ثم يختلسه أو يستعمله بصورة مخالفة للغرض الذي سُلّم من أجله.
وتختلف خيانة الأمانة عن السرقة، لأن المال في خيانة الأمانة يُسلَّم إلى الجاني ابتداءً بصورة مشروعة، ثم يقع الاعتداء لاحقًا بإساءة استعمال
***
فارس حامد عبد الكريم







