دِراسَةٌ نَقديَّةٌ في رِوايةِ (مَا لَا تَرويهُ المَدينَةُ)
ذاكرةُ المَدينةِ المَنسيَّةِ:
تَقديمٌ: إنَّ المدينة الحقيقية الفاضلة أو الفاسدة لا تروي عن نفسها شيئاً سرديَّاً، ولا تُخبِرُ أطلاقاً عن واقعها الحياتي المعيش، ولا عن أشيائها الوجودية والإنسانيَّة القائمة، بل أنَّ الذاكرة الجمعية المشتركة للناس وروَّاة الحكايات الشعبية خاصةً وعامةً هُم مَنْ يُخبرُونَ عنها، ويفشون أسرارها الخفيَّة المُضمرة، ويَروونَ أحداثها المَنسيَّة بصدقٍ. وأنَّ هذه الفئة الشعبيَّة من جُمهور الناس تتحدَّث علناً عن واقع مثاباتها وحضارتها التاريخية، وكينونتها الإنسانية اليومية التداولية المُتفجِّرَة واقعيَّاً.
ولعلَّ هذه المَيزَةَ هي الفارق الحقيقي بين أثر المدينة الشعبيَّة (غير الرَّسميَّة) النابضة بالحياة الفاعلة والمؤثِّرة، والمدينة (الرَّسميَّة) الجامدة أو الصامتة التي لا تتكلَّم عن نفسها إلَّا بلغة الخرائط والأرقام والإحصائيَّات والافتتاحات الرسميَّة للمعالم العامة والشواهد الحضارية والتاريخيَّة التي قام بها ثلةٌ من أصحابها المؤسسينَ لهذا النوع من الصروح المدنية. لكنَّها في واقع الأمر تصمتُ وتخرسُ تماماً عن الذي يحدث داخل أقبية هذه المؤسسات، وما يجري فيها من وقائع، ولا تُخبِرُ عن أثر الفعل الحياتي السردي لحكايات هؤلاءِ الناس المخبوءة طَيٍّ الكتمان، ولا تَفضحُ ما يدور بأنفسهم من كلامٍ خفيٍّ مُضمرٍ يأتلقُ نظراتِ عيونهم القاتلةٍ كما تفعله لغة مدينة الشعب الناطقة غير الرسميَّة.
إنَّ هذه الدِّراسة النقدية لسرديَّات رواية (ما لا تَرويهُ المدينةُ)، للروائيِّ النابهِ والمثابرِ تَحسين علي كريدي، لا تسعى منهجياً ونقدياً لقراءة تاريخ هذه المدينة، بوصفها بناءً وحجراً وجُغرافيا وأساساتِ هندسةٍ معماريَّةٍ قائمةٍ بذاتها، وإنّما تسعى لقراءتها بكونها كلاماً حكائيَّاً سرديَّاً جماهيرياً وإنسانياً متداولاً وذاكرة أجيال ناطقة ولائحة سنينَ طويلةٍ فاعلةٍ لا يُمكن اختزال فعلها الشعبي وأثرها الخالد.
وعلى وفق ذلك التراتب غير الرَّسمي فإنَّ المدينة الحقَّة الفاعلة الفاضلة لا تُبنى سرديَّاً بالحجر والإسمنت الصُلب المقاوم لفعل الزمن، بل هي من تُبنى بما يدور بين الناس من فِعلٍ وحكاياتٍ ويومياتٍ سرديَّةٍ شعبيةٍ وفكريَّةٍ من بيتٍ لآخر ومن أثرٍ لأثرٍ، وبالآهات والدموع التي تُذرفُ في زاوية ما، فَتُصبح تلك الزاوية سلبيةً مشؤومةً، وتفيض هذه المدينة بصفات المحبَّة والأمجاد والثقافة المحليَّة التي تُصبح تاريخاً ناصعاً بديلاً عن أثر تلك المُغيَّبات والمُهمَّشات المقصودة.
ولعلَّ مصطلح (الواقعيَّةِ التداوليَّةِ) الذي نتبناهُ في دراستنا النقدية لهذه الرواية التكاملية الأفكار هنا، هو في الحقيقة محاولة إجرائية وتنظيرية جريئة للخروج من عنق الزجاجة الضيِّق، ومن تلك التي تسمَّى (الواقعية الكلاسيكية التقليدية القديمة) التي تنقل الواقع المعيش كما هو حاصل، وكما هو يحدث تلقائياً أو افتعاليَّاً، ولا تسأل، هل هذا الواقع حدثَ فعلاً أمْ لَا؟ وهل أنَّ الناسَ في عصرنا الحالي يتداولون أثر هذا الحديث حتَّى صار واقعاً موضوعياً مهمَّاً ومؤثِّراً في نفوسهم المتسائلة؟
والسؤال المُعصرن المُهمُّ الذي يُلقي بنفسه علينا، والذي لا بُدَّ منه يكون كالآتي: هل الواقع يَعدُّ ما حدثَ وما سيحدثُ، وما كان وما سيكونُ؟ - بل الواقع الآني المُهيمن ما يُقال عنه من تقوُّلاتٍ حدثيةٍ وحكاياتٍ إنسانيةٍ إثر حكاياتٍ أكثر من مَرَّةٍ حتَّى يُصدَّقُ ويُؤخذُ بهِ، بل ويُصبِحُ جزءاً حيويَّاً من ذاكرة مدينة فاضلةٍ فاعلة وحديث ذاكرة أجيالٍ قد خلتْ تاريخيَّاً وإنسانياً وحضارياً وفكريَّاً.وهذا يشي بأنَّ الواقعية التداولية تنقلُ الواقع كما يُستخدَمُ وَيُتدَاولُ بين الناس أفراداً وجماعاتٍ مُتوحدِنَةً.
وسنحاول من خلال هذه الدراسة المفصليَّة للرواية أنْ نتتبع بتوْءَدةٍ حكاياتِ ذاكرة مدينة مُغيَّبةٍ مُهمَّشةٍ ومنسيَّة تطاولت عليها يدُ الزمن الغابر بالنكبات داخل هذه الرواية البيئية التكاملية. ونسعى أيضاً إلى تقفِّي أثر تلك الحكايات وتعقُّبِها في نفوس وحياة الناس اليومية للوصول إلى شطآن الحقيقة المنشودة لتلك التداوليَات الواقعيَّة الناتجة عن الفعل السردي لأحداث المجتمع وحركته اليوميَّة.
واليَوميَّاتُ الحكائية ليس المقصود بها مُذكراتٍ شخصيةً لذاكرةٍ فرديةٍ ضيِّقةٍ، بل هي صور ومشاهدات سرديَّةٌ صغيرةٌ ومُكثَّفةٌ من تاريخ وسجلِّ مدينةٍ سومريَّةٍ أصيلةٍ تعاقبت عليها الأجيال والرموز والشخصيَّات، تَختزنُ ذاكرتها مواداً خاماً لثنائياتٍ عديدةٍ، مثل، ثنائية الحرب والسلام، والحب والكُره، والأمل والألم، والأمان والإرهاب، والخير والشر، والوجود والعدم، والتهجير القسري والطائفي والإثني والتناقضي المذهبي الديني الذي أُنتج منها ومن خلالها فضاءَ الخطاب السرديّ للرواية واقعاً رفضيَّاً وَحِجَاجيَّاً مُضاداً لما تَرويه وقائع تلك المدينة الرسمية البائسة الفعل.
إنَّ مثل هذا النموذج الإنتاجي سواء أكان السلبي أمْ الإيجابي الذي صنعته هالة الِّرواية يُحيلنا إلى وقع إشكالية مهمَّة، وهي أنَّ الرواية نفسها ترفض ما يسمَّى بالرواية الرسميَّة للمدينة (الصامتة)، وتكتب فعل حكاياتها اليوميَّة المتداولة على لسان الناس وعلى لغة تاريخ أفعالهم الناطقة المقصودة.
وهذا يعني أن الرَّاوي العليم (الكاتب) قد اشتغل على تقنية (الحَدَثِ) الذي يُعدُّ جُغرافيا الذاكرة الجمعيَّة التي تعيش على التداول لا على تقنية التدوين أو التوثيق التاريخي اليومي الشَّخصي السيري المُفتعل لحكايات هذه المدينة على الرغم مما فعله الكاتب كريدي في توثيقة التأريخي اليومي لأحداث وحكايات فصول هذه الرِّواية من أجل التتابع الزماني والمكاني. فالحدث هو من يتكلَّم وينطق بالأثر كنبوءة تاريخيةٍ ودينيةٍ بصفته مثابةَ الحكايات وخريطةَ لأماكن الجُرح التَّداولي.
وبهذه النتيجة الفعليَّة الكتابية الظاهرة تحوَّلت سرديَّات رِواية (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ) وذاكرتها الجمعية الإنسانية التاريخية المهمَّشة إلى واقع حكائي سردي تداولي ناطق في طيَّات هذه الرواية وبآليات سرديَّةٍ حركيَّةٍ استطاعت أنْ تفضح لغة الصمت الرسمي الثابت، وتبني واقعياً تداوليَّاً جديداً لتشظي هُويّة المكان الحقيقية الذي تُخبِر عنه حكاياتها الواقعية المُستجدة بهذه الإشكالية المتشابكة لعنوان الرِّواية (ما لا ترويهُ االمدينةُ) .
إشكالياتُ عًتبةِ العُنوانِ الدِّلاليَّةُ:
العُنوانُ في أوضحِ تقريبٍ له، هو بوابة الدخول إلى مدينة السرد الفاضلة في الرواية، وهو مفتاح مفاتيح الدخول الرئيسة إلى تجلَّيات عالم النصِّ الموازي. لذلك فإنَّ مَنْ يقرأُ بإدراكٍ وتدبرٍ وتحليل واعٍ نصَّ العتبة العنوانية لرواية (ما لا ترويهُ المدينةُ)، سيلحظُ جيَّداً أنَّ هناك تلاعباً لُغويَّاً وفنيَّا ذكيَّاً في البناء التركيبي لعتبة العنوان الروائيَّة قام به الروائيُّ مُؤلِّف العمل السرديّ ومُنتجه.
إذ إنَّ المعنى الدلالي القريب للعنوان يشي بأنَّ مدينة السرد تُوصف بأنها مدينةٌ ساكتة صامتة بكماءُ لا تَروي عن ذاتها؛ لكنَّ ذاكرتها التُّرجمانية الأخرى مُتكلمةٌ بحال لسانها الناطق بلغتها. فتفضحها لغتها وتشي بمعناها الدلالي البعيد المُعمَّق. وهذا الإيحاء الرمزي يعدُّ بياضاً وفراغاً ثقافيَّاً ونسقيَّاً مُضمراً وخفيَّاً مَستوراً جميلاً يكشف عن واقعيةٍ وخطابٍ سرديٍ واستخدامٍ يوميٍّ وتداوليٍ لواقعة الحدث الموضوعية الذي لا تَرويه المدينة عن حالها، بل ترويه ذاكرة (الكاتب) أو الرَّاوي العليم، التي هي بالأساس تعتبرُ ذاكرةَ الناس الجمعية المُتَّفق عليها بالذاكرة غير الرسميَّة التداولية للمدينة مثابة السرد الزمكانية.
وخُلاصةُ تفسير ذلك يعني من خلال عنوان الرَّواية المباشر بأنَّ المدينة لا تروي خبرها عن أثرها الصريح وواقعها الجريح، بل إنَّ الناس هم من يتحدَّثون عن المدينة، وعن مثاباتها المتحركة وأحداثها وحياتها وعن شوارعها ومقاهيها ونقاطها؛ لذلك فإنَّ العنوان صار عنواناً تمرديَّاً حِجاجيَّاً عَنيداً صَارخاً القولَ من خلال ما صَرَّحَ به: إنَّ الرِّواية ترفض الرِّواية الرسميَّة للمدينة، فتستبدلها بغير الرسميَّة، حينئذٍ ومن خلال حكاياتها تكتبُ يومياتها التداولية وواقعها الحدثي المعيش الراهن.
إنَّ الرِّواية الرَّسميَّة للمدينة تقول إنَّ مدينة العمارة التي هي مدينة الرِّواية بالدرجة الأولى، هي مدينة شعبية جمعيَّة فقيرة آمنة هادئة مُستقرة خاوية على عروشها؛ بيدَ أنَّ الواقعية التداولية لهذه المدينة في الرواية تنبئ بخلاف ذلك الرأي فتخبر بأنّ المدينة ضاجَّةٌ تعاني من حركة اضطراب أو جيشان داخلي وتدخل خارجي، سواء أكان عثمانياً تركياً أو انكليزيَّاً أو أمريكيَّاً فاتحاً، فضلاً عن حركة الاقتتال الطائفي الجديد والصراع المذهبي الطارئ وظهور الجماعات الإرهابية المسلحة.
إنَّ كلَّ هذا ما لا ترويه مدينة العمارة، بل ترويه للتاريخ وقائعها التداوليَّة وأحداثها وذاكرتها الجمعية والإنسانية الناطقة، وهذا هو محل الخلاف والفارق الرئيس البائن بين مصطلح المدينة الرسمية، وغير الرَّسمية الفاعلة، بالضبط كالفرق بين دالتي الشكل والمضمون مع أن أحدهما يكون مكملاً للآخر، وهذا ما يفسر حركة الواقع الدرامي المرئي المنظور عن غير المرئي المستور أو المهمَّش المقصود في أدبيات ذاكرة المدينة المنسيَّة أو المغيَّبة فعليَّاً عن المشهد السردي.
إذن العتبة العنوانية للرواية لا تدرس المدينة الحاكمة أو المحكومة كجغرافيا شكلية ومُناخية، بل تدرسها كَأُناسٍ فاعلينَ بالتداول الواقعي لا بالتوثيق الرسمي المؤرشف. وربَّما هذا ما يَفكُّ جوهر الاشتباك الأني الحاصل في إشكالية العنوان الرئيس، وذلك من خلال تعزيز التقنيات السردية المتعدِّدة التي أنتجتها فنيَّات الرِّواية، مثل تعدُّد الأصوات والرموز والشهادات السرديَّة للشخصيَّات، والتكرار القصصي وأسلوبية الحذف، وتقنيتي الاستقدام والتأخير. وكلُّ تلك التي أسهمت وتُسهم في الرواية بأنْ تصنع واقعها الزمكاني المُتداول حياتياً، والذي صار هُوِيَّةً بديلةً وذاكرةً تاريخيةً مضادةً، وصارت الحكايات واقعاً حياتياً مُغيَّباً، واليومياتُ واقعاً ورقيَّاً مُؤرخاً، والمدينة لا تعيش في ظلال الورق، بل تعيش في هو من أهمِّ منهُ الذي هو ظلال الحكي الذي تصنعه عقول الواقع.
البناءُ الفنِّيّ والسَّرديّ للروايّةِ:
مدوَّنة (ما لا ترويهُ المدينةُ)، هي العمل الروائي السردي الإنتاجي الخامس للأديب والكاتب والرِّوائي العراقي المثابر تحسين علي كريدي، والصادر بطبعته الأولى عام 2025م عن دار السرد للطباعة والنشر في بغدادَ، هذه الدار المتخصَّصه من سمت دلالتها العنوانية بالسرديات الروائية والقصصيَّة، وبواقع بلغ نحو (178) صفحةً من فئة القطع الكتابي المتوسِّط، والذي يجمع بنين الكمي والنوعي المُكثَّف. ويمكن أن نصفَ مُدوَّنة (ما لا تَرويهُ المَدينةُ) الروائيَّة بأنَّها متوالية قصصية حكائية تتألَّف من (15) فصلاً روائياً أو جزءاً حكائيَّاً مُعنوناً إلَّا القليل منه قد وَرَدَ رقماً فصليَّاً من غير عنوان ما يحمل القصدية الفكريَّة، أو من غير قصدٍ تنظيمي بحسب المقام الحدثي .
وتمَّ تأثيث سردياتها الحدثية بطريقةٍ نسقيةٍ زمكانية تراتبية تبدأ من الحدث الأقدم عهداً إلى الأحدث تاريخاً. وترتبط تلابيب هذه الأجزاء الخمسة عشر موضوعيَّاً وفنيَّاً بالوحدة العضوية للرواية التي تشكِّل المعادل الموضوعي المهمَّ للمدينة ولواقعها الحياتي المعيش الذي ارتأى فيه الكاتب كريدي أنْ يكون هو مركز النواة الرئيس في الرواية والحدث الأبرز في اشتغالاته زمكانياً.
والذي على أساسه الجوهري قامت عناصر الرواية وتخلَّقتْ وأُنتجت فنيَّاً وجماليَّاً وسرديَّاً في تمثلات شخوصها الفواعلية وأحداثها الفعلية ووحداتها السردية وتنامي صراعها الحدثي وحِبكتها السردية وانتهاء بتقفيلتها أو بخاتمتها بعد مُستهلِ مُفتتحِ مُقدِّمتِها التصديريَّة الإثرائية والأسطورية.
وحين نُجِيلُ النظرَ بصريَّاً في أولى صفحات الرِّواية يُطالعنا تصديران مهمَّان من عتبات النصِّ الموازي التي حدَّدها جيرار جينيت، التصدير الأول: ارتأى الكاتب تحسين علي كريدي أن يكون مِهادَ تقديمٍ لروايته المدينة، والذي وجد فيه ملاذاً حدثياً للمقاربة الجمالية بين بطل روايته الشاب الخَلَف الذي عُرِّفَ بثنائية لقب طائفته المزدوج (حمزة محمَّد الموسوي) أو (حمزة محمَّد النجدي)، وبين الأسطوري السومري دُمُوزي الراعي من جانب، وبين حبية البطل (أمل)، وإنانا السومرية.
ذلك التماهي الواقعي والمخيالي الأُسطوري العاطفي العجيب لثنائية الحبِّ بين أثر الماضي وألق الحاضر، والذي هو أيضاً امتداد أصيل لِحُبِّ والدة البطل (زهراء) وحبيبها عبد الوهاب الذي ينتمي بعقيدته المَذهبيَّة لأهل السُّنة والجماعة في حينَّ أنَّ زوجته زهراء شيعيَّة من جانب إنساني آخر:
"لا يُمكننِي أنْ أتأخرَ أكثرَ مِنْ ذَلكَ، أُمِّي سَتغضبُ مِنِّي؛ بَأيِّ عُذرٍ سَأُبرِرُ لَهَا غِيابِي كُلَّ هَذَا الوقْتِ؟ فَارتَسمَتْ عَلَى وَجهِهِ ابتسامَةٌ رَقيقةٌ وقَال:-أخبريهَا بِالعُذرِ الَّذي سَاقتهُ جَدتُكِ (إنَانَا) لِأُمِّها (نِنكَال)، وَالذِي اِقترحَهُ عَليهَا حَبيبهُ (دُمُوزِي)، قَبلَ خَمسةِ آلافِ عَالمٍ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 82) .
وقد مالَ الكاتب في تعبيره السردي إلى تقنية التَّناص التاريخي الأُسطوري مع نشيد مدينة (أوروك) الأُسطوري، أو إلى نصِّ الأسطورة السومرية العراقية المعروفة تاريخيَّاً. والعُمارة هي المثابة الجنوبية والمدينة الرَّئيسة لنصوص مدينة (ما لا ترويهُ المدينةُ)، والتي هي امتداد رمزي سومري لمدينة أوروك التاريخ والحضارة والتأصيل والجذور بشخوصها الفاعلة وأحداثها الفعلية الساخنة وما مَرَّت به طُوفان تاريخي أُسطوري حديث تجسَّد بالغزو والاحتلال والتهجير والتهميش والقتل على الهُوِيَّة الشخصية لا لرادعٍ دينيٍّ أو وازعٍ أخلاقي واجتماعي يوقف هذا السيل الجارف:
"سَيأتِي اليَومُ الَذِي يَبطِلُ فَيهِ إلَى الأبدِ، اِستغلالُ الإنسانِ، يَومَ يَنتهِي إلَى الأبدِ الصِّراعُ بَينَ القَوِّي وَالضَّعيفِ، يَومَ تَختفِي عَنْ وَجهِ الأرضِ جَميعُ الآلامِ، وَمَنْ يُريدُ بِناءَ أوروكَ مِنْ جَديدٍ؛ عَليهِ ارتداءُ كِساءٍ طَاهرٍ وَأنْ يَكونَ مُؤهَّلاً. أوروكُ سَترتدِي النُّورَ، وَتَحنِي رُؤوسَ المُتكبرينَ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 5) .
أمَّا التصدير الثاني للرواية الذي استلهُ المؤلِّف من أرفع بطونِ كُتُب التاريخ الإسلامي وأجلِّها أثراً وحكمةً، فقد كان قولاً إنسانياً مأثوراً لعلي بن أبي طالب رمز العدالة الإنسانية وقرآنها الناطق في الأرض. وكان الإتيان في الاستشهاد به نصَّاً تصديريَّاً ثانياً في مفتتح الرواية كمقدمة تعضد سردياتها يُعدُّ أمراً تعبيرياً مَقصوداً له دلالاته الفريدة ومعانيه الإنسانية القريبة والبعيدة للتقليل من أثر أو حِدَّة التهجير الإثني والطائفي المَذهبي اللَّإنساني الآسرالذي تُمارسه جماعات وأذرع السلطة القائمة على إشعال فتنة الصراع السياسي والمذهبي، وما يقوم به الإنسان ضد أخيه الإنسان الآخر.
فجاء هذا القول الحِكَمَي المأثور في تصدير الرواية ليقطعَ دابرَ الطريق على الآخرين ممن يعملون بجديةٍ ويُراهنون على تأجيج الفتنة الداخلية وزرع التفرقة الطائفية المَقيتة بين العراقيين من البشر أهل هذه الأرض الطيَّبة، وأبناء هذه المدينة التي اعتدى عليها جَور الزمن وتطاولت عليها مخالبُ الطُّغاة والقُساة من الحُكَّام والمستبدين أذناب الخارجي الآخر الذي يُحرِّك صولتهم ويرمي سهامهم:
"النَّاسُ صِنفانِ: إمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أوْ نَظيرُ لَكَ فِي الخَلقِ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 6) .
إنَّ ما يلفت النظر مليَّاً في رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ)، إنَّها بانوراما مدوَّنة سرديَّة جامعة ومانعة لتوليفةٍ عجيبةٍ وخليطٍ تخليقي من جنس سرديَّات وحكايات التاريخ والمجتمع والبئية وأحاديث الوضع السياسي القائم، ونصوص سردية من واقع أدب الذكريات والسيرة الذاتية الغيرية، وأدب الارتحال (أدبُ الرِّحلة)، وحكايات المكان والزمان الشعبية، ومنظومة من العادات والتقاليد التأصيليَّة وتأثيرات الفنِّ، ولغة الحرب وظلال العسكرة، وأحاديث عن الإرهاب والإقصاء والتهجير الطائفي وظاهرة راهن الحرب والسلام، وغيرها من الظلال الثقافية الأخرى التي ألقتْ بنفسها في الرِّواية.
ولكثرة موضوعات الرِّواية السردية المتعدَّدة لا يمكن أن نضع رواية تحسين علي كريدي (ما لا ترويهُ المدينةُ) تحت خانة تجنيسٍ أو تصنيفٍ سرديٍّ مُعيَّنٍ ما، فنقول على سبيل التوصيف بأنها روايةٌ تاريخية أو اجتماعية أو بيئية أو سياسية أو رواية أدب السيرة أو الارتحال السردي، إنها رواية سرديات الواقع الحياتي الإنساني الزمكاني المعيش بكلِّ تجلّياته ورهاناته التداولية الناطقة.
والرواية في طياتها الموضوعية على الرغم من إيغالها الواقعي الوثيق تحمل مُفارقتينِ مُذهلتينِ في سردياتها الحدثية، المفارقة الأولى، إنَّ الرواية ابتدأت أولى عتبات وحداتها المكانية والزمانية بمدينة بغداد، وتحديداً في صيفها اللَّاهب عام 2006م، وهي سنة الإرهاب والاقتتال الطائفي والقتل العَمد على الهُوية الشخصيَّة، . سواء أكان القتل شيعياً أم سُنيَّاً من كلا الطرفين المتناحرين. وانتهت سرديَّات الرواية الحكائية الواقعية بالعام نفسه 2006م حين حطَّت رحلتها الأخيرة بمدينة العُمارة مثابة الرواية و بؤرة مركز اشتغال العمل الأدبي الإنتاجي، وهي مفارقة حكائية عجيبة اختارها الكاتب كريدي لتكون آخر فصول الرواية وختامها الأخير الذي ينمَّ على أنَّ ختام الرواية بالمطلع.
أمَّا المفارقة الثانية فكانت على مستوى شخصيَّة الرواية وبطلها الذي يحمل هُوِيَّةً شخصيةً مزدوجةً (شيعيَّة وسنيَّةً)، فاسمه في البطاقة الشخصية (حمزة محمَّد الموسوي) من جهة الأبِّ والأمِّ الشيعيينِ، واسمه في جواز السفر (حمزة محمَّد النَّجدي) من جهة لقب زوج والدته الذي ربَّاه وتبنَّاه في بيت النجدي بعد وفاة والده.وهذا يعني أنَّه شيعي الأصل والهوى أباً وأُمّاً، وسُنِّي النشأة والتربية.
وهذه الإشكالية المُفخَّخة في الهوية والعقيدة المذهبيَّة -وإنْ كانتْ طبيعيةً في بلدٍ مُتعايشٍ سلميَّاً مثل العراق- قد شكَّلت في الانتماء المذهبي وقتذاكَ وفي ظلِّ الاقتتال الطائفي مُفارقةً سرديَّةً حدثيةً خطيرةً ومهمَّةً اشتغل عليها الرِّوائي في مركزية الحدث، وفي تأثيث روايته وبناء حِبكتها الفنيَّة.
تَمثُّلَاتُ الواقعِ التَّداولي السرديَّةُ:
تُعدُّ رواية تحسين علي كريدي (ما لا ترويهُ المدينةُ) من نوع الروايات البوليفونية المتعدِّدة الأصوات والرموز والشخصيَّات، لا سِيَّما الذكورية والأُنوثية فيها، على الرُّغم من شخصيَّة الرواية الأولى المعرَّفة ببطلها المزدوج اللَّقب الأوحد المدعو (حمزة محمد الموسوي-أو- النَّجدي)، يعدُّ الشخصية المركزية الرئيسة الأولى في الرواية، بيدَ أنَّها تشظَّتْ وتشعَّبت أحداث سردياتها وصارت (عائلةً نوويَّةً) مُتعدِّدة الأطراف؛ كونها جاءت امتداداً من الجدِّ السَّلف (حَمزة) مُروراً بالأبِّ (مُحمَّد)، وانتهاءً بالابن أو الحفيد البطل (حمزة الموسوي- النجدي) . وهذه التعدُّدية السرديَّة للاسمية التي جاءت بالتوريث الأُسري استمرَّت في الرواية حتَّى بلوغ مُنتهاها الأخير بمدينة الحدث العمارة.
ومن الطبيعي أنَّ هذه التعدُّدية في سلسلة التَّعارف الأُسري (الموسوي-النجدي) لشخصيَّة بطل الرِّواية الأول واستقرارها النهائي على اسمية البطل المستقبلي الأخير (حمزة الموسوي أو النجدي) تُحيلنا إلى أنَّ هذه الرواية- إجرائياً وتطبيقياً- قد حفلت بالعديد من الوقائع والأحداث التداولية المتوالدة في تناميها من رحم الصراع الواقعي الحياتي الإنساني المعيش الذي عاشه أبطال الرواية وشخوصها وأناسها معاً، وما لحق بها شخصيَّاتٍ فواعليةٍ أخرى مجاورة لطبيعة الحدث السردي.
وسواء أكان ذلك الحدث على مستوى الحضور العراقي الداخلي أو الخارجي عنه، أو على صعيد المكان والزمان وما أنتجه من حُمولاتٍ فكريَّةٍ ومخاضاتٍ حتميةٍ تفرزها إرهاصات الواقع التداولي المجتمعي التاريخي والسياسي والاقتصادي والديني والعسكري والثقافي والحضاري التي ألقت بظلالها الجمعية المشتركة على مركزية الحدث بؤرة اشتغالات الكاتب الرِّوائي وفرضت نفسها على هيمنة الخطاب السردي للرواية، وعلى وقع أحداثها الكونية المتشابكة التي تقصَّد فيها الكاتب المؤلِّف أنْ تكون سردياتها التداولية تراتبيةً نَسقيةً مُنتظمةً كُلُ حدثٍ سرديٍّ فيها يتبع الآخرَ.
وكان الكاتب أو مؤلِّف العمل الروائي تحسين علي كريدي راوياً عليماً يروي عن حال ولسان شخصياته الرئيسة والثانوية بلغة ضمير الغائب، كان حريصاً جداً وأميناً في توثيقه السردي وتدوينه الجمعي وفي مصداقيته التعبيرية ليومياته الحكائيَّة التداولية، حتَّى تظنُّ أنَّك تشاهد عملاً سينمائياً فنيَّاً أو مسلسلاً دراميَّاً بصريَّاً واقعياً مليئاً بالأحداث والمشاهد التراجيدية الساخنة والمشحونة بفيوضاتٍ الألم والأمل والأسى والتمنيات وكثرة الصراع الذي لا ينتهي بين عناصر الخير والشرِّ.
وكلُّ حكاية من حكايات وقصص هذه الرِّواية الخمس عشرة لها موضوعاتها الحياتية الشائقة وسردياتها المأثورة في المتلقِّي والقارئ الذي يتتبع أحداث الرِّواية وينصت بإصغاء لثيمِها الفكرية. وعلى وفق هذه السرديات النسقية المتتالية التي احتشدت بها فضاءات الرِّواية سنقرؤُها أجرائيَّاً:
1- تَمثُّلاتُ القتلِ والتَّهجيرِ الطَّائفيِّ:
شهد العام 2006م وما تلاهً من أعوام أخرى عجاف سنين القتل على الهُوِيَّة والتهجير القسري الإثني والطائفي من قِبلِ الجماعات الإرهابية التي تشكَّلت بعد الغزو الأمريكي، وكان هدفها الخارجي إخراج المحتل القوات الأمريكية، وهدفها الداخلي التغوُّل بنزعة الشرّ، فضلاً عما قامت به ما يسمَّى بالجماعات الجهادية التي راحت تعبث بالأرض فساداً وتمارس أساليب قتلٍ دمويةٍ وإجراءات ظلمٍ تعسفيةٍ بحقِّ الناس تصل إلى حدِّ القتل والتمثيل بالأبرياء من الطرفين دون رادع.
وصار ذلك الفعل أُسلوبا شائعاً ومتداولاً مُخيفاً بين الناس الأبرياء من كلتا الطائفتين (الشيعيَّة والسُّنيَّة) في ظلِّ غياب واضح لحكومة القانون وضعفها الذي تسيطر عليه الأحزاب والجماعات المسلحة التي تهيمن على زمام المَشهد الحياتي المُنفلت والسياسي العام إثر اِحتقانٍ طائفيٍ مَقيتٍ:
"مُنذُ أنْ شَاهدتُ جُثَّةَ جَاري المَقطوعةَ الرَّأسِ، وَهيَ تَسبحُ فِي بُركةٍ مِنَ الدِّماءِ؛ كَانَ ذَلكَ الجَارُ قَدْ تَلقَّى قَبلَ مَصرعِهِ بِعدَّةِ أيامٍ مَظروفَاً فِيهِ رَصاصةٌ، وَهوَ أُسلوبُ التَّهديدِ الشَائعِ، بِأنَّ عَليهِ إخلاءُ مَنزلهِ وإلَّا تَعرَّضَ لِلقتلِ؛ مِنَ المُؤسفِ حَقَّاً أنَّ جَاري المَسالمَ كَانَ مُدركاً لِعواقبَ ذَلكَ الَّتهديدِ؛ فَاِمتثلَ لَهُ، وَأخلَى المَنزلَ عَلَى جَناحِ السُّرعةِ؛ إلَّا أنَّهُ ارتكَبَ خَطأً، عِندمَا عَادَ لِيَأخُذَ مُولدَ الكَهرباءِ الَّذي نَسيَهُ، وَلمْ يُدركْ أنَّ نَسمةَ الهَواءِ الِّتي أملَ أنْ يَجودَ لَهُ بِها ذَلكَ المُولدُ في صَيفٍ قَائظٍ ومُلتهبٍ عِندَ انقطاعِ التَّيارِ الكَهربائيّ؛ سَتقودهُ إلَى حَتفِهِ؛ وَلَيتَهُم أنهُوا حَياتَهُ بِرصاصةٍ، بَدلَ أنْ يَنحروهُ مِثلمَا تُنحرُ الأضاحِي، فَعلُوا ذَلكَ إمعانَاً باِلترهيبِ وَالتخويفِ الَّذي تَقفُ وَراءَه دَوافعٌ طَائفيةٌ عًصفتْ بِالبلدِ تُنفذُها مَجموعَاتٌ مُسلحةٌ تَشكَّلت بَعدَ الغَزوِ الأمريكِي لِلعراقِ يَطلقونَ عَلى أنفسِهِم (الجَماعاتِ الجَهاديَّةِ)، هَدفُها إخراجُ القُواتِ الغَازيَةِ...". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 7، 8) .
وليتَ هدف هذه الجماعات الإرهابية المسلحة الموغلة بالشر أنْ تقف عند هذا الحدِّ من التمثيل والممارسات اللَّإنسانية القاتلة التي طالت الكثير من حياة العراقيين أبناء البلد المُوحد عقائدياً ووطنيا، بل راحت تقتل على الهُوِيَّة الاسمية أو الشخصيَّة، لا رادعَ لها سوى ما تقوم به من أعمالٍ وممارساتٍ بشعةٍ طالت حياة الأبرياء في هذا البلد الذي أخذت عناصر من الخارج تُغذِّيهُ الطائفيةَ:
"وَقَبلَ أنْ تَتَغَوَّلَ نَزعةُ الشّرِّ عَلَى إنسانيتِهِم وَيَغرقُونَ جُزءاً كَبيرَاً مِنَ البَلدِ فِي مُستنقعِ الاِقتتالِ الطَّائفيّ، وَيُصابونَ بِهوسِ التَّحرِّي عَنِ البُطاقةِ الشَّخصيةِ؛ فَتراهُم يَرتدونَ الزِّيِّ العَسكريِّ وَيَنصبُونَ حَواجزَ وَهميةً عَلَى الطُّرقاتِ أضحَى اِجتيازُهَا أشبَهَ بِحقلِ ألغامٍ؛ وَلِأنَّ لَا لَونَ البَشرةِ، وَلَا اللُّغةِ يُمكنُهُمَا أنْ يُشيرَا إلَى اِنتماءِ شَخصٍ ما لِطائفةٍ بِعينِهَا؛ فَإنَّ الاسمَ أو اللَّقبَ، فِي الأغلبِ، كَفيلٌ بِنجاةِ أوْ هَلاكِ حَاملِ البَطاقةِ الشَّخصيَّةِ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 7، 8) .
ومن المفارقات العجيبة التي اتَّسمت بها شخصية بطل الرِّواية (حمزة) التي مرتناَّ ذكرها في دراستنا لسرديات ذاكرة المدينة الواقعية أنَّها تحمل هُويَّة مزدوجة في انتمائه المذهبي السُّني أو الشيعي الذي قد أفاده حيناً إيجاباً وأضرَّ به حيناً آخر سَلباً في مواجهة عناصر الطائفية وتظليلهم. فلنقرأ ما يقوله الراوي العليم السيَّد كريدي على لسان بطل روايته حمزة الموسوي أو النجدي:
"مَعِي الأمرُ يَختلفُ بَعضَ الشَّيءِ؛ لأنَّ اِسمِيَ المُدرَجَ فِي بَطاقتِي الشَّخصيَّةَ هُوَ حَمزةُ مُحمَّدُ المُوسويُّ بِكلِّ مَا لَهُ مِنْ دِلالةٍ عَلَى اِنتمائِي لِلدوحةِ المُحمديَّةِ، بَينمَا اِسمِي المُدْرَجُ فِي جَوازِ سَفرِي هُوَ حَمزةُ مُحمَّدُ النَّجدِي، وَهوَ المُتدَاولُ بَينَ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ؛ لأنِّي نَشأتُ وَتَربيتُ فِي بَيتِ النَّجدِيِّ؛ أمَّا بَالنسبةِ لِي؛ فَسيَّانَ عِندِي إنْ كُنتَ حَمزةَ النَّجديَ أمْ سَيِّدَ حَمزةَ المُوسويّ". (مّا لّا تّرويهُ المدينةُ، ص 8) .
ومثل هذه الازدواجية الاسمية في الطائفة تدللُ على أنَّ العراقيين نسقياً واجتماعياً مُتحابون ومتوحدنونَ لا يعرفون لُغةَ التفرقة المذهبية والعنصرية الإثنية بين الطوائف المتعايشة سنينَ طوالٍ سلميَّاً في هذا البلد؛ كونها ثقافة دخيلة جاءت من صنيعة الغازي الذي راهن على الوقوع في فخ الهوية علَّها تعمل على تفكيك وحدة الشعب العراقي وتدمير عقائده الدينية وتشلَّ انتماءَه الوطني وتُضعف حبَّه لأرضه ووجوده التكويني الأوَّل الذي عاد إليه بعد فورة من سنينَ الاقتتال الطائفي:
"فَيذهبُ أبِي فِي أوقاتِ إِجازتِهَ لِيُصليَ الفُرُوضَ فِي جَامعِ السُّنَّةِ الكَبيرِ، ذَلكَ الجَامعُ الَّذي كَانَ أولَ مَحطَّةٍ لِجَدِّهِ نَايفِ عِندَ وُصُولِهِ إلَى المَدينةِ؛ أمَّا خَالِي سَتَّارُ الِذي يَسكنُ الدَارَ المُلاصقَةَ لِدارِنَا، فَيًصلِّي فِي جَامعِ الشَّيخِ عَبدِ الغَفَّارِ الأنصاريِّ، وَهوَ أكبرُ جَوامعِ الشِّيعةِ، وَكَانُوا يُطلقونَ عَلَى خاَلِي، لَقبَ سَيِّدِ وَسيِّدنَا وَأحيانَاً مُولانَا؛ لأنَّه مِنْ ذُريَّةِ رَسولِ اللهِ؛ وَأنَا أيضاً يُنادونِي في بَعضِ الأحيان بـ (السيَّدِ) ؛ أمَّا خَالتِي، فَيدعونَهَا (عِلوِيَةُ) ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 38، 39) .
وبالتأكيد أنَّ حُمولاتِ هذا التآلف الاجتماعي والتعايش المذهبي السَّلمي بين العراقيين تُدلِّلُ كلَّ التدليل على أنَّ فئات الشعب العراقي وقومياته ومذاهبه كافةً لا تسعى إلى تغذية ثقافة التفرقة العنصرية، ولا تُحبُّ إطلاقاً لُغة الاصطفاف الطائفي المقيت المفخخ وقتياً؛ كونها ثقافة طارئةً لا تصمد أمام الروح الوطنية والانتماء للوطن. المهمُّ في ذلك أن يكون الفرد العراقي بالدرجة الأولى إنساناً وقبل كلِّ شيء في ميوله لطائفته وعقيدته الدينية وهو ما جُبِلَ على طبعه مُنذُ عصورٍ خَلَتْ. وهذا ما يشهد له تاريخ العراق السياسي الحديث برغم بعض التعثَّرات والنعرات الطائفية القَميئَة.
2- التَّمثُّلاتُ الوَاقعيةُ لأدبِ السِّيرةِ وَالارتحالِ السِّيري:
وفي الفصل الخامس من الرواية والمعنون للحديث عن شخصيَّة عبد الوهاب النَّجدي، الذي هو زوج والدته والأبُّ الرَّاعي لِحياة بطل الرِّواية (حمزة مُحمَّد النَّجدي)، وهو أيضاً الرجل المُتبنِّي لشخصيته بعد وفاة والده سيِّد محمَّد الموسوي، يطالعنا الحديث السِّيري الآتي عن شخصية (عبد الوهاب النَّجدي) الذي يروي أصوله الأولى في بلده الكويت وخروجه منها لأسبابٍ كثيرةٍ مُلحةٍ:
" بَعدَ أنْ أطفأتْ لَوعةُ اِشتياقِي لِأُمِّي وَأبِي وَأخِي عَبدِ الصَّمدِ، أرغمتنِي رِئتَايَ عَلَى مُغادرَةِ الكُويتِ بَعدَ أنِ حَاصرتهمَا رُطوبةُ الجوَّ مُتوجهاً مِنْ هُناكَ إلَى تُركيَا، حيثُ كَانَ فِي اِنتظارِي صَديقِي صَباح؛ الَّذِي وَصلَ إسطنبولَ قَبلِي، قَادِمَاً مِنَ العِراقِ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 45) .
ويمضي عبد الوهاب النَّجدي قُدُمَاً ببدءِ رحلته الشَّخصيَّة السِّيريَّة خارجاً من بيت أهله في بلده الكويت مروراً بتركيا، وصولاً إلى مدينة بلغراد اليوغسلافية مُستقلاً القطار الذي أوصله إليها، ومن ثمَّ السير بالقطار مرِّةً أخرى للوصول إلى جهته المقصودة وهي ألمانيا الغربية حينذاكَ التي يعول على زيارتها مع صديقه صباح العراقي ليقضياً سياحةً في هذه الدولة ومن ثم العودة منها:
"أخذنَا القِطَارَ إلَى ألمانيَا الغَربيةِ، وَوَجْهتُنَا التَاليَةُ هِيَ مَدينةُ مُيونِخ، وبَعدَ كُلِّ مَحطَّةٍ يَتوقَّفُ عِندَهَا، يُطالعُنَا وَجهُ الجَابي الَّذي يُذكرنِي بِشخصيةِ المُمثِّلِ (ألبرتُ فِينِي) الَّذي مَثَّلَ دَورَ المُحقِّقِ (هَيركول باورو) فِي فِيلمِ قِطَارِ الشَّرقِ السَّريعِ المَأخوذِ عَنْ رِواية آجاثَا كِريستِي". (ما لا ترويهُ المدينةُ، ص 46) .
والملاحظ أنْ أدب التسريد الارتحالي قد تضمَّن ذكر شخصياتٍ ثقافيةٍ وأعمالاً فنيَّةً وروائيَّةً عالميةً. ويَلحظ أيضاً أن الكاتب تحسين كريدي قد ثبَّتَ في كلِّ رحلةٍ تاريخاً لكلِّ دولةٍ أو مدينةٍ تزورها شخصيَّات الرِّواية. وفي التاريخ الذي أرَّخه الكاتب في الرِّواية لهذا العنوان الفصلي عن عبد الوهاب وهو (الحادي عشر من أيلول) . وعلى وفق ذلك من أدب الرحلات السيريَّة نقرأ شيئاً واقعياًحقيقيَّاً من تجربة شخصيَّة حقيقيَّةٍ لكاتب الرواية كريدي نفسه عندما كان طالباً يدرس الهندسة في (صربيا) أو في يوغسلافيا. فقام بتوظّيف رحلته للإفادة منها والتماهي مع شخصيَّات روايته:
"الحَادِي عَشرَ مِنْ أيلولٍ، أخذنَا القِطَارَ إلَى مَدينةِ بَلغرادِ عَاصمةِ يُوغسلافيَا بَعدَ أنْ اِشترَى كُلُّ واحدٍ مٍنَّا مِنَ تِريستَا خَمسَة كيلوغراماتٍ مِنَ البُنِّ البَرازيليِّ نَوعِ (مِيناس) الَّتي بِعنَاهَا بَأضعافِ ثَمنِهَا فِي بِلغرادَ. [و] العَشرونَ مِنْ أيلولٍ، عَلَى مَشارفِ البِسفورِ شَارفتْ رِحلتُنَا لِهذَا العَامِ عَلَى نَهايتِهَا، وَكُنَّا نَتهيَّأُ لِلعودةِ إلَى العِراقِ، وَلا سِيَّما أنَّ الدَّوامَ فِي المَدارسِ بَاتَ وَشيكَاً عَلَى الأبوابِ، فَوضَّبنَا حَقائِبَناَ المُترعةَ بِالهدايَا". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 49) . وتَستمرُّ رحلة التدوين والأرخنة اليومية.
3- تَمثُّلاتُ السَّردِ الوَاقعيةُ لِتداعياتِ الحَربِ العِراقيَّةِ الإيرانيَّةِ:
وفي ثمانينيَّات القرن العشرين نشبتِ الحرب العراقية الإيرانية بين البلدين المسلمين الجارينِ، وحدث ما حدث من سياساتٍ هوجاء فرضتها إملاءات السياسة الخارجيَّة من قبل أمريكا ودول الخليج العربي صاحبة الثراء؛ ليحارب العراق بالنيابة عنهم ويحمي مصالحهم. باعتبار أنَّ العراق يمثل حارس البوابة الشرقية لحدود الوطن العربي الكبير. ووقع العراق في حبائل هذا الفخ الكبير وتعرَّضَ إثر ذلك لحصار واستنزف الكثير من قوته وإمكانياته الاقتصادية والبشرية، وفقد البلدان العديد من الضحايا في حرب ليس لهما فيهما ناقة أو جمل، وليس هناك من هو فائز في الحرب.
وقد أخذت هذه الحرب حصتها الموضوعية والفكرية من أدب وسرديَّات رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) الذي اشتغل فيها الكاتب الرائي في أكثر من موضع تسريدي أو مكان حربيٍّ يكون شاهداً على تاريخ العراق السياسي. الأمر الجَلل الذي تأثَّرت به كل أطياف الشعب العراقي المسالم لثماني سنواتٍ عجافٍ ومنها معاناة بطل الرواية الذي عاشَ ويلاتِ الحرب العراقية الإيرانية الضروس:
فِي شَهرِ "أيلولُ (سِبتمبر) عَام 1983، اُستدْعِيتَ لِخدمَةِ الاِحتياطِ؛ لِأنَّي لَمْ أحصلْ عَلَى اِنتدابٍ مِنَ الخِدمةِ العَسكريَّةِ الَّتِي اِستثنَتْ قِسمَاً مِنَ المُعلِّمينَ؛ فِي اِختصاصَاتٍ مِثلَ الرَّياضياتِ وَاللُّغةِ الإنكليزيَّةِ؛ أمَّا مُعلِّمُو مَادةِ الفَنيَّةِ، فَكانَ بِوسعِهِم الاِستغناءُ عَنْهُم فِي المَدارسِ، فَفِي الحُروبِ لَا أحدَ يُفكِّرُ فِي القِيمِ الجَماليَّةِ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص53) .
وهُنا الكاتب لا يسرد تمظهرات الواع التداولية ويصفها فحسب، وإنَّما كان ينتقدُ سياسة النظام الحاكم وقتذاكَ. وكانت نتائج هذه الحرب الطويلة مخيبةً للآمال والطموحات المستقبلية، إذ لا رابح فيها أو خاسر غير الشعبينِ العراقي والإيراني الذين كانا ضحية السياسات الأهوائية الهوجاء التي امتدت على إثرها الحرب لسنوات طوال، ولم تنتهِ إلَّا بعد مضي ثماني سنوات من الموت البطيء والتجويع والترمُّل للنساء والأمَّهات واليتم للأطفال، حتَّى قيام ساعة الحسم المُفاجِئَة لانتهاء الحرب في (8/8/1988م)، وبعدها بدأت مرحلة لسلسة حروب جديدةٍ تكرَّرت والتي لم تُكن في الحسبان:
"أَعدتُ عُلبَةَ الصُّورِ والمُفكِّرةَ إلَّى الدُّولابِ، وَأويتُ إلَى فِراشِي لِأنالَ قِسطَاً مِنَ النَّومِ، قَبلَ اِلتحاقِي يَومَ غَدٍ إلَى الجَبهةِ الَّتي مَا مِنْ بَصيصٍ أملٍ بِنهايةِ لِلحربِ المُستعرةِ فِيهَا؛ لِلعامِ الرَّابعِ، وَالمَوتُ يَتربصُ بِنَا، وَلَا أحدَ مِنَّا يَعرفُ مَتَى سَيحينُ أجلُهُ، الجَميعُ مَأخوذونَ بِهاجسِ المَوتِ الَّذي لَا يُبارحُ رَأسَ أحدِنَا؛ إلَّا بَعدَ أنْ تَسوطنَهُ شَظيَّةٌ أو رَصاصّةٌ". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 54) .
وبعد أن أوقفت الحرب أوزارها لم يستقر وضع العراق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وحين تنتهي ساعة الخلاص من الحرب تبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من التأزم الخارجي الذي ينذر بحروبٍ جديدةٍ أخرى أفقدت العراق مكانته في العالمين العربي والدولي، وصار الفرد العراقي غيرَ مُرحَّبٍ به.
4- مَشاهدٌ مِنْ تَمثُّلاتِ حَياةِ المدينةِ اليَوميَّةِ الاِجتماعيَّةِ:
في الفصل السادس الذي جاء تحت عنوان (سيِّد موسى)، والذي خصَّص فيه الكاتب تحسين علي كريدي الحديث عن سرديَّات شخصية سيَّد موسى الجنَّاز الذي كان ينقل الموتى على ظهر فرسه الخاص ليعتاش منه. وسيِّد موسى هو الجدُّ الرابع لبطل الرواية (حمزة محمَّد حمزة موسى) .
وسنقرأ في هذا الجزء السيري الجمعي مشاهد واقعية من تداعيات الحياة الاجتماعية في الريف العراقي والمدينة عن عبد الوهاب والد البطل حمزة وزوج والدته الثاني الذي تكفَّل برعايته وتربيته الخاصة بعد وفاة والده الأصل السيِّد محمَّد الموسوي. فضلاً عن شؤون الرعاية والتربية والاهتمام والدفء العائلي الذي كان يتلقاه من كنف خالته زوجة عبد الوهاب الثانية التي هي أخت أمه الموتفية؛ وعن خاله ستار الذي لم يبخل في تقديم الرعاية والعون له ليرسم له مستقبلا مرموقاً واعداً لأنَّ حمزة كان يتيم الأب والأمِّ ولا بُدَّ مِنْ حفّه بالرعاية والعناية به اجتماعيّاً ودينيَّاً وثقافيَّاً:
"مَضَى عَامٌ عَلَى وَفاةِ أبِي، وَكَانتْ وَطأةُ فِراقهِ شَديدةً عَلَيَّ؛إلَّا أنَّ خَالتِي عَملتْ المَستحيلَ وَمَدَّتنِي بِكُلِّ مَا تَملكُ مِنْ حَنانٍ وَرَعايةٍ لِتَعوضنِي خَسارتَهُ الفَادحَةَ، وِمِثلَهَا فَعلَ خَالِي؛ كَانتِ الغُرفةُ الَّتِي اِختصَهَا أبِي لَهُ وَجَعلهَا مَرسَمَاً، مَليئةً بِالألوانِ وَالأصباغِ بِأنواعِهَا، زَيتيةً وَمَائيَّةً وَأقلامَ تَلوينٍ وَأوراقَ الرَّسمِ وَلوحاتِ مَنجزةً وًأُخرى مَشاريعَ اِبتدأهَا وَلَمْ يَمهلْهُ المَوتُ لاِتمامِها؛ وَمِنْ بَينْ تِلكَ اللَّوحاتِ الَّتي رَسمَهَا لِأُمِّي، ؛ كُنتُ أهوَى الرَّسمَ الَّذِي غَرسَهُ أبِي فِيَّ". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 60) .
وأروع ما في واقعيات هذا الفصل الحياة العملية التداولية لسيِّد موسى الجنَّاز وقصة زواجه الطارئة من فتاةٍ ريفيةٍ كانت مخطوبةً لابن عمها أحبَّها السيِّد مصادفةُ، وعن طبيعة عمله في نقل الموتى لوادي السلام سيراً على حصانه، وما يمرُّ به من مدن وقرى وأرياف تعرفه وتُرحِّب به:
"كَانَ ذَلكَ الشَّابُ وَاسمُهُ مُوسى؛ يَفدُ إليهِم بَينَ حِينٍ وَآخرَ مِنْ مَنطقةِ عَلِي الغَربي، مُعتليَاً صَهوةَ حِصانِهِ الأدهَمَ، واضِعاً خَلفَهُ حُمولَةً غَريبةً؛ عَبارةٌ عًنْ حَصيرةٍ مَنسوجَةٍ من شَرائحِ القَصبِ تُسَمَّى (بَاريَةً)، تُوضعُ فِيها جُثَّةُ المُتوفِي وَتَطوَى عَليهَا، ثُمَّ تُحاكُ مِنَ الطَّرفينِ، وَيَتوَلَى سَيَّدُ مُوسَى نَقلَهَا -مُقابلَ أجرٍ- لِتُدفَنَ فِي مُقبرةِ وَادِي السَّلامِ فِي مَدينةِ النَّجفِ الأشرَفِ، وَهيَ الوَسيلةُ الوَحيدَةُ المُتاحةُ حِينذَاك، إذْ لمْ تَكُنِ السيَّاراتُ مَعروفةً وَلَا الطُّرقاتَ مُعبَدَةً؛ وكَانتْ لِرحلتِهِ الَّتي تَستغرقُ أُسبوعَاً كَاملاً، مَحطَّاتٌ ثَابتةٌ، فِي قُرَى عَلَى اِمتدادِ طَريقهِ، يُضَيِّفُهُ فِيهَا أهلُها، وَلَا سِيَّمَا شُيوخُ وزَعاماتٌ تلكَ القُرَى؛ إكرامَاً لِنسبِهِ وإجلالاً لِلمُوت". (مَا لا تَرويهُ المدينةُ، ص 63) .
وينقل لنا الكاتب صوراً ومشاهد دراميةً كثيرةً مُفرحةً ومؤلمةً عن رحلة السيَّد موسى الجنَّاز عند قيامه بعمله حينما يمضي راكباً على صهوة حصانة الأدهم بنقل جثامين المُوتى إلى مثواهم الأخير قرب ضريح الأمام علي بن أبي طالب ماراً بمحطِّاتٍ كثيرةٍ من القرى والأرياف إذ يتفاعل السرد مع وقائع قصة أوحكاية سيِّد موسى تفاعلاً جمعياً وإنسانياً مُذهلاً، إكراماً لمثل هذا المشهد:
"وَعِندَ مُرورهِ بِأحدِ البُيوتِ الَّتي مِنَ المُؤكَّدِ أنَّ فِيهَا الفَرسُ الَّتي تَمرُّ بِدورتِهَا النَّزويةِ؛ تَمَرَّدَ الحِصانُ عَليهِ، وَرفضَ مُواصلةَ السَّيرِ، وَأخذَ يَصهلُ؛ بَينَمَا السيِّد يُحاولُ السَّيطرةَ عَلَى حِصانِهِ؛ وَقَعتْ عَيناه عَلَى فَتاةٍ أطلَّتْ بِرأسِها، عِندَمَا سَمعَتْ الجَلبةَ فِي الخَارجِ، فَاضطربَ قَلبُهُ لِجمالِهَا، وَغَشِيَ قلبُهُ تَوتِّرٌ شَديدٌ، لِربَّما أقوَى مِنْ ذَلكَ الَّذي يَشعرُ بِهِ حِصانُهُ، وَرَغِبَ فِي مَعرفةِ مَنْ تَكونُ؛ فَاقتربَ مِنهَا وَسَألهَا: -فَرسكُم تَطلبُ فَحلَاً، أَليسَ كَذلكَ؟ - هُوَ كَذلِكَ سَيِّدنَا، ابنةُ مَنْ أنتِ؟ -أنَا زَهرةُ بِنتُ حُسينٍ سَيِّدنَا.-حُسَينُ أظنَنِي أعرفهُ. لَا بُدَّ وَأنَّك تَعرفُهُ...". (مَا لَا تَرويهُ المَدينةُ، ص 64، 65) .
ومن خلال هذه التَّمثُّلات الأخيرة لمشاهد قصَّة وحياة السيَّد موسى مع الآخرين نستشعر التماهي الجميل الذي صنعه الراوي العلم بين غريزة الواقعية التداولية الإنسانية العاطفية في الحبِّ الذي يَكنَّهُ للفتاة وبين غريزة الواقعة الحيوانية لحصانه الذي هو الآخر بحاجة لزواج جنسي يُغذِّي جسدَهُ ويكمل به رحلته الشاقة في الطريق إلى النجف الأشرف. والتي من خلال هذا الموقف الغرائزي استطاع سيِّد موسى أنْ يحبَّ تلك الفتاة الريفية زهرة التي هي جدَّة البطل حمزة الموسوي ويخطبها على الرغم من أنَّها كانت مخطوبةً لابن عمِّها وهناك معرضة بخصوص خطبتها؛ لكنَّ السيِّد موسى أصرَّ على أنْ تكون زوجة مُستقبلية له تُخلِّفُ أولاداً وبناتاً فكان من بين هؤلاء حفيده حمزة:
"بَعدَ سَاعةٍ كَانَ الشَّيخُ وَبَعضُ وُجهاءِ العَشيرةِ، عِندَ اِبنِ عَمِّهَا حُسينُ لِيخطبُوا زَهرةَ للسيِّد، وَعِندمَا فَاتحَهُ الشَّيخُ بِذلكَ، اِستغربَ وَالدُها طَلبَهُم؛ فَالكلُّ يَعرفِ أنَّ زَهرةَ سَتُزَفُّ لِشرهَانَ اِبنِ عَمِهَا بَعدَ شَهرٍ، وَلكنَّه خَمَّنَ أنَّ أبناءَ عُمومتهِ مُحرجونَ مِنَ السَّيِّدِ وَلَا يَسعهُم رَدَّ طَلبهِ، مِثلمَا هُوَ مُحرجٌ فِي هَذهِ اللَّحظةِ، فَليسَ مِنَ السَّهلِ رَفضُ طَلبِ سَيِّدٍ اِبنِ رَسولِ اللهِ؛ لِذَا آثرَ رَميَ المَوضوعِ فِي سَاحةِ اِبنِ أخيهِ، وَقَالَ:[..]إنَّ البنتَ مَخطوبةٌ لِابنِ عَمِّهَا وَسُتزفُ...". (مَا لا تَرويهُ المَدينةُ، ص 66، 67) .
وتنتهي قصة خطوبة السيِّد موسى بالزواج من زهرة جِدَّة بطل الرواية حمزة والتي إليها ينتمي نسبه الشريف الموسوي، ولتبدأ قصة أبيه السيَّد محمَّد موسى مرحلة جديدة من الحبِّ في سرديَّات الرحلة الواقعية التي قام بها أبوه مع أُمَّه في مدينة العمارة وفي حيّ منطقة السَّراي مثابة الرواية. ولنقرأ ما تقوله خالة حمزة الَّتي تروي له مفاجأة قصة زواج والده محمَّد من أُمّه التي ابنة عمِّه:
"سَيِّدُ مُحمَّدٌ كَانَ مُتزوِّجَاً مٍنْ وًالدتِكَ. -أُمِّي مُتزوجةٌ مِنْ اِبنِ عَمِّهَا قَبلَ وَالدي! - بَلْ إنَّ سَيِّد مُحمَّداً فِي حَقيقةِ الأمرَ، أبوكَ. بَقِيتُ فَاغرَاً فَاهِي كَالأبلهِ، وَأنَا أسمعُ تِلكَ المَعلومَةَ الصَّادمَةَ وَالمُربكةَ؛ عَبدُ الوَهابَ لَيسَ أبِي! لَا أستطيعُ تَصديقَ ذَلكَ؛ بِرغِم أنَّها كَشفتْ بَعضَ الأُمورِ المُريبَةِ الِّتي كُنتُ أشعرُ بِهَا؛ مِثلَ لامُبالاةِ وَالدِي عَبدِ الوَهابِ بِي، كَمَا يَنبغِي لأيِّ جَدينِ أنْ يَفعَلا، أو مُطالبتُهمَا بِي كَمَا فَعَلَا مَعَ أنومةَ؛ أو اسمِي الَّذي ظَننتُهُ كان مُركَّباً، إلَّا أنَّ أشياءَ كَثيرةً أُخرى مَا زَالتْ عَصيَةً عَلَى فِهمِي؛ تَابَعَتْ خَالتِي كَلامَهَا وَهيَ تَرَى حَيرَتِي...". (مَا لا تَرويه المدينةُ، ص 80) .
5- التَّمثُّلاتُ السَّرديَّةُ لِلعاداتِ وًالتَّقاليدِ وَالسُّننِ الواقعيَّةِ الصَّادمَةِ:
وفي هذا المحور السردي الاجتماعي الواقعي نخوض الحديث في العنوان التالي: (أُمِّي زهراء)، وهو الفصل الذي يستكشف جوانب سردية كثيرة من حياة الناس في المجتمع العراقي المُحافظ، وعلى وجه التحديد عندما يكون السرد الواقعي مُخصَّصاً عن سيرة زهراء والدة حمزة، وكيف تمكَّنت هذه الفتاة من الارتباط برجل من أهل السُّنة والجماعة من غير طائفتها الشيعيَّة المعروفة.
واستطاعت زهراء برابط حبَّها المتين أن تذيب جليد هذا العائق الاجتماعي المفتعل من خلال العَلاقة العاطفية التي ربطتها بزوجها المستقبلي المدعو عبد الوهاب النَّجدي الذي يعدُّ أباً ثانياً لحمزة المتوفي والده السيَّد محمَّد الموسوي، والذي ليس حمزة على علم بأنَّه والده الحقيقي، وأن عبد الوهاب هو زوج أُمّه وخالته ومربِّيه الثاني.
ولم يكتشف حمزة هذه الحقيقة المُغيَّبة عنه. تلك التي أخفتها عنه خالته التي هي زوجة عبد الوهاب الثانية، ولم تخبره بها إلَّا بعد وفاة عبد الوهاب التي مضى عليها سنوات عديدة وأصبح حمزة يتيماً من جهتي الأب والأمِّ ولم يرعاه إلَّا خاله ستَّار وخالته.ولنقرأ جانب واقعيَّاً من سردياَّت هذه القصة التداولية عن حكاية حمزة وإشكالية أسرته التي شكَّلت محوراً فكرياً وفنيَّاً في الرواية:
"فَسُنَنُ العَشيرةِ غَيرُ المَكتوبةِ تّنصُّ عَلَى أنَّ ابنةَ العَمِ لِابنِ العَمِ، وَالزواجُ مِنْ مَذهبٍ آخرَ أْو قَوميَّةٍ أُخرى خَطيئةٌ، أمَّا (العَلويَةُ) مِنَ نَسلِ رَسولِ اللهَ فَلَا يَتزوجُهَا غَيرُ (السيِّدِ)، وَكُلُ تِلكَ السُّننِ مُفصَّلَةٌ عَلَى مَقاسِ الإناثِ فَقَط؛ أمَّا السيِّدُ فَلَا يُعدُّ عَملُهُ فِعلاً مَعيبَاً عِندَمَا يَخرقُ تِلكَ القَوانينَ، بَلْ شَرفاً؛ وًعًلًى فٍتاةٍ عَلويةٍ مِثلَ زَهراءَ، أنْ تَذعنَ عِندَمَا يَعترضُ أبناءُ العُمومَةِ الَّذينَ أتُوا لِلعيشِ فِي المَدينةِ، جَالبينَ مَعهُم كُلَّ إرثِهِم القَبَلي.جَاءَ الرَّفضُ قَاطعاً، ليس من قبل أخِي ستَّار، بَلْ مِنْ طَرفِ مُحمَّدٍ ابن عمِّي اِسماعيلَ، الَّذي تَقدَّم وَطلبَهَا لِلزواجِ، عِندَمَا سَمِعَ الخَبَرَ". (مَا لا تَرويهُ المدينةُ، ص 85، 86) .
إنَّ هذا الرفض الذي جُوبهت به قصَّةُ زهراء في زواجها من رجل مختلف عن طائفتها يؤكِّد كلَّ التأكيد إنَّ إنسانيتنا في التعايش لا يمكن أن تقفز أو تسمو فوق القوانين والسُّنَنِ والعادات والتقاليد الاجتماعية المتداولة، وليس بوسعها أن تكسر قيمَ وجدار المألوف ببساطة دون معارضةٍ حقيقيةً، وخاصة أنَّ الأمر يتعلَّق بقضيةٍ إنسانيةٍ وعاطفةٍ بين رجلٍ وامرأةٍ، وقد تلقَى رَفضاً قاطعاً، لكن الظروف والإصرار على الأمر قد يحدث توافقاً مفاجئاً وقبولاً من قبل الآخرين المقرَّبينَ من أهل الشأن. وهذا ما نجده ماثلاً بعَلاقة ستَّار أخ زهراء بصديقه عبد الوهاب الذي يروم الزواج منها:
"كَانَ أخِي سَتَّارُ يَميلُ إلَى عَبدِ الوَهابِ الَّذِي تَربطهُ بِأُسرتِهِ عَلاقةٌ طَيِّبةٌ اِمتدادَاً أكثرَ مِنْ ثِلاثةِ عُقودٍ؛ لَكنَّهُ مِنْ نَاحيةٍ أُخرَى، لَا يَمكنهُ تَجاهِلَ عَاداتِ مُجتمعِنَا الغَارقِ فِي الهَيمنَةِ الذُّكوريَّةِ الِّتي لَا تَمنحَ البِنتَ دَاخلِ الأُسرةِ مَكانةً فِي التَّربيةِ الَّتي تَبدَأُ مِنَ الأبِّ ثُمَّ الأخَ الأكبرِ، وَانتهاءً بِأصغرِ الأولادِ سِنَّاً؛ اِعترضتْ زَهراءُ وَقَاومتْ بِضراوةِ نِمرَةٍ بَريَّةٍ يُرادُ تَرويضُها؛ فَالتَّخلِّي عَنْ حُبِّها لِعبدِ الوهابِ غَيرً وَاردٍ، لَأجلِ شَخصٍ لَا تُوجدُ فِيهِ خِصلةٌ وًاحدةٌ يَتفوَّقُ بِها عَلَى عَبدِ الوَهابِ، سِوَى رَابطةِ الدَّمِ، خَاضتْ صِراعَاً مًحمومًاً؛ وَتجرَّأتْ وَكاشفتهُم بِحبِّها لِعبدِ الوَهابِ، وَهوَ شَيءٌ غَيرُ مَعهودٍ وَيَنطوي عَلَى مُجازفةٍ كَبيرةٍ قَدْ تَتَسبَّبُ فِي هَلاكِهَا، وَمعَ اِزديادِ رِفضِهَا وَعنادِهَا، يَزدادُ عَنادُ اِبنُ عَمِّي وَيَتعاظمُ، وَأصبحَ الأمرُ مُوضوعَ تَحدٍّ وَكرامةٍ تُرَخَّصُ مِنْ أجلِهَا الدِّماءُ، وَفِي آخرَ الأمرَ عَثَروا عَلَى الثَّغرةِ الَّتي اِستطاعُوا فِيهَا كَسرَ إرادةِ زَهراءَ وَجعلِهَا تُذعِنَ لِهُم، هَدَّدوهَا بِقتلِ عَبدِ الوَهابِ، أوْ حتَّى أخِي سَتَّار إنْ لِمْ تُذْعِنْ". (ما لا ترويه المدينة، ص 86) .
وفي نهاية الأمر الجلل دخلت زهراء عشَّ الزوجية واقترنت بعبد الوهاب في بيت النَّجدي، وكان حمزة وقتذاك طفلا رضيعاً؛ الأمر الذي دفع الآخرين في الزقاق والمَحلَّة أن يطلقوا عليه لقب النَّجدي بينما هو أصلاً السيَّد حمزة الموسوي، لكنَّه عُرِفَ بحمزة النَّجدي ؛كونه تربَّى في بيتهم.
6- تَمثُّلاتُ الواقعِ المَدينَي التَّداوليَةُ الأُخرى:
لم تنتهِ سرديَّات الواقع التداولية لرواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) بهذا القَدرِ من التمثُّلات، بل توسَّعت وتشعبت آفاقها كثيراً من حيث العلاقات الاجتماعية والإنسانية والمهنيَّة التي خاض الكاتب الغوص في قاعها المديني السَّردي كثيراً، فضلاً عن سرد إلمامةٍ تصويرية عن وقع العلاقات الخارجية التي تربط أبناء الوطن الواحد بأهلهم وأقاربهم وذويهم، وهذا ما نجده ماثلاً بعلاقة شخصية عبد الوهاب النَّجدي بأخيه عبد الصمد الذي يسكن في بلده الكويت. والحديث هنا له صلات كثيرة بدخول الجيش العراقي للكويت في بداية التسعينيَّات واحتلالها وما خَلَّف الأمرُ المفاجئ من سياسات وأضرارٍ جسيمةٍ دوَّنتها كتب التاريخ ووثَّقتهاأحاديث وقصص وسير الأشخاص في كُلٍّ من العراق والكويت.
وتلي تلك الحوادث موضوعات سردية أُخرى عرضها سردها الرَّاوي في مدونته تتعلَّق بطريقة أذان الصلاة المتعارف عليها عند الشيعة والسُّنة في مناطق الجنوب العراقي. فضلاً عما ذكره من سرديات مُتوالية عن الشأن العسكري وكيفية خروج بعض الأشخاص غير المألوف عن أنظمة قواعده وأوامره وشرفه المهني وانتهاك حرمة تلك الضوابط التي مرَّ بها بطل الرواية عندما كان جندياً عسكرياً يؤدٍّي خِدمة العلم في معسكر للجيش العراقي قبل وبعد مرحلة تغيير الحكم العراقي والتحولات الجديدة. وينعطف التسريد للواقع بالحديث عن الاقتصاص العادل من الظلمة والفاسدين.
بعد ذلك تسير أحداث الرواية للحديث عن العالم الداخلي والخارجي لبطل الرواية حمزة؛ بسبب تورطه بقضية مقتل غجرية تابعة لأزلام نظام الحكم السابق، ومسألة هروبه في نهاية خدمته العسكرية لسوريا عن طريق شمال العراق كجزء من مخطط فوضى أدب الارتحال الجبري والتهجير القسري الذي مرَّ به العراقيون مع سلطة النظام الحاكم، ومن بينهم حمزة الشاب المسالم .
وتقف مسرودات وأحداث الرواية عند مدينة العُمارة، وعلى وجه التحديد خلال سنوات ظهور الاقتتال الطائفي على الهوية عام 2006م، وما تلاها من سنوات الإرهاب. المُهمُّ أنَّ أحداث الرواية الواقعية بدأت حكاياتها من بيت النَّجدي بمدينة العُمارة وانتهت خواتيمها الأخيرة ببيت النَّجدي نفسه الذي استقرَّ به بطل الرواية حمزة النَّجدي الموسوي؛ ليكون آخر معقل مكاني وزماني واقعي يحفظ له كيانه السومري العراقي الأصيل بعد تعرَّضه لظُلمٍ كبيرٍ من قبل ذويه ومحيطه الخاصّ.
وهنا لا بدَّ من الكشف عن الحقيقة التي تقول لا يمكن أن تُروى قصَّةُ مدينة بكاملها ما لم يروي شخوصها الحقيقيون وأبطالها الفاعلون عن آثار واقعها الحياتي المعيش الذي تجري عليه الأحداث كلَّ يوم. وقد آثر السيَّد مؤلِّف العمل أن يستعرض في خاتمة الرواية شريط أحداث خلود مدينته:
"رَحَلَ عَنِ المَدينةِ الكَثيرُ مِنْ قَاطنيهَا بِآجَالِهم المَحتومَةِ، وَارتَحَلَ آخرونَ إلَى أصقاعِ المَعمورةِ، ماَتتْ غَنيةُ، وَافترسَتْ إحدى الحُرُوبِ العَبثيةِ ابنَها حَميداً، وَلَمْ يتبقَ مِنَ الشُّهودِ مَنْ يَروي الحِكايةَ؛ بَيدَ أنَّها سَتبقَى مَغروسةً فِي ذَاكرتِي وَسَأورثُها فِيمَا بَعدَ، إلَى أولادِي وَأحفادِي، لِتُبَدِّدَ رَتابةَ اللَّياليِ وَسأمَها، وَلِرُبَّما فِي زَمنٍ مَا، مُوغلٍ مِنَ المُستقبلِ، سَيتكلَّمُ النَّاسُ عَنْ حِكايةِ الحُبِّ بَينَ عَبدِ الوَهابِ وَزَهراءَ، وَكَأُسطورةٍ خَالدِةٍ، تَمامَاً مِثلَ أُسطورة إنانَا وَدُمُوزي". (ما لا ترويه المدينة، ص 176).
أُسلوبيةُ الكَاتبِ التَّعبيريَةُ:
إنَّ أهمَّ ما يُميِّز أُسلوبية الكاتب والرِّوائي تحسين علي كريدي سبكَ لغته التعبيرية الشفيفة، واقتصاده اللُّغوي الفنِّي البَعيد عن لغة الحشو والإطناب والإسهاب، وميله السَّردي إلى التكثيف الموضوعي الذي يُناسب واقعة الحدث الموضوعيَّة التي يجمع فيها الكاتب بين فنيَّة الواقعي والمخيالي الأسطوري. على الرُّغم من أنَّها سرديَّات رواية آفاقها الفنيَّة والتعبيريَّة واسعة المدى كثيرة الرؤى؛ لكنَّه كان يختار من المفردات والعبارات والتراكيب السليمةَ المُهذَّبة والمُشذَّبة التي توائم تركيب الجملة السرديَّة المَكينةوالرَّصينة الباعثة على دقة التأليف والتوليف والتكثيف الدلالي.
لقد كانت تناصَّاته النصيَّة وانزياحاته التعبيريَّة في التوصيف واقتناص اللَّحظات السرديَّة الهاربة وتأثيث المشاهد اللَّاهبة عميقةً التَّسريد، وتشبيهاته سليمة دقيقةً التصويب، وكانت مجازاته اللُّغوية الأخرى شائقةً ماتعةً. وأنَّ استشهاداته الثقافية كانت دليلاً على موهبته الإبداعية وثقافته المعرفية.
وَيُعدُّ إقدامه وإحجامه الأُسلوبي الموضعي في توظيف الواقعيات التداوليَّة والسحريَّة الغرائبية والعجائبية المُدهشة جريئاً في كشف بنية الحدث السردي وتغليفه. بَيدَ أنه في كثير من رواياته ونتاجاته الفكرية يُسيطر عليه هاجس حبِّ النزعة السرديَّة التاريخيَّة المُوجزة أكثر من وقع النزعة الأدبية التي تمنحه خاصية التحليق البعيد في فضاءات عالم الميتا سرد الحداثوي وما بعد الحداثي:
"لَا ذَاكرةَ لِلمدينةِ لِترويَ حِكاياتِ الغَابرينَ، وَلَا طُرقاتِهِ تُفشِي سَيرَ مَنْ سَاروا عليهَا ذَاتَ حِينٍ، بِخطواتٍ تَائهةٍ وَوُجوهٍ هَائمةٍ يَفضحُهَا العِشقُ وَدَرفَاتُ الأبوابِ المُوَارَبَةِ، لَا تَفضحُ عَمَّنْ تَوارَى خَلفَها بِقلبٍ خَافقٍ؛ مُنتظرَاً مُرورَ الحَبيبِ؛ وَلَا السُّطوحُ تُفشِي هَمسَ العُشاقِ وَصَدَى القُبلَاتِ؛ المَدينةُ مَسرَحٌ كًبيرٌ، وَأبطالُ المَاضِي أُسدِلَ السِّتَارُ عَليهِم، وَتَنَحُوا لِيَتَبَوأَ لَاعبونَ جُدَدٌ؛ وَرَحَلُوا إلَى غَياهبِ النَّسيانِ وَخَبتْ ذِكراهُم مَعَ الأيامِ، إلَّا مِنْ حِكاياتٍ مَبتورةِ يَرويهَا لَنَا مَنْ سَبقنَا إلَى الدُّنيا، يِسردُوهَا مَعَ وَابلٍ مِنَ الوَجدِ وَالأسَى؛ لأنَّهم جُزءٌ مِنْ تِلكَ الحَكاياتِ المَخبُوءَةِ فِي دَهاليزِ الذَّاكرةِ الِّتي سَيَطالُها العَطبُ بَعدَ حِينٍ". (مَا لا ترويهُ المَدينةُ، ص 171) .
إنَّ ما لم تَقُلهُ المدينة الحجريَّة الجامدة عن نفسها الأمَّارة بالصمت الطويل في رواية (ما لا ترويهُ المدينةُ) قالته بِحُرِّيةٍ تامَّةٍ سرديَّاتُ الرائي تحسين علي كريدي بحكاياتها الفاعلية الواقعيَّة المُتحدِّثة، وتجلِّياتِ فنيَّة أُسلوبيتها اللَّغوية لتعبيريَّة الناطقة بأنساق ثقافة الخفاء والتجلَّي الشعبية، لتلك المدينة الخلفيَّة الإخباريَّة التي تعيش في ظلِّ المدينة الرسمَّية السياقيَّة العَجْمَاء التي تتصدَّر المشهد الشَّكلي للمظاهر والأعراض ولا تنطق بلغة الجواهر والأغراض الموصلة لشطآن الحقيقة وضفاف الواقع.
إنَّ استدعاء الشخصيَّات الفواعلية وبناء الأحداث الفعليَّة واستحضار الوحدات المكانية والزمانية والإمساك بتلابيب صراعها الحدثي، ووحدتها الموضوعيَّة والتَّمكن من حركة عُقدِ حِبكتها السرديَّة دليل واضح على تمكُّن الكاتب من التَّغلُّب على أدوات عناصر الرِّواية السرديَّة الأساسيَّة والثانويَّة.
وأظنَّ أنَّ مثل هذا الفعل الإبداعي الفنَّي والجمالي لا يمكن أنْ يحدث على أرض الواقع السردي إنتاجاً تخليقيَّاً مكيناً ما لم يكن فعلاً إجرائياً خلَّاقاً للوجود يبدأ من مركز الاشتغال البؤري للرواية وينتهي بهامش الإقفال الختامي لواقعة الحدث السرديَّة المُرتبطة جوهرياً بالوحدة العضوية للرواية. ولعلَّ هذه الخاصيَّة النقدية في المغايرة الإبداعية تمنح الروائيَّ كاتبَ العمل الأدبي ومنتجه أهميةً إضافيةً مائزةً في سجل سرديات المكتبة العربية الروائيَّة والقصصيَّة لِقُدرته في استنطاق المدينة.
***
د. جبَّار ماجد البهادليّ / ناقدٌ وكاتبٌ عراقيّ








