عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: خط الزمن.. الماضي الذي نتعلم منه

والحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نصنعه

يعد خط الزمن من المفاهيم التي تستوقف الإنسان عندما يتأمل حياته وما مر به من أحداث وتجارب وما ينتظره من أيام قادمة؛ فالإنسان لا يعيش لحظته الحاضرة منفصلًا عن ماضيه، ولا يستطيع أن ينظر إلى مستقبله دون أن يحمل معه شيئاً من تجاربه السابقة. ولذلك فإن علاقتنا بالماضي والحاضر والمستقبل تشكل معلماً مهماً من طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الحياة وتعاملنا مع ما نواجهه من أحداث ومواقف. وأشخاص فالإنسان قد يجعل من الزمن مصدراً للقوة إذا أحسن التعامل معه واستافد من جوانب مهمة في حياته المهنية والاجتماعية والشخصية، وقد يجعله مصدراً للألم والتعب والإرهاق إذا بقي أسيراً مكبلاً لما مضى أو مرعوباً وخائفاً مما سيأتي من القادم في المستقبل الذي ينتظره.

وقد تناول عدد من المتخصصين مفهوم خط الزمن في مؤلفات وتطبيقات مختلفة منهم الذي اكتشفه (تاد جيمس) وكتب فيه أيضاً (عبد الناصر الزهراني، ووايت وود سمول)، لما لهذا المفهوم من أهمية في فهم الطريقة التي يستحضر بها الإنسان ماضيه، ويعيش بها حاضره، ويتطلع بها إلى مستقبله. غير أن الأهم من فهم خط الزمن هو أن ندرك كيف يمكن أن نجعل علاقتنا بالزمن أكثر وعياً وتوازناً وحكمة؛ فنأخذ من الماضي خبرته ونتعلم ما نجحنا فيه ونتفادى ما أخطأنا فيه وفشلنا في تحقيقه لنأخذ العظات والدروس والعبر، ومن الحاضر فرصته لنعمل ونجتهد ونوظف قدراتنا وطاقاتنا بأفضل طريقة وصورة نستطع أن نستخرج ما نملكه ونوظفه في عملنا وحياتنا وظروف معيشتنا، ومن المستقبل رؤيته والحلم الذي نخطط له ونهدف الوصول إلى أهدافه، بدل أن يتحول الماضي إلى حزن وكآبة، والحاضر إلى عجز وضعف وهوان، والمستقبل إلى خوف ورعب وقلق دائم يسجننا في أوهامنا وهواجسنا التي نكبل طاقاتنا.

إن الماضي يمثل جزءاً أصيلاً من حياتنا؛ ففيه تجاربنا الأولى، ونجاحاتنا وإخفاقاتنا، وأفراحنا وأحزاننا، ومواقف القوة والضعف، والقرارات التي أصبنا فيها والقرارات التي أخطأنا ارتكبناها، وكل ما مررنا به من أحداث تركت أثراً في شخصياتنا وطريقة تفكيرنا ومشاعرنا. لكن الماضي لا ينبغي أن يكون مكاناً نقيم فيه، وإنما مدرسة نتعلم منها؛ لأن الإنسان الذي يعود إلى ماضيه بهدف التعلم يزداد خبرة ووعياً، أما الذي يعود إليه كل يوم ليعيد الحزن والندم والخذلان والإحباط، فإنه يسمح للماضي بأن يستنزف قواه وحاضره ويضعف قدرته على التقدم والاستمرارية.

ولذلك فإن الحكمة ليست في أن ننسى الماضي أو ننكر ما حدث فيه، وإنما في أن نأخذ منه الدرس ونترك الألم، وأن نستفيد من التجربة دون أن نبقى أسرى لها. فالفشل الذي مررنا به يمكن أن يتحول إلى خبرة، والخسارة يمكن أن تعلمنا كيف نحسن الاختيار، والخذلان يمكن أن يجعلنا أكثر وعياً بعلاقاتنا، والألم يمكن أن يمنحنا قدرة أكبر على فهم أنفسنا والآخرين وتجاوز محطات كانت تمثل ثقلاً وإخفاقاً لنا. وقد يمر الإنسان بتجربة يظن في لحظتها أنها نهاية الطريق، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت درساً غير طريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة.

ومن هنا يأتي التوجيه القرآني العظيم: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: 23)، فليس المقصود أن يفقد الإنسان مشاعره تجاه ما يحدث له، وإنما ألا يسمح لما مضى أن يسيطر على حاضره، وألا يجعل ما فقده سبباً دائماً للندم والحسرة والانكسار الدائم الذي يزلزل كيانه ويضعف قواه. فالأيام تمضي، والأحداث تتغير، والإنسان ينضج ويعي، وما كان بالأمس مصدراً للألم قد يصبح اليوم مصدراً للأمل والحكمة والفائدة المرجوة.

والمشكلة تبدأ عندما يتحول الماضي من مصدر للخبرة إلى مصدر دائم للإحباط واليأس والحزن، فيظل الإنسان يستعيد المواقف القديمة وكأنها تحدث أمامه من جديد، ويتذكر الكلمات التي آلمته، والفرص التي ضاعت منه، والأشخاص الذين خذلوه، والأوقات التي شعر فيها بالعجز أو الضعف، ثم يبني على تلك الذكريات حكماً قاسياً على حاضره ومستقبله. وهنا يصبح الماضي عبئاً نفسياً ثقيلاً، بدل أن يكون تجربة نتعلم منها ونستخلص منها ما فشلنا به ونحوله لنجاحات تترى وتتوالى علينا.

أما الحاضر فهو المساحة الحقيقية التي يستطيع الإنسان أن يتحرك فيها ويصنع شيئاً مميزاً ومختلفاً؛ فهو اللحظة التي نملك فيها القدرة على التفكير والاختيار والعمل والتغيير. ولذلك فإن خسارة الحاضر بسبب الانشغال المفرط بالماضي أو الخوف المستمر من المستقبل، تعني أن الإنسان يفقد المساحة الوحيدة التي يستطيع فيها أن يفعل شيئاً ويحدث شرخاً في ما أستطاع الوصول إليه حتى يتمكن منه ويحققه.

وقد يعيش الإنسان بين ماض يرهقه ويحزنه ومستقبل يخيفه ويرعبه، فلا يجد في حاضره إلا الملل وقلة الحيلة؛ لأنه لا يستطيع أن يغير ما مضى، ولا يعرف كيف يستعد لما سيأتي من القادم من اليام حوله، فيظل واقفاً ومتجمداً في مكانه، يراقب حياته وهي تمضي دون أن يشارك في صناعتها. وتغييرها. وهنا تأتي أهمية أن يدرك الإنسان أن التغيير لا يبدأ غداً، وإنما يبدأ من هذه اللحظة، وأن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه على نفسه ليس فقط: ماذا حدث لي؟ ولا: ماذا سيحدث لي؟ وإنما: ماذا أستطيع أن أفعل الآن وأقوم بتغييره نحو الأفضل والأحسن؟

ومن هنا تظهر قيمة الرفض وعدم التسليم. فالإنسان الذي يريد أن يصنع تغييراً في حياته يحتاج إلى أن يرفض الاستسلام للظروف، لا أن ينكرها، وأن يرفض أن يجعل الفشل نهاية الطريق، وأن يرفض أن يجعل الألم هوية، وأن يرفض أن يصدق أن ما حدث في الماضي يجب أن يتكرر في المستقبل.

فالرفض الإيجابي لا يعني إنكار الواقع، وإنما يعني أن أقول: نعم، هناك صعوبة، ولكنني سأبحث عن الحل؛ نعم، حدث فشل، ولكنني سأتعلم منه؛ نعم، تعرضت للخذلان، ولكنني لن أسمح له بأن يدمر ثقتي بنفسي والحياة من حولي؛ نعم، تأخرت في بعض الأمور، ولكن ما زالت أمامي فرصة لأبدأ من جديد وأستعيد قوتي وقدراتي للعمل.

وهذا المعنى يلتقي بوضوح مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير لا يبدأ دائماً من تغير الظروف، وإنما قد يبدأ من تغير الإنسان نفسه؛ من طريقة تفكيره، وتعديل مشاعره التي تدعمه وتدفعه للإعمال الصالحة والسليمة ويتخذ قرارات ملائمة، ومن نظرته إلى ما يواجهه، ومن استعداده للتحرك بدل الانتظار والتحسر على ما فات.

غير أن الرفض وعدم التسليم وحدهما لا يكفيان، فالرغبة في التغيير تحتاج إلى أخذ بالأسباب؛ لأن الأمنيات مهما كانت جميلة لا تصنع حاضراً إيجابياً ولا مستقبلًا مشرقاً ما لم تتحول إلى عمل، والأهداف لا تتحقق بمجرد التفكير فيها، وإنما تحتاج إلى تخطيط وتعلم ومثابرة واستمرار. فالإنسان الذي يريد أن ينجح في عمله عليه أن يطور نفسه، والذي يريد أن يحقق هدفاً عليه أن يحدد خطواته، والذي يريد أن يغير واقعه عليه أن يبدأ بما يستطيع فعله.

وهنا يأتي الحديث النبوي العظيم الذي يمكن أن يكون قاعدة لهذا المعنى كله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز” رواه مسلم”. فالمؤمن لا يقف عند حدود التمني، ولا يستسلم للعجز، وإنما يبحث عما ينفعه، ويأخذ بالأسباب، ويستعين بالله.

وهكذا يصبح الأخذ بالأسباب هو الجسر الذي يصل بين الرغبة والنتيجة، وبين الحلم والإنجاز. وقد لا يملك الإنسان القدرة على التحكم في جميع الظروف المحيطة به، لكنه يستطيع أن يحدد إلى حد كبير كيف يستجيب لها، وما الذي يتعلمه منها، وما الخطوة التي يمكن أن يقوم بها في ظلها.

أما المستقبل فهو المساحة التي لم نعشها بعد، ولهذا فإنه قد يصبح في أذهان بعض الناس مصدراً للخوف والقلق والحزن والفزع. يبدأ الإنسان في معاناة أحداث لم تقع بعد، ويتخيل أسوأ الاحتمالات، ويضخم التحديات والصعوبات بشكل أكبر مما هي عليه واقعاً وحقيقة ويستهلك طاقته في سؤال: ماذا سيحدث؟ وماذا لو فشلت؟ وماذا لو تغيرت الظروف؟ وماذا لو لم أستطع أن أفعل كذا وكذا؟ وبذلك يعيش المستقبل قبل أن يأتي ويهول الأحداث قبل أن تكون واقعاً معاشاً، ويخسر حاضره بسبب خوفه وجزعه من غده.

وهنا نستحضر قول الله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30). وتأمل هذا التعبير العظيم: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾؛ فالخوف يرتبط غالباً بما هو آت وما لم يحدث بعد، بينما الحزن يرتبط بما مضى وفات ومات. وكأن الإنسان بين زمنين قد يستهلكان طاقته: ماض يحزنه ومستقبل يخيفه، بينما الحاضر هو المساحة التي يستطيع فيها أن يعمل ويغير ويصنع المجد والأثر.

ومن هنا يمكن أنا القول: الحزن على الماضي لا يعيد ماضيه، بل يخسر نفسه هماً غماً، والخوف من المستقبل لا يصنع له حلماً ولا رؤية تسره وتسعد كيانه، أما الحاضر فهو المساحة التي تستطيع أن تفعل فيها شيئاً إيجابياً يصحح مسار الماضي ويحسن من صورة المستقبل التليد.

وهذا لا يعني أن الإنسان لا يحزن ولا يخاف؛ فالحزن والخوف مشاعر إنسانية طبيعية يتعرض لها كل إنسان مهما علت رتبه أو قلت مناصبه، وإنما المقصود ألا يتحولا إلى حالة من الضعف والهوان تستولي على الإنسان وتمنعه من الحياة والعمل وتحرمه من النجاح والتوفيق. فالإنسان الواعي لا ينكر حزنه، ولكنه لا يسكن فيه، ولا يديم يأسه حتى لا يسجنه ويكبله ولا ينكر خوفه، ولكنه لا يسمح له بأن يقوده. إلى الهلع والجزع. بل يتعامل مع الماضي بالتعلم وأستخلاص ما بقي من الدروس التي تقوي عزيمته وتصحح مساره، ومع المستقبل بالاستعداد والتهيء، ومع الحاضر بالفعل والعلم الدؤوب والمتواصل.

ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث نفسه: «وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل » رواه مسلم. فهذه التربية النبوية تمنع الإنسان من الغرق في «لو» التي تعيد الماضي بصورة مؤلمة، وتدفعه إلى قبول ما وقع، والتعلم منه، ثم مواصلة الطريق غير آبه بما حصل له.

أما المستقبل فلا ينبغي أن يكون مساحة للفزع والخور، وإنما مساحة للاستعداد وتقوية النفس لمواجهة الحياة بكا صنوفها بقوة وبأس؛ فالإنسان لا يستطيع أن يعرف كل ما سيحدث غداً، لكنه يستطيع أن يطور نفسه اليوم، ويستعد للفرص والتحديات، ويضع أهدافه، ويخطط لخطواته، ويأخذ بالأسباب التي تساعده على الوصول إلى ما يريد.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذا المعنى بوضوح حين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18). فالمستقبل هنا ليس مصدراً للهلع، وإنما دعوة إلى النظر والاستعداد والعمل: ماذا قدمت لغد؟ ماذا أعددت؟ ماذا تعلمت؟ ماذا أصلحت؟ وما الأثر الذي أريد أن أتركه؟

ومن هنا يمكن أن نفهم ذلك القول الذي يختصر كثيراً من معاني خط الزمن: إذا امتلكنا الرفض وعدم التسليم والأخذ بالأسباب، فلن يكون الماضي مجرد حزن واكتئاب وإحباط ويأس، ولن يكون الحاضر مللاً وقلة حيلة، ولن يكون المستقبل خوفاً وقلقاً وحزناً وفزعاً؛ بل يمكن أن يتحول الماضي إلى خبرة، والحاضر إلى فرصة، والمستقبل إلى رؤية وأمل.

وهذه الرؤية تجعل الإنسان أكثر قدرة على إعادة ترتيب علاقته بالزمن؛ فبدل أن ينظر إلى الماضي باعتباره سلسلة من الخسارات والفشل، يبدأ في البحث عن الدروس التي تركتها تلك التجارب، وبدل أن ينظر إلى الحاضر باعتباره واقعاً مفروضاً لا يستطيع تغييره، يبدأ في اكتشاف المساحات التي يستطيع أن يتحرك فيها، وبدل أن ينظر إلى المستقبل باعتباره مجهولاً مخيفاً، يبدأ في التعامل معه باعتباره مساحة تحتاج إلى رؤية واستعداد وعمل.

إن الإنسان لا يستطيع أن يعود إلى الأمس ليغير ما حدث، لكنه يستطيع أن يغير طريقة تعامله مع ما حدث، ولا يستطيع أن يعيش الغد اليوم، لكنه يستطيع أن يستعد له، أما اليوم فهو المساحة التي بين يديه. ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يأخذ من الماضي حكمته لا أحزانه، ومن الحاضر فرصته لا عجزه، ومن المستقبل رؤيته لا مخاوفه.

وكم من تجربة مؤلمة تحولت مع مرور الوقت إلى درس ثمين، وكم من فشل كان بداية لنجاح جديد، وكم من شخص ظن أن الطريق انتهى به ثم اكتشف أن ما ظنه نهاية لم يكن إلا بداية لطريق آخر أكثر وعياً ونضجاً وقد قال تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5–6)، لتبقى في قلب الإنسان مساحة للأمل حتى في أشد لحظات العسر والشدة.

إن خط الزمن في حياتنا ليس مجرد انتقال من أمس إلى اليوم ومن اليوم إلى الغد، وإنما هو رحلة وعي نتعلم فيها كيف نقرأ ما مضى ونعتبره قاموس ودليل ومرشد لنا، وكيف نعيش ما هو حاضر ونستمتع بالرحلة بعد أن ننهمك في الوصول، وكيف نستعد لما هو قادم. والماضي مهما كان مؤلماً وقاسياً لا ينبغي أن يكون سجناً ومحبساً لنا، والحاضر مهما كان صعباً لا ينبغي أن يكون مساحة للاستسلام والتثبيط، والمستقبل مهما كان غامضاَ ومظلماً لا ينبغي أن يكون سبباً للفزع والسوادوية.

لقد مضى ما مضى، ولا نستطيع تغييره، لكننا نستطيع أن نتعلم منه ويكون بوصلة لنا. وهذا يومنا، ونستطيع أن نستثمره. وهذا مستقبلنا، ونستطيع أن نستعد له. وبين الماضي والمستقبل تقف لحظة الحاضر، وهي اللحظة التي نملك فيها القدرة على القرار والعمل.

ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن نقوله لأنفسنا ونحن ننظر إلى خط الزمن هو: لقد مضى ما مضى، وسأتعلم منه بدل أن أبقى أسيراً له، وهذا يومي وسأستثمره بدل أن أهدره، وهذا مستقبلي وسأستعد له بدل أن أخاف منه.

فالماضي ليس نهاية قصتنا، والحاضر ليس عجزنا، والمستقبل ليس خوفنا، وإنما الماضي خبرتنا، والحاضر مسؤوليتنا، والمستقبل رؤيتنا.

وقد لا نستطيع أن نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نتعامل معه، وقد لا نستطيع أن نغير اتجاه الرياح، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوجه شراعنا، وقد لا نستطيع أن نعود إلى الوراء، لكننا نستطيع أن نقرر من هذه اللحظة إلى أين نريد أن نمضي.

وعندما نرفض الاستسلام، ونأخذ بالأسباب، ونعيش الحاضر بوعي، وننظر إلى المستقبل برؤية وأمل، ونستعين بالله، يصبح الزمن الذي كان يمكن أن يكون مصدراً للحزن والقلق مجالاً للتعلم والنمو والإنجاز.

فلا تجعل الماضي يسكنك في الحزن، ولا تجعل المستقبل يسكنك في الخوف؛ خذ من الماضي درسه، ومن الحاضر فرصته، ومن المستقبل أمله. فما مضى لا يعود، وما سيأتي لم يأتِ، أما هذه اللحظة فهي حياتك التي بين يديك.

الماضي للتعلم، والحاضر للعمل، والمستقبل للاستعداد؛ فلا تحزن على ما مضى، ولا تخف مما لم يأتِ، وعش يومك مستعيناً بالله، آخذاً بالأسباب، مؤمناً بأن مع العسر يسراً.

***

د. أكرم عثمان

27-9-2026

في المثقف اليوم