عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

غالب المسعودي: يُوتُوبْيَا القَرَاصِنَةِ وَسَرَابُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي العَالَمِ الثَّالِثِ

تَفْكِيكُ النُّظُمِ البَدِيلَةِ ومَتَاهَاتِ التَّبَعِيَّةِ

بين عقلانية المنفعة والنزوع الطوباوي الجذري: تتطلب دراسة البنية التنظيمية والاجتماعية لقراصنة الكاريبي خلال عصرهم الذهبي الممتد من خمسينيات القرن السابع عشر إلى ثلاثينيات القرن الثامن عشر تفكيك نظم التحكم البديلة التي نشأت على متن سفنهم كاستجابة جذرية وانقلابية للاستبداد الإمبراطوري. لقد عاش البحارة في البحرية الملكية والأسطول التجاري تحت وطأة نظم انضباطية وحشية، اتسمت بالتعسف، وسوء التغذية، والأجور الزهيدة، وهو ما جعل التحول إلى القرصنة خياراً واعياً لاسترداد الذات والتحرر من آلة الرأسمالية الإمبراطورية الناشئة. وفي هذا الفضاء اللادولتي، طوّر القراصنة نظام إدارة يتجاوز بكثير الممارسات السياسية السائدة في مجتمعات القرن السابع عشر الاستبدادية.

تأسست هذه الإدارة البديلة على ما يُعرف بـ "مواثيق القراصنة" أو أوراق الاتفاق، والتي مثلت أولى الدساتير المكتوبة القائمة على الإجماع والتعاقد الحر. وتنص المادة الأولى في العديد من هذه المواثيق على أن "لكل رجل صوت في الشؤون الآنية والمصيرية"، مما رسخ ديمقراطية تمثيلية ومباشرة مبكرة. وبموجب هذا النظام الدستوري، كان طاقم السفينة ينتخب القبطان انتخاباً شُورياً ديمقراطياً ويحتفظ بحق عزله واستبداله في حال إساءة استخدام السلطة أو إظهار ضعف في التقدير. ولم تكن سلطة القبطان مطلقة إلا في أوقات الطوارئ والاشتباك الحربي والمطاردة، بينما ظلت شؤون الإبحار وتحديد الوجهات وتوزيع الغنائم خاضعة لقرار "مجلس القراصنة" المشترك الذي يضم كامل أفراد الطاقم بالتساوي.

ولموازنة سلطة القبطان، استحدث القراصنة منصب "الربعان" المنتخب ديمقراطياً، والذي كان بمثابة رئيس وزراء وجهاز تدقيق قضائي وتنفيذي مستقل. وتولى الربعان مراقبة سلوك القبطان لمنعه من التعدي على الطاقم، وأشرف على تقسيم الغنائم، وعمل كحَكَم في النزاعات الداخلية. علاوة على ذلك، تضمنت المواثيق نظاماً جذرياً للتكافل الاجتماعي والتعويض عن الإصابات؛ حيث حددت قيمة مالية دقيقة لكل إعاقة جسدية تُدفع من الصندوق المشترك للغنائم، فكان فقدان الذراع اليمنى يعادل ستمائة قطعة من فئة الثمانية بينما يعادل فقدان الذراع اليسرى خمسمائة قطعة، وفقدان العين أو الساق يعوض مالياً بالمثل. وتوزعت الثروة المنهوبة بعدالة غير مسبوقة؛ إذ كان القبطان والربعان يتقاضيان حصتين فقط من الغنائم، في حين ينال صغار الضباط حصة وربعاً إلى حصة ونصف، ويحصل البحار العادي على حصة كاملة، وهي فوارق ضئيلة للغاية مقارنة بهياكل الأجور الرأسمالية الفاحشة المعاصرة لهم.

ينقسم التحليل المعاصر لهذه الظاهرة التاريخية إلى مدرستين فكريتين؛ الأولى يمثلها الاقتصادي بيتر ليسون في أطروحته "الخطاف الخفي" حيث يطبق نظرية الاختيار النفعي العقلاني لتفسير سلوك القراصنة. يرى ليسون أن ديمقراطية القراصنة ودساتيرهم لم تكن نابعة من أفكار تنويرية أو رغبة أخلاقية في العدالة، بل كانت نتاجاً لحسابات نفعية صارمة تهدف إلى منع الاقتتال الداخلي، وتقليل كلفة النزاعات، وتعظيم كفاءة النشاط الجنائي المشترك. وبحسب ليسون، فإن التسامح العرقي الذي أظهرته بعض السفن عبر دمج العبيد السود الفارين كأعضاء أحرار وحمايتهم من الاسترقاق لم يكن تعبيراً عن إنسانية تقدمية، بل لأن كلفة ممارسة التمييز العنصري كانت باهظة وتعيق التعاون الحيوي في المعارك المشتركة.

في المقابل، يقدم المؤرخ الاشتراكي ماركوس ريديكر قراءة مغايرة تماماً تركز على الصراع الطبقي والتمرد الاجتماعي. يرى ريديكر أن مجتمعات القراصنة كانت بمثابة حركة عمالية جذرية ألغت علاقة الأجر التي تمثل العمود الفقري للتراكم الرأسمالي، وحولت السفينة إلى ملكية مشتركة تدار ديمقراطياً خارج نطاق تحكم الدولة والطبقة الحاكمة. فالقراصنة لم يكونوا مجرد لصوص عقلانيين، بل متمردين اجتماعيين واجهوا بعنف وجسارة نظم العمل الجائرة، مما جعلهم أبطالاً شعبيين للطبقات الفقيرة والمستغَلة في تلك الحقبة.

 فرضية الأثر الديمقراطي الأمريكي وتأثير قراصنة الكاريبي

تطرح الأبحاث الأكاديمية المقارنة فرضية تلازمية وتاريخية تربط بين آليات الإدارة الذاتية للقراصنة والتشكل اللاحق للنظام الديمقراطي الأمريكي. وتفترض هذه الدراسات، ومن أبرزها أطروحة جيسون أكوستا من جامعة فلوريدا، أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ربما استلهموا بعض ملامح الفصل بين السلطات والتوازنات الدستورية من مواثيق القراصنة التي حظيت بتغطية إعلامية وعلنية واسعة في أوائل القرن الثامن عشر. وتكشف مقارنة بنود ميثاق القراصنة بالدستور الأمريكي عن تشابهات وظيفية دقيقة؛ حيث يمثل انتخاب القبطان أصل النموذج الرئاسي الانتخابي، ويعادل مجلس القراصنة المشترك سلطة الممثلين التشريعية، في حين يعمل الربعان بمرجعية تشبه سلطة القضاء المستقل والضوابط الدستورية لكبح جماح السلطة التنفيذية.

يشير بيتر ليسون إلى أن الآباء المؤسسين، وفي مقدمتهم جيمس ماديسون وتوماس جيفرسون، كانوا قراءً نهمين للمؤلفات القانونية والتاريخية الرائجة في عصرهم، ولا يُستبعد اطلاعهم على نظم إدارة القراصنة المفصلة في كتاب "التاريخ العام للقراصنة" المنشور عام 1724، وهو ما يفسر التماثل المذهل في تطبيق مبادئ الفصل اللامركزي بين السلطات الوارد في الأوراق الاتحادية التأسيسية.

بالإضافة إلى الأثر الدستوري، كان للقراصنة دور مادي وتاريخي حاسم في تمكين المستعمرات الأمريكية الفتية من البقاء والازدهار الاقتصادي في مواجهة الاحتكار التجاري للتاج البريطاني. ففي ظل غياب الدعم والتمويل الكافي من لندن، قام القراصنة بضخ كميات ضخمة من العملات النقدية والبضائع الثمينة المنهوبة مباشرة في أسواق الموانئ الاستعمارية مثل تشارلستون في كارولاينا الجنوبية وبورت رويال في جامايكا، مما ولد طفرة تجارية أنقذت هذه المستوطنات من الانهيار والفقر المدقع.

علاوة على ذلك، يوضح المؤرخ دوغلاس برغس في كتابه "سياسات القرصنة" أن التواطؤ العضوي والمالي لحكام المستعمرات الأمريكية مع القراصنة وحمايتهم من الملاحقة تسبب في نشوء نظام قانوني وقضائي محلي منفصل ومستقل عن إملاءات المحكمة الإمبريالية البريطانية. هذا النزاع القضائي المستمر حول تعريف وتجريم القرصنة مثّل أولى بذور الاستقلال التشريعي والقانوني والسياسي للمستعمرات الأمريكية، ومهد الطريق لتمرد الثوار اللاحق ضد التاج البريطاني.

 تفكيك هيكلي للدولة في العالم الثالث

تتكشف عدم قابلية نموذج القراصنة، أو الديمقراطيات الليبرالية الغربية المسترشدة بإرثها التاريخي، للتطبيق في دول العالم الثالث عند إخضاع الدولة في مرحلة ما بعد الجلاء الاستعماري للتحليل التكويني والسياسي. إن الدولة في الجنوب العالمي ليست نتاجاً لتطور تاريخي واقتصادي واجتماعي داخلي متناغم، بل هي كيان هجين تمت صناعة حدوده وهياكله قسرياً من قبل القوى الإمبريالية الكبرى أثناء انسحابها العسكري. وقد تعمد المستعمر رسم هذه الحدود الإدارية والسياسية دون أي اعتبار للتركيبة العرقية، والثقافية، واللغوية للمجتمعات المحلية، مما أوجد دولاً تفتقر إلى الحد الأدنى من الاندماج الوطني والانسجام الاجتماعي. ويؤدي هذا التشوه التأسيسي إلى إبقاء الدولة في حالة صراع داخلي دائم، وحروب أهلية، ونزعات انفصالية تستنزف طاقتها ومواردها وتحول دون تشكل فضاء سياسي موحد.

علاوة على ذلك، يواجه بناء الديمقراطية الاجتماعية في العالم الثالث عقبة التبعية الاقتصادية والمالية العميقة لمركز النظام الرأسمالي العالمي. فخلافاً للدول الصناعية المتقدمة، تعاني الدولة في مرحلة ما بعد الاستعمار من ضعف هيكلي في سيادتها الخارجية واستقلالها السياسي الفعلي؛ إذ تظل مقيدة بشروط الديون الخارجية والمساعدات المشروطة التي تقدمها مؤسسات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والشركات عابرة القارات. ويجبر هذا الوضع الدولة على اتخاذ سياسات اقتصادية تقشفية تلغي الدعم وتصادر المرافق العامة عبر الخصخصة، مما يدمر أسس العقد الاجتماعي والعدالة التوزيعية اللازمة لبناء ديمقراطية اجتماعية مستقرة.

يتضح بالتالي أن محاولة تطبيق "نموذج القراصنة" كآلية ديمقراطية بديلة في العالم الثالث تنطوي على مغالطة فلسفية وفئوية فادحة؛ فحركية القراصنة أدارت ونظّمت مجتمعاً استهلاكياً طفيلياً مغلقاً لا يرتكز على دورة إنتاجية ذاتية، بل على الاستيلاء القسري على ثروات تم إنتاجها مسبقاً في دورة رأس المال الإمبراطوري وإعادة توزيعها داخلياً. بينما تتطلب الديمقراطية الاجتماعية في دول الجنوب بناء قوى إنتاج محلية، وحماية الموارد الطبيعية والسيادة الوطنية، وتحقيق الاندماج الاجتماعي المتوازن وتجاوز الانقسامات العرقية التي خلقها الاستعمار، وهي تحديات هيكلية تتجاوز جوهرياً قدرات ومحددات نظم القراصنة العابرة والمؤقتة بطبيعتها.

 استنتاج نقدي فلسفي

إن التبجح بقدرة نموذج "قراصنة الكاريبي" أو البنى الديمقراطية المشتقة منه على صياغة خلاص لدول الجنوب هو سقوط في فخ "التبعية المعرفية المستترة". يجب إيقاف هذا التدليس الفكري فوراً؛ فنظام القراصنة لم يكن حركة تحررية لبناء المجتمعات، بل كان مجرد ذراع طفيلية تتغذى على دماء الدورة الرأسمالية الإمبراطورية نفسها، ويعجز بنيوياً عن التحول إلى كيان تنموي يواجه تمزقات العالم الثالث الموروثة عن جائحة الاستعمار. إن استدعاء هذه النماذج ليس قراءة تقدمية، بل هو إعادة إنتاج للمنطق الاستعلائي الغربي الذي يفترض أن الحلول يجب أن تأتي دوماً من التاريخ الأبيض...!، حتى لو كان تاريخ قطاع طرق وبحارة مخمورين.

 وفي ذات السياق، فإن الأطروحات الهزيلة التي تروج لـ "الفرض الديمقراطي الخارجي" ليست إلا فخاخاً لاستلاب السيادة. إن توهيم شعوب الجنوب بالتحرر من خلال فضاءات افتراضية ممسوخة تديرها خوارزميات صهيونية وغربية في حواضن التكنولوجيا الكبرى، هو استعمار عقلي يستبدل سوط الجلاد القديم بتبعية استخراجية وتكنولوجية حديثة. إن انبعاث الجنوب العالمي وتأسيس ديمقراطيات اجتماعية حقيقية لن يتحقق بالوقوف على أعتاب الوهم الغربي أو باستهلاك رموز واهية، بل يفرض مواجهة معرفية واقتصادية شاملة؛ مواجهة تقطع دابر التبعية، وتسترد الفضاء العام المادي، وتنتزع سيادة تكنولوجية واقتصادية تنبثق عنوة من صلب مجتمعات الجنوب وتضامنها الراديكالي الصلب ضد المركزية الغربية وأدواتها.

***

غالب المسعودي