ثمة دوافع ومتطلبات عديدة، ساهمت في بلورة الحاجة إلى مفاهيم وقيم وثقافات، تساهم في زيادة وتيرة التفاهم بين الأمم والشعوب، وتؤسس لعلاقة سلمية وبعيدة عن خيارات القطيعة والصدام والحروب المفتوحة. فكلما توسعت المسافة بين الشعوب والأمم، ازدادت الحاجة إلى أطر ومبادرات تحول دون أن تتحول هذه المسافة إلى سبب إلى الصراع والصدام.. ولهذا نجد أنه على مستوى التجارب الإنسانية أنه من رحم التعصب الديني والقومي والعرقي تبلورت أفكار التسامح والتعايش، ومن تداعيات الحروب وأهوالها الكبرى نضجت مفاهيم المحبة والحوار وقبول الآخر كجزء لا يتجزأ من الذات والوجود.
ولكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسانية اليوم هو: كيف نجعل من هذه المفاهيم والقيم التي تجسر العلاقة بين الأمم والشعوب، وتضبط حالات التنوع والاختلاف قيما حاكمة وسائدة ليس على مستوى النخب والأطر الضيقة، وإنما تشكل تيارا مجتمعيا قويا، تتجاوز من خلاله كل محاولات التزييف والحصار. ويبدو من نظام العلاقات الدولية السائدة، والجهود العالمية المبذولة لعلاج الكثير من المشكلات العالقة والمزمنة في الإطار الإنساني، أن العالم اليوم لا يتعاطى مع هذه المفاهيم على أسس سليمة، لذلك تبرز حالة الكيل بمكيالين والازدواجية في المعايير وحالات التعامل. من هنا فإننا لا نبالغ حين القول: أنه في الكثير من الحالات يتم التعامل مع هذه المفاهيم على المستوى الدولي وفق أنظمة الاستهلاك التي تتجه إلى توظيفها من أجل مصالح وأهداف خاصة ومحددة..
إن هذه القيم والمفاهيم الإنسانية والأخلاقية، هي من المساحات الهامة المشتركة بين الإنسانية بل هي من صلب الاجتماع الإنساني.. بمعنى أن غياب هذه المفاهيم والقيم على مستوى الواقع، يحول الوجود البشري إلى غابة مليئة بالوحوش والتجاوزات بكل صورها وأشكالها..
ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: أن الكثير من المشاكل والأزمات التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية سواء على صعيدها الداخلي أو على صعيد علاقاتها مع المجتمعات الأخرى، هي من جراء غياب العدالة وأنظمتها ومتطلباتها في نظام العلاقة على المستويين الداخلي والخارجي. والفصام النكد بين النظر والعمل، بين القول والفعل فاقم من هذه الأزمات والمشكلات. فلا أحد على المستوى النظري والتجريدي يكره العدل أو يتخذ من لوازمه موقفا سلبيا، ولكن على المستوى الواقعي والفعلي تمارس كل الأعمال والممارسات المناقضة لهذه القيمة. وبفعل هذا الفِصام والازدواجية لم نتمكن كشعوب عربية وإسلامية من الانعتاق من أسر التخلف والانحطاط، ولم نتمكن من تجاوز المحن الكبرى التي تواجهنا.
وذلك لأن التقدم والقدرة على تجاوز المحن، بحاجة إلى طاقة تدمج بين النظر والعمل وتجعل الإيمان معطى عمليا، مفعما بالحيوية والفعالية.. وعلى هذا فإن المجتمع بكل شرائحه وفئاته، يتحمل مسؤولية كبرى تجاه توطيد حقائق التسامح في المحيط الاجتماعي. وذلك لأن سيادة القيم المناقضة للتسامح، تهدد استقرار المجتمع ووحدته وكل مكاسبه التاريخية والراهنة.. لذلك فإن توطيد حقائق التسامح في المحيط الاجتماعي، هو في حقيقته دفاع عن راهن المجتمع ومستقبله. من هنا فإن هذه المسؤولية، مسؤولية عامة وتستوعب جميع الشرائح والفئات. حيث تسعى كل شريحة من موقعها وعلاقاتها أن تجذر مستوى التفاهم والتعارف بين ابناء المجتمع الواحد، وتؤسس لحقائق التسامح كوسيلة مجتمعية وحضارية في إدارة الفوارق والتمايزات المتوفرة في المجتمع الواحد. فإذا كانت الوحدة مطلبا إسلاميا وحضاريا، إذ قال تعالى [ أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ]. (الشورى، الآية١٢ ). فإن الاختلاف هو من الأمور الطبيعية في حياة الإنسان عبر التاريخ، وحقيقة إنسانية عميقة لا يمكن نكرانها. وهنا نصل إلى مربط الفرس، حيث أن الوحدة لا تعني غياب الاختلافات لأنها من جبلة البشر. ولعلنا نرتكب خطيئة تاريخية كبرى، حينما نساوي بين الوحدة والتوحيد القسري بين البشر.
وإن المطلوب هو إعادة النظر في مفاهيم الوحدة والاختلاف. حيث أن الوصول إلى حقيقية الوحدة في المجتمع، تتطلب احترام الاختلافات وإدارتها بعقلية حضارية ومنفتحة، حتى تتراكم عن طريق هذه الإدارة الحضارية حقائق الوحدة القائمة على احترام كل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.. فالوحدة لا تبني على أنقاض الخصوصيات، وإنما احترام هذه الخصوصيات وإدارتها وفق نسق حضاري - تعددي هو الذي يوصلنا إلى الألفة والوحدة.
فالوحدة مهما كان شكلها أو مستواها، لا تبني حينما نغرس بذور العداوة والكراهية والخصومة. إن هذه الوقائع تزيد من التشظي والانقسام، وتباعد بين المجتمع وحقائق الوحدة.
وإن التحليل العميق لمسار الوحدة في المجتمعات الإنسانية، يوصلنا إلى قناعة أساسية ألا وهي: أن التسامح والقبول القانوني والاجتماعي بتعدد الآراء والأفكار والتعبيرات، هو الذي يقود إلى تراكم تقاليد الألفة والاتحاد، وتجاوز كل الإحن والأحقاد في المجتمعات الإنسانية.. فالتسامح تجاه القناعات والأفكار والآراء، لا يقود إلى الفوضى والتشتت. وإنما الذي يقود إلى هذا هو التعامل مع مطلب الوحدة بعيدا عن حقائق التاريخ والمجتمع.
وعليه فإن السعي إلى الوحدة، يقتضي إرساء معالم التسامح والقبول بالآخر وجودا ورأيا. وذلك لأن هذه المعالم هي التي تزيد من فرص التضامن الداخلي، وهي التي تعلي من شأن الانسجام والائتلاف، وهي التي ترعى وتحتضن كل وقائع الوحدة في الوسط الاجتماعي. فالإكراه لا يقود إلى الإيمان، كما أن نفي الخصوصيات لا يقود إلى الوحدة.
لذلك نجد اللّه سبحانه وتعالى، يحذر من ممارسة الإكراه لحمل الناس على الإيمان. إذ يقول الحق [ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ].. ( سورة يونس، الآية 99). فإذا كان الحمل على الحق بالقوة والإكراه محظورا في الإسلام، فمن باب أولى أن يكون الحمل على ما كان ظنيا، أو كان مورد اجتهاد ونظر منهيا عنه باعتبار تسلطا وقهرا. لذلك فإن تسعير البغضاء وتنمية الأحقاد، يعد من عوامل الهدم الأساسية لأي كيان اجتماعي..
وفي إطار العمل على بلورة المسؤولية الاجتماعية تجاه قيم التسامح والتضامن ونبذ
الكراهية، نؤكد على النقاط التالية:
1- إن التسامح كحقيقة اجتماعية، لا يمكن أن تتجسد بدون تطوير الثقافة المجتمعية التي تحتضن كل معالم وحقائق هذه القيمة. وبالتالي فإن المسؤولية الاجتماعية الأولى، هي العمل على تطوير ثقافة الحرية والتواصل وحقوق الإنسان ونبذ العنف والإقصاء والمفاصلة الشعورية بين أبناء المجتمع الواحد. فلكي يبنى التسامح الاجتماعي وتسود علاقات المحبة والألفة وحسن الظن صفوف المجتمع، نحن بحاجة أن نعلي من شأن الثقافة والمعرفة القادرة على استيعاب الجميع بتنوعاتهم واختلافاتهم الاجتماعية والفكرية. وهذا بطبيعة الحال، يتطلب ممارسة قطيعة معرفية واجتماعية مع كل ثقافة تشرع لممارسة العنف والتعصب، أو تبرر لمعتنقها ممارسة النبذ والإقصاء مع الآخرين. فالتسامح الاجتماعي لا ينمو ويتجذر إلا في بيئة تقبل التعدد والاختلاف، وتمارس الانفتاح الفكري والمعرفي، وتطلق سراح الرأي للتعبير والنقد.. فلكي نحقق التسامح، نحن بحاجة أ نبذ واقعنا كل أشكال التعصب وممارسة العنف.. حيث أنه لا يمكن أن تتجسد معالم التسامح في مجتمع تسوده ثقافة تدفع إلى الانغلاق والتعصب وممارسة العنف تجاه المخالفين. إن التسامح بحاجة إلى ثقافة مجتمعية جديدة، قوامها القبول بالآخر المختلف والتعامل معه على أسس حضارية تنسجم وقيم المساواة والعدل.
2-بناء وتعزيز أطر ومؤسسات التفاهم بين مختلف شرائح المجتمع. وذلك لأن الكثير من أنماط العداء والخصومة، ليست وليدة الاختلاف المحض، وإنما هي من جراء غياب أطر ومؤسسات للتفاهم والحوار المباشر. فالجفاء والتباعد المتبادل، يساهم في توسيع شقة الخلاف وتباين وجهات النظر. لذلك من الأهمية بمكان ومن أجل إرساء معالم التسامح في الوسط الاجتماعي، العمل على تطوير خيار التفاهم والحوار المباشر بين مختلف الفرقاء. صحيح أن التفاهم لا ينهي الاختلافات الإنسانية، ولكنه بالتأكيد يمنع تأججها وتحولها إلى مصدر لممارسة العنف والتطرف، وفي ذات الوقت يبقيها في حدودها الطبيعية.
فالتفاهم بين مختلف الآراء والتعبيرات، هو الذي يعمق من خيار التسامح في المجتمع. والتفاهم الذي نقصده هنا لا يعني تطابق وجهات نظر الجميع حول مختلف القضايا والأمور، لأن ذلك مستحيل من الناحية الطبيعية والواقعية. وإنما يعني وجود الاختلافات التي يمكن إدارتها وحلها بوسائل لا نمطية، وبعيدة عن ممارسة العنف والعسف. ونحن هنا لا نلغي جدلية الصراع الاجتماعي، وإنما نلغي فقط أداة خطيرة من أدواته. ومن ثم يمكننا القول: أن إشاعة أجواء السلم والتسامح والقبول بالآخر وجودا ورأيا، هي السلاح الفعال للقضاء على ظاهرة العنف البشري.
فتوطيد أسس التفاهم في المحيط الاجتماعي، هو الذي يبلور آداب وأخلاقيات وضوابط الاختلاف، كما أنه يوفر لنا جميعا الأسباب الموضوعية للدنو والقرب من الحقيقة، ويجعلنا نتعلم من بعضنا البعض على مختلف المستويات.
وفي هذا الإطار لا بد من الإدراك، أن من المهم أن نلتزم بقاعدة الفهم قبل التفاهم.. بمعنى أن يسعى كل طرف إلى أن يفهم وجهة النظر الأخرى كما هي وبدون زيادة أو نقيصة. وبدون الدخول في متاهات التشوية وحرب الشائعات والأوراق الصفراء.
إن الالتزام بهذه القاعدة الذهبية، هو الذي يجعل المجتمع يبدع أسس وأطر للتفاهم بشكل مستديم. وبذلك تتراكم الخبرة الحضارية للمجتمع، وتزداد أسس وقواعد التسامح في المحيط الاجتماعي.
فالمسؤولية الاجتماعية تتجسد في توطيد أركان ثقافة الحوار والتواصل والتسامح والسلم، والقيام ببناء الأطر والمؤسسات التي تعنى بشؤون التفاهم بين مختلف الفئات والشرائح في المجتمع.
وخلاصة الأمر: إننا بحاجة إلى مجتمع جديد، يتجاوز في علاقاته وأنظمته الداخلية، تلك القواعد التي ساهمت بشكل أو بآخر في تفاقم الأزمات، وازدياد المآزق، ووصولنا جميعا إلى طريق مسدود.. وحده المجتمع الجديد الذي يتمكن من تجاوز محن الراهن وبناء المستقبل على أسس حضارية وإنسانية..
***
محمد محفوظ







