قضايا
أمين اليافعي: في ضرورة إعادة التفكير بالنظام الدولي
نقاش مع مقال هال براندز
يكتسب مقال هال براندز (Hal Brands) "ثلاث سيناريوهات لعالم ما بعد ترامب (Three Scenarios for a Post-Trump World) الذي نشرته الفورين بوليسي بتاريخ ٢٣ مارس ٢٠٢٦ (رابطه في نهاية المقال، وترجمته إلى العربي في التعليقات) أهميةً بالغة لا تنبع من جرأة طرحه وحده، بل من توقيته في لحظةٍ يقف فيها النظام الدولي على مفترق طرقٍ حقيقيٍّ. فأستاذ العلاقات الدولية يُقدِّم خريطةً تحليلية ومفاهيمية تتجاوز التحليل التقليدي أو الآني إلى استشراف كل ملامح ومنعرجات العقد القادم، مُحتضِناً في متن المقال ثلاثة مستويات من التحليل: التاريخ بوصفه مرجعاً، والنظرية بوصفها أداةً، والسياسة بوصفها ميداناً. وما يجعل شموليته ذات قيمة بالغة هو أنه لا يُفكِّر في مآلات القوة الأمريكية منفصلةً عن سياقها البنيوي العالمي، بل يُدرجها في شبكة من العلاقات التي تربط الحلفاء بالمنافسين والمؤسسات بالمصالح والأيديولوجيا بالاستراتيجيات. وبغض النظر عن الاختلاف حول بعض النقاط، والقبول الحذر لبعضها الآخر، فثمة في المقال ما يستحق الاهتمام الجاد، ولا سيما تحذيراته من وتيرة التآكل العالية للنظام الدولي الذي أُرسيت دعائمه عقب الحرب العالمية الثانية، وما قد ينطوي من مخاطر كبيرة أثناء عملية الانتقال. غير أن المقال، على ما يتسم به من رصانة تحليلية، يرزح تحت عبء افتراض أساسي جدير بالمساءلة: هل ما يتداعى اليوم كان في جوهر تصميمه نظاماً حقيقياً، لا هيكلاً أو غطاءً بالغ الأناقة للهيمنة، صُِيغ في لغته الكونية وأُُسْبِغَت عليه ثياب الشرعية الدولية؟ فضلا عن الإشكاليات في افتراضاته الأساسية أو الجوهرية وغلبة اللغة التحذيرية/التوجسية وعدم الجرأة في التفكير بما يجب أن يكون وراء السيناريوهات الثلاثة، أي نحو أسئلة أكثر جذرية عن طبيعة النظام والعدالة والسلطة التي يُفترض أن تكون في عالمٍ شديدٍ التعولم والتقوقع في الآن ذاته، وينوء بمخاطر عالية، ويجاهد، بعد عقود من الأحادية والاستنزاف السياسي والاقتصادي والنفسي، كي يُعيد اكتشاف معنى لـ"تعدد" لم تتبلور هو الآخر ملامحه بعد.
لنبدأ من حيث بدأ براندز- من الادعاء بأن منظومة ما بعد عام 1945 كانت صنيعةً أمريكية أفضت إلى "سلام غير مسبوق وازدهار وحرية". وهذا ليس خاطئاً كلياً من الناحية التاريخية، لكنه ناقص في دلالته ونتائجه. فقد شُيِّد ذلك النظام لا لإرساء السلام في المقام الأول، بل لإرساء سلام بعينه - سلام يُعرِّف نفسه بالأولوية الدائمة لمؤسسيه. إذ جسَّد ميثاق الأمم المتحدة هذه المعادلة بدقة: فحق النقض (الفيتو) الممنوح للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لم يكن تجسيداً للمساواة الدولية، بل كان نفياً محسوباً لها، آليةً قانونية لضمان ألا يُوجَّه سلاح الأمن الجماعي ذات يوم نحو من صنعوه. بمعنى أن القوى المتناقضة المنتصرة عام 1945 قد "صاغت نظاماً أساسياً لتثبيت سلطتها على الدوام". وفي هذا السياق، وجدنا أنفسنا كما كتب ذات مرّة الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: "من كثرة التفنن بخرق ميثاق حقوق الإنسان والاعتداء عليه، أصبح وكأنه وُضع أساساً لكي يتم خرقه"، أو كما تندر أحدهم بأنه صار إذا احتكمت دولتان صغيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة، ضاعت الدولتان الصغيرتان معا أما إذا احتكمت دولتان كبيرتان إلى هيئة الأمم المتحدة ضاعت الأمم المتحدة نفسها!
ويُفسَّر هذا التناقض الجذري بين نظام عالمي يُفترض به أن يُحقِق الأمن والاستقرار ويُعزِز مرتكزات العدالة في السياق الدولي وبين تحوله إلى آلية تقنية لإدارة مصالح الكبار أحد الظواهر التي يعاملها براندز باعتبارها انحرافاً طارئاً: أعني سرعة تحوُّل الحلفاء إلى خصوم. لكن في الحقيقة، لو تمعنّا جيداً في بنية هذا النظام، فإن الحرب الباردة لم تكن خيانةً للنظام الذي أعقب الحرب، بل كانت امتداده الطبيعي والمنطقي. فأي نظام يُصمَّم لتركيز السلطة يُفضي حتماً إلى تنافس بين حامليها. والتنافس السوفيتي-الأمريكي الذي استنزف النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن وليد الصدفة الأيديولوجية، بل كان تعبيراً عن الديناميكيات البنيوية لأي ترتيب أحادي القطبية أو شبه هيمنوي اُريد منه إدارة عالم متنافس باستمرار، ومتعدد الأقطاب على الدوام.
وما أعقب نهاية الحرب الباردة زاد هذا التناقض الداخلي حدةً حتى بلغ ذروته في أزمته الراهنة. فمنذ عام 1991، وقد خلا الميدان من أي ثقل استراتيجي موازن، انزلقت الولايات المتحدة إلى ما سمّاه الفيلسوف النمساوي هانز كوشلر ((Hans Köchler) في مقالته العميقة "القوة والنظام الدولي" (Macht und Weltordnung) بـ"إنكار مبدأ الواقع" (Realitätsverweigerung ) أو" فقدان الصلة بالواقع" (Realitätsverlust) إذ باتت ترى نفسها، على حد تعبير مادلين أولبرايت الشهير: "الأمة التي لا غنى عنها في كل مكان"، التي ترى أبعد من سواها وتقف أرفع شأناً. يرى كوخلر بأن هذا التصور المُسبق بضرورة الحضور في كل مكان لحماية المصالح وفي ظل طبيعة النظام الدولي الحالي جعل السياسة الأمريكية تسترشد على نحوٍ دائمٍ بـ"منطق القوة" (Logik der Macht) مما جعلها تقع في فخٍ لا فكاك منه: فهي تسعى إلى غاية تُناقض شرط إمكانها، إذ تجعل من الهيمنة الدائمة هدفاً نهائياً، في حين أن الهيمنة بطبيعتها الجدلية تحمل في رحمها بذور نفيها الذاتي. فكلما امتد الادعاء بالمطلق واتسعت دائرة السيطرة، تكاثرت جبهات المقاومة وتضاعفت، في حركة تاريخية لا تخطئها العين؛ حتى ليبدو المُهيمِن، في لحظة بلوغه ذروة قوته، كمن يحفر قبره بيده. ذلك أن إطلاق الادعاء بالمطلق يُلزم صاحبه بما يعجز عنه أي كيان محدود: أن يكون في آنٍ واحد حاضراً في كل مكان، حارساً لكل حدود، ومانعاً لكل بديل؛ وهو ما يُحيل قوته تدريجياً إلى عبء يثقل كاهله لا إلى رصيد يعزز مكانته، خصوصاً وأن الآخرين (الخصوم) سيستخدمون النموذج ذاته لمواجهة الهيمنة والتمدد، وتعزيز تمددهم الخاص وهيمنتهم من الجانب الآخر. وليس من باب الصدفة أو المفارقة أن يجد الرئيس ترامب الذي عارض التواجد الأمريكي في العالم نفسه في نهاية المطاف أو بدايته منغمساً فيه إلى أبعد حد. ولهذا الغرض ابتكر الاستراتيجيون الأمريكيون مصطلح "الارتداد" أو "التداعيات العكسية" (blowback) للإحالة إلى حالة المقاومة أو الإعاقة الشديدة أثناء محاولة التحرك في العالم، كما قام تشالمرز جونسون في كتابه الارتداد: تكاليف الإمبراطورية الأمريكية وعواقبها (The Costs and Consequences of American Empire, 2000) تحليل تبعات هذا الحضور على المستوى الدولي بعمقٍ، مستجلياً كيف يُنتِج التمدد الإمبريالي المفرط (imperial overextension) في كل مرة التهديدات التي يسعى إلى إخمادها، في حلقة تصاعدية تنخر الهيمنة من الداخل.
وعند هذه النقطة بالذات ينبغي أن تُقرأ سيناريوهات براندز الثلاثة - الحرب الباردة الجديدة، وتشرذم مناطق النفوذ، والفوضى العالمية (غابة سياسية خاصة بكل دولة) – من منظورٍ نقديٍّ متيقظٍ. فما خلص إليه من أن حرباً باردة جديدة باتت تمثل "خير ما يمكن الأمل به" إفصاحٌ صريحٌ يستحق التوقف. غير أنه يكشف أيضاً عن القيد الجوهري للمقال: إذ يعامل الفوضى الراهنة باعتبارها انحرافاً عن خطٍ أساسيٍّ مستقرٍ ومشروعٍ/مقبولٍ، لا نتيجةً متوقعة لمنطقه الداخلي. فـ"خير ما يمكن الأمل به" من حربٍ باردةٍ جديدةٍ ليس استعادةً للنظام - بل هو تأسيس لمسار جديد من التوجس الدولي المتبادل عالي الوتيرة بين الدول الكبرى، وهي بالضبط الديناميكية التي يصفها كوخلر بالدوامة الخطيرة من انعدام الثقة والإفراط التي أوصلت البشرية إلى "توازن الرعب" النووي.
وثمة تحفظ آخر ينبغي التنبيه إليه، وهو الحديث عن انهيار النظام الدولي وكأنه سيقع وشيكاً، وبين ليلةٍ وضحاها. وتحذيراته بكل تأكيد ليست في غير محلها، ويجب أخذها بجدية كبيرة، لكن يقع المقال في مبالغة مزدوجة: مبالغة في تصوير اتساق ما كان قائماً، ومبالغة في تصوير سرعة تفككه. فالأنظمة الدولية لا تنهار بين عشية وضحاها، بل تتآكل على مدى عقود من الزمن، وكثيراً ما تظل واجهاتها المؤسسية قائمة. وليس ثمة مؤشرات موثوقة على أن المشهد الراهن سيُفضي إلى ما يشبه الانهيار المباغت للاتحاد السوفيتي؛ ذاك الانقطاع الشامل السريع والدراماتيكي. وما يمرَّ به العالم حالياً قد لن يكون سوى إعادة توازن وتكيّف مطوَّلة ومؤلمة، فحتى الخصوم والقوى الصاعدة باتت تستفيد من النظام الدولي القائم، وتستثمر فيه بكل ما تملك.
يُصيب براندز في ملاحظته بأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بثقل قرار استثنائي فيما يخلف النظام الذي صنعته. لكن المفارقة الأعمق، التي لا يواجهها المقال بالكامل، تكمن في أن الخيارات ذاتها التي أفضت إلى السيادة الأمريكية - رفض قبول التكافؤ الاستراتيجي، وربط الهيمنة بالأمن، وازدراء المعاملة بالمثل - هي بعينها الخيارات التي أوصلت النظام إلى حالته الراهنة. إن ما نحتاج إليه ليس تحليل السيناريوهات بحثاً عن أي أشكال التنافس أقل وطأة/خطراً في الإدارة، بل مواجهة الإخفاق الأخلاقي والبنيوي لنظام دولي لم يتجاوز قط منطق القوة الذي ادّعى أو انتدب نفسه في مهمة مقدسة لترويضها.
اقترح كوخلر فكرة أن النظام العالمي المستقر لا يمكن بنائه إلا على أساس توازن حقيقي بين الدول ذات السيادة، مقترناً بالشراكة الفعلية التي تحفظ الأمن والاستقرار، وتحافظ على مصالح الجميع – ما أمكن – وفي حدود المشروعية القانونية والأخلاقية. فالواقعية (المدّعاة) دون ذلك الضبط الضروري لن تُنتج استقراراً - بل تُنتج الكوارث التي تسعى إلى درئها. والسؤال الذي يطرحه براندز: "أيُّ سيناريو ينتظر العالم على الضفة الأخرى من المرحلة الانتقالية" هو سؤالٌ مشروعٌ للغاية، لكن السؤال السابق عليه، أو الذي ينبغي طرحه ولا يقل إلحاحاً، وقد تحاشاه كلياً، هو: "أيُّ نظامٍ يستحق البناء، وهل سيمتلك مصمِّموه أخيراً الحكمة اللازمة لمقاومة إغراء الهيمنة الدائمة؛ ذلك الإغراء الذي أثبت التاريخ في كل عصر أنه أوثق الطرق إلى الزوال؟".
***
أمين اليافعي







