عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

كاظم أبو جويدة: تجارب مسرحية عالمية مُلهمة

الجسد بوصفه نصاً: قراءة في "فن الأداء" وخرائط الألم في تجربة الصربية "مارينا أبراموفيتش" وانعكاساتها على المسرح العربي

لم تكن الخشبة يوماً فضاءً بريئاً؛ إنها بناءٌ جماليٌّ قائم على اتفاقٍ مسبق، ستارةٌ تُرفع، وإضاءةٌ تُسلَّط، ونصٌّ يُعاد إنتاجه داخل حدودٍ مرسومة سلفاً. غير أن هذا التصور التقليدي للعرض سرعان ما اهتزّ حين بدأ الفن يفتش عن منطقة إبداعية أخرى، تكون فيها التجربة تتقدم الحكاية، والحضور يتجاوز المحاكاة.

من هنا بدأت الحاجة إلى استعادة المسرح من نقطة تبدو في ظاهرها بديهية: المسرح الكلاسيكي، بصيغته الموروثة، لم يعد يملك الأثر نفسه في كثير من العروض العربية، كما أنه فقد جزءاً معتبراً من قدرته على الإبهار حتى في السياقات العالمية. الخشبة التي كانت يوماً مركزاً للدهشة صارت في كثير من الأحيان فضاءً مألوفاً، يتكرر فيه النص، وتتكرر فيه الإيماءة، وتتكرر فيه العلاقة ذاتها بين ممثل يؤدي وجمهور يتلقى. عند هذه النقطة يفقد العرض توتره الحيّ، ويصير أقرب إلى إعادة إنتاج شكل محفوظ منه إلى خلق تجربة فنية جديدة.

في المشهد العربي، تتضاعف الأزمة بفعل جملة من الأسباب التي تكاد تكون مشتركة: رقابة مباشرة أو غير مباشرة، تعتيم على التجريب، خوف مضاعف من مغبة الخروج عن القوالب، ضعف الثقة بالجسد وترهل انتقالاته بوصفه أداة للتعبير، وافتقار إلى الشجاعة الفنية التي تسمح للمبدع بأن يغامر خارج النص المطمئن.

يضاف إلى ذلك أن العلاقة بين الممثل والجمهور كثيراً ما تكون علاقة غير متوازنة؛ الممثل يقدم، والجمهور يتلقى من مسافة آمنة، من دون أن يتداخلا في التجربة أو يتحمل أحدهما مسؤولية ما يراه وما ينتج عنه. وهكذا يصبح المسرح تعليماً أو وعظاً أو تمثيلاً لما نعرفه مسبقاً، بدل أن يكون صدمة معرفية أو مواجهة حسية.2825 khadom

حتى عالمياً، لم يعد المسرح التقليدي بمنأى عن هذا الضعف. جزء منه صار أسير التكرار الجمالي، وجزء آخر انغلق داخل تقنيات الإبهار الشكلي: الهولوغرام وما شاكله من دون أن يقترب من جوهر التجربة الإنسانية. وهنا تبرز الحاجة إلى بذرة جديدة تعيد للمسرح وظيفته الأولى: أن يكون حدثاً حياً لا صورة مكررة، وأن يضع المتفرج داخل السؤال بدل أن يبقيه خارجه.

من هذه الحاجة يتقدم فن الأداء بوصفه أحد أهم المسارات التي حاولت تحرير المسرح من شكله الجامد. هذا الفن هو ابن ما بعد الحداثة، يفكك الحدود بين الممثل والمتفرج، بين الواقع والخيال، ليخلق لحظة حقيقية، حية، وعصية على التكرار. إنه مسرح يرفض الزيف، ويحتضن الخطر، ويجعل من الألم طريقاً للمعرفة. هذا الفن لا يقوم على النص وحده أو لا يقوم عليه أصلا، ولا على التمثيل بالمعنى المدرسي، إنما على الحضور المباشر، وعلى تحويل الجسد إلى أداة تفكير واشتباك.

في فن الأداء، يتأكد انزواء الكلمة المنطوقة إلى الحس والابتعاد عن الإنشاء والفذلكة، فلا يعود العرض مجرد قصة تُروى، إنما تجربة تُعاش أمام الجمهور. يصبح الزمن الحقيقي جزءاً من المادة الفنية، ويغدو المشاهد شريكاً في الحدث لا مراقباً له من بعيد.

في طليعة هذا المسار تقف الفنانة الصربية المبدعة مارينا أبراموفيتش، بوصفها إحدى أكثر التجارب راديكالية في هذا التحول والتي نقلت فن الأداء من الهامش إلى المركز، ومن الصدمة الفردية إلى التجربة الإنسانية الواسعة. ما يميزها أنها لم تتعامل مع الجسد كرمز فقط، بل كمنطقة اختبار كاملة؛ اختبار للألم، للصمت، وللعلاقة بين الفنان والجمهور مع رسالة رفض واضحة لما كان ويكون من امتهان وسخرية بالإنسان ومصيره من قبل قوى الظلام التي أتى فن الأداء من أجل محاربتها بالصدق والتجربة الجسدية الحية. لقد أدركت هذه المبدعة أن المسرح لا يستعيد قدرته إلا إذا امتلك الشجاعة ليعرض الإنسان كما هو، من دون تزيين زائد أو ستر مريح.

أدوات مارينا تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة العمق في أثرها. أول هذه الأدوات هو الجسد ذاته، بوصفه مادة العرض ومركزه. الجسد عندها لا يؤدي دوراً، بل يدخل في التجربة مباشرة، ويتحمل نتائجها. يقول المخرج البولندي يرزي غروتوفسكي، أحد آباء المسرح الفقير، «على الممثل أن يقدم ذاته كقربان». أبراموفيتش أخذت هذه الفكرة إلى منتهاها. في أعمالها، يتحول الجسد إلى ساحة معركة، حيث تتحطم الحدود بين القدرة على التحمل والانهيار، وبين الفنان والإنسان.

الأداة الثانية هي الصمت الممتد؛ إذ تمنح الزمن حقه الكامل، فتسمح للفراغ الظاهر أن يتحول إلى امتلاء نفسي. يتحدث عنها الفنان والمصمم فيتو أكونتشي قائلاً: «لقد جعلت من حضورها غياباً لكل ما هو مصطنع».

الأداة الثالثة هي النظرة المباشرة، التي تجعل اللقاء بين الفنان والجمهور حدثاً قائماً بذاته، لا مجرد تفصيل جانبي. أما الأداة الرابعة فهي الألم أو الاحتمال الجسدي، لا بوصفه استعراضاً، إنما بوصفه كشفاً لحدود الإنسان وردود أفعاله. كذلك تعتمد على التكرار، وعلى تهيئة شروط صارمة تقود العرض إلى منطقة توتر قصوى.

بهذه الأدوات، يتحول العمل الفني إلى وضع وجودي كامل. لا يعود السؤال: ماذا يحدث في العرض؟ بل: ماذا يحدث للإنسان حين يوضع في هذا الوضع؟ هذا هو الفارق الجوهري بين المسرح التقليدي وفن الأداء كما صاغته أبراموفيتش.2826 khadom

سيرة مارينا وبداياتها:

ولدت مارينا أبراموفيتش في بلغراد سنة 1946، في بيئة سياسية صارمة، لوالدين ارتبطا بتاريخ المقاومة اليوغسلافية. هذا المناخ الصارم ترك أثره العميق في تكوينها النفسي والفني، وفتح أمامها سؤال الانضباط والحدود والتمرد. درست الرسم أولاً، غير أن اللوحة لم تكفها، لأنها كانت تبحث عن فعل مباشر لا يكتفي بالتمثيل البصري.

منذ بداياتها، اتجهت إلى اختبار الجسد بوصفه مساحة للتعبير والمواجهة. لم يكتف اهتمامها بالجمال الشكلي، فهو نقطة عجز واضح إنما تعدته لما يكشف عن تفاصيل هذ الجسد حين يوضع تحت ضغط حقيقي. وهنا بدأت ملامح مشروعها تتبلور: الفن ليس زخرفة للحياة، الفن مواجهة معها، واختبار لأسئلتها الأعمق. وتُرجِع مارينا أبراموفيتش انحيازها إلى فن الأداء إلى رغبتها في تجاوز زيف التمثيل المسرحي والاقتراب من خبرة أكثر مباشرة وصدقاً؛ فهي تؤكد في أحد حواراتها أن على فنان الأداء أن «يكره المسرح» لأنه، في تصورها، قائم على تمثيل غير حقيقي، بينما تصبح الذات والجسد في فن الأداء مادة العمل ومركزه.

تحررت تجاربها من قيد السرد الخطي المتدرج (البداية، الذروة، النهاية)، لتخلق "حالة" وجودية محضة، فالزمن عندها ليس وقتاً درامياً مكثفاً، بل هو الزمن الحقيقي الثقيل، الممتد، والموجع. عندما تنزف مارينا، فهي تنزف دماً حقيقياً. عندما تتألم، فإن ألمها لا يحتاج إلى ميكياج سينمائي. هذا الانتقال من "تمثيل" الواقع إلى "عيش" الواقع أمام الجمهور، هو ثورة إبستيمولوجية في فهمنا للعمل الفني. الفن هنا هو مرآة تعكس الحياة، وهو الحياة ذاتها مقطرة في أقسى لحظاتها.

في عام 1974، في مدينة نابولي الإيطالية، قدمت مارينا واحداً من أخطر وأهم أعمالها على الإطلاق: "إيقاع صفر". وقفت في قاعة عرض، ووضعت على طاولة 72 أداة. بعضها يرمز للذة والنعومة (وردة، ريشة، عسل، عنب)، وبعضها يرمز للألم والموت (مشرط، سكين، سوط، ومسدس محشو برصاصة واحدة).

علقت لافتة تقول: "أنا شيء، مجرد شيء أمامكم. يمكنكم استخدام هذه الأدوات عليّ كما تشاؤون لمدة 6 ساعات. أنا أتحمل المسؤولية كاملة".

ما حدث في تلك الساعات الست كان تشريحاً مرعباً للطبيعة البشرية. في الساعات الأولى، كان الجمهور خجولاً، يلامسها بالريشة، يطعمها العنب. ولكن، مع إدراكهم لغياب العواقب واستسلامها التام أمامهم، سقطت الأقنعة الحضارية. بدأوا في تمزيق ثيابها، غرزوا أشواك الورد في معدتها، جرحوا رقبتها وشربوا من دمها، وفي النهاية، وضع أحدهم المسدس المحشو في يدها ووجهه نحو رأسها ووضع إصبعها على الزناد، لولا تدخل بعض الحاضرين الذين ذعروا من الموقف. عندما انتهت الساعات الست، وتحركت مارينا، هرب الجمهور. لم يستطيعوا مواجهتها كإنسان، فقد تعاملوا معها كـ "شيء".

هنا يتجلى جوهر ما بعد الحداثة: إلغاء مركزية الفنان كصانع وحيد للعمل. في "إيقاع صفر"، لم تكن مارينا هي الفاعلة، بل كانت اللوحة البيضاء، والجمهور هو من رسم عليها أبشع صور الغريزة البشرية. هذا العرض هو درس قاسٍ في سيكولوجيا الجماهير التي تتحدث عنها نظريات علم الاجتماع، لكنه قُدم بلغة الفن.

كيف يمكن قراءة هذا في سياقنا العربي؟ نحن نعيش في مجتمعات تتأرجح بين السلطة والخضوع، بين القمع والتمرد. ماذا لو قدمنا أعمالاً مسرحية تسلب فيها السلطة تماماً من المؤدي وتمنح لجمهور لم يعتد إلا على التلقي السلبي؟ كيف سيتصرف الفرد العربي إذا مُنح حرية مطلقة في فضاء فني؟ هل سيبني أم سيدمر؟ تجربة أبراموفيتش تدفعنا للتفكير في "توريط" المتلقي، لجعله شريكاً في الجريمة الفنية، وليس مجرد مصفق في نهاية العرض.

وفي «عشاق» مع زميلها الفنان أولاي، تحولت العلاقة العاطفية إلى حدث فني. السير الطويل من طرفي سور الصين العظيم حتى اللقاء في المنتصف جعل الفراق نفسه جزءاً من اللغة الفنية.

وفي «البيت بمنظر المحيط» عاشت داخل فضاء مكشوف أمام الجمهور، لتختبر معنى العيش تحت المراقبة.

لعل أشهر أعمالها على الإطلاق هو ما قدمته في متحف الفن الحديث (MoMA) بنيويورك عام 2010. فكرة العرض عبقرية في بساطتها وراديكالية في تأثيرها. وضعت طاولة وكرسيين في بهو المتحف. جلست على أحد الكرسيين، وتُرك الكرسي الآخر للجمهور ليجلس عليه من يشاء، لتبادل النظرات مع مارينا في صمت تام، للمدة التي يريدها.

جلست هناك لـ 736 ساعة متواصلة، على مدى ثلاثة أشهر، لم تنطق بكلمة، لم تتحرك، لم تأكل أو تشرب أثناء العرض. نظرت في عيون أكثر من ألف وخمسمائة شخص.

ماذا حدث؟ كان الناس يجلسون أمامها، وينفجرون في البكاء. في عصر السرعة، والهواتف الذكية، والانفصال الشعوري الرقمي، وفرت مارينا شيئاً مرعباً وجميلاً في آن: "الحضور الكامل". إنها لا تحكم عليك، لا تتحدث إليك، مجرد مرآة روحية عاكسة. غياب الكلمة جعل المشاعر تفيض.

نحن في العالم العربي نعاني من تخمة بلاغية. مسرحنا، خطاباتنا، فنوننا، كلها مليئة بالكلمات المنمقة، بالصراخ، بالبيانات المباشرة. هل فكرنا يوماً في "أداء الصمت"؟ هل جرب المسرحي العربي أن يسحب اللغة من معادلة العرض ليترك المتلقي في مواجهة نفسه؟ الصمت في مسرح ما بعد الحداثة ليس فراغاً، الحداثة امتلاء مكثف بالمعاني التي تعجز الحروف عن حملها. تجربة "الفنان حاضر" تثبت أن أقوى أشكال التواصل البشري لا يتطلب نصاً درامياً متقناً، بل يتطلب صدقاً في الوجود المكاني والزماني. إن ما يجعل تجربة مارينا أبراموفيتش عصية على التصنيف التقليدي، ومستعصية على النمذجة الآلية لأساليب الكتابة، هو أن فنها ينبع من منطقة لا واعية، منطقة تصطدم بالبدائي والمقدس والمدنس في آن واحد. لقد استطاعت أن تحول مسار الفن الأدائي من هامش الفنون البصرية إلى مركز الثقل الثقافي العالمي.

لم تكن مارينا وحدها في هذا المسار، لكنها كانت الأشد حضوراً والأكثر تأثيراً. في السياق العالمي، نجد أسماء سبقتها أو واكبتها واشتغلت على الجسد والحضور: جوزيف بويس، يوكو أونو، كريس بوردن، فيتو أكونشي، تشنغ رانغ، وأولاي. هؤلاء جميعاً وسّعوا مفهوم الأداء، لكن مارينا امتلكت قدرة خاصة على تحويل الفعل الفردي إلى تجربة جماعية تمس المتلقي مباشرة. ولهذا وصفها بعض النقاد والمخرجين بأنها تعيد تعريف معنى الحضور ذاته.

روبرت ويلسون رأى فيها فنانة تعيد صياغة معنى الوجود على الخشبة. وهانز-تيس ليمان وضع أعمالها في قلب المسرح ما بعد الدرامي. أما ريتشارد شكنر فعدّها امتداداً حديثاً للطقوس القديمة، بينما قرأ فيها بيتر بروك ضرورة مسرحية لا تقبل التأجيل. هذه الشهادات لا تضيف لها قيمة شكلية فقط، بل تكشف أنها أصبحت مرجعاً نظرياً وعملياً في آن.

في العالم العربي، توجد محاولات مهمة اشتغلت على الجسد والحضور والذاكرة، لكنها بقيت غالباً فردية أو محدودة الانتشار. من هذه الأسماء وفاء بلال، جمانة إميل عبود، إضافة إلى ربيع مروة في تقاطعات مختلفة مع الأداء والفنون البصرية. غير أن الفارق بين هذه التجارب ومارينا يكمن في السياق والجرأة والبنية الإنتاجية.

وفاء بلال أدخل الجسد في وسيط رقمي، فصار الفعل مؤلماً لكن عبر شاشة، لا في مواجهة مباشرة كاملة. جمانة إميل عبود اشتغلت على الجسد بوصفه حاملاً للذاكرة والأرض، فاقتربت من الطقس أكثر من الصدام. ربيع مروة جعل الجسد أرشيفاً سياسياً. هذه الأعمال جميعاً مهمة، لكنها لا تصل إلى منطقة التفريط الكامل بالوساطة التي تميز مارينا.

السبب لا يعود إلى ضعف قدرات الفنان العربي أو تواضع في مكامن وعيه، بل إلى شروط محيطة: رقابة، حساسية اجتماعية، غياب الدعم المؤسسي، وتردد الجمهور أمام الأشكال الجديدة. لذلك يبقى فن الأداء العربي في طور التجارب المتفرقة، لا في طور التيار المستقر.

أهمية فن الأداء في السياق العربي أنه يفتح أفقاً جديداً للمسرح بعد أن ضاق أفق الشكل التقليدي. نحن لا ندعو إلى عرض الجسد عارياً لمجرد الصدمة، ولا إلى نقل التجربة الغربية بحرفيتها إلى مجتمعات تحكمها ضوابط دينية واجتماعية صارمة. المقصود هو التحرر من شكلانية المسرح الموروث، ومن الخطاب الذي فقد طاقته، ومن العلاقة الميتة بين الخشبة والجمهور.

فن الأداء يعلّم المسرح العربي أن الجسد ليس عيباً، وأن الصمت ليس فراغاً، وأن الجمهور قادر على أن يكون شريكاً لا متفرجاً فقط. كما يعلّمه أن الجرأة لا تعني الاستفزاز المجاني، بل تعني البحث عن صيغة جديدة تجعل العرض حدثاً يستدعي التفكير والاهتزاز الداخلي.

المطلوب اليوم فتح المجال أمام هذا الفن داخل المعاهد والمختبرات والورش، وتدريب الممثلين على الحضور، والتحمل، والنظر، والتعامل مع الزمن الحيّ. ينبغي إدخال فن الأداء إلى التعليم المسرحي لا بوصفه بديلاً نهائياً، بل بوصفه أداة توسعة للرؤية. كما ينبغي تشجيع التجارب التي تدرس علاقة الجسد بالمكان، والجمهور بالفعل، والفضاء بالمراقبة، من دون الوقوع في النسخ السطحي لما فعلته أبراموفيتش.

المسرح العربي يحتاج إلى أن يستعيد جمهوره، ولن يستعيده إلا إذا غادر الاطمئنان الزائد. يحتاج إلى أن يدهش، ويقلق، ويضع المتفرج في قلب الفعل. وهذه المهمة لا تنجزها الخطب، بل التجارب التي تفهم أن المسرح حياة تُخاض لا فكرة تُشرح فقط.

تجربة مارينا أبراموفيتش هي سيرة فنانة لامعة أي نعم، لكنها درسا مهما في معنى أن يصبح الجسد أداة مقاومة، وأن يتحول الحضور إلى فعل، وأن يغدو الصمت لغة ناضجة تغير باتجاه أكثر مسؤولية. من هنا تأتي قيمتها للمسرح العربي والعالمي معاً. إنها تذكرنا بأن المسرح حين يفقد مخاطرة الجسد، يفقد روحه. وحين يستعيدها، يعود قادراً على أن يوقظ المتفرج من ألفة التلقي إلى قلق المشاركة.

التساؤلات التي تفرض نفسها على الساحة الفنية العربية هي: كيف نكسر حاجز الأمان بين المؤدي والجمهور؟ كيف نتخلص من ديكتاتورية النص المسرحي لصالح حرية الجسد والحدث الآني؟ كيف نحول العرض من شيء يُشاهَد إلى تجربة تُعاش وتُختبر؟ كيف نستخدم التحمل الجسدي، والألم، والتكرار المفرط لخلق حالة من "التطهير" (Catharsis) لا تعتمد على الشفقة والخوف الأرسطي، بل على الصدمة والوعي المباشر؟

لقد استهلكنا قصصنا التاريخية، وأشبعنا قضايانا السياسية تنظيراً على الخشبات. ربما حان الوقت لكي نعود إلى النقطة الصفر، إلى اللحم والدم والأنفاس المتقطعة. أن نعترف بأن المسرحية انتهت، وأن ما يجب أن يبدأ الآن هو "الحدث".

***

بقلم كاظم أبو جويدة