عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: نقد ابن خلدون للمنهج التقليدي في التاريخ (4)

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

قبل أن نقف عند نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين، يلزمنا التذكير بما قد أشرنا إليه آنفًا في تصنيف ابن خلدون للعلوم؛ إذ وجدناه يفصل فصلًا منهجيًا بين ميدان العلوم الشرعية وميدان العلوم العقلية، ويميز بين نوعين من الخطاب: خطاب هداية يحمل أمرًا مقدسًا (أمرًا شرعيًا) أو “خبرًا” من الله عز وجل ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أمر يستوجب التصديق والإيمان والعمل، وخطاب دراية يخبر عن وقائع من عالم الطبيعة والحياة والتاريخ، ولكل خطاب منهج للمعرفة ومقياس للصدق، ولا يجوز الخلط بين المنهجين.

فمنهج الإسناد، أو التجريح والتعديل، هو منهج الخطاب المقدس الذي يقوم على أساس النقل والسماع والتصحيح، وردِّه باستمرار ردًا تراجعيًا عبر سلسلة الرواة إلى اللحظة “المطلقة”، لحظة التلقي عن الأصل المقدس. أما منهج الخطاب الطبيعي، فهو منهج عقلي إنساني استقرائي استدلالي، قابل للنقاش والنقد.

نقرأ في المقدمة هذا النص المهم:

“… وإنما كان التعديل والتجريح هو المعتبر في صحة الأخبار الشرعية؛ لأن معظمها تكاليف إنشائية أوجب الشارع العمل بها حتى حصل الظن بصدقها، وسبيل صحة الظن الثقة بالرواة بالعدالة والضبط. وأما الأخبار عن الوقائع فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن يُنظر في إمكان وقوعها، وصار فيها ذلك أهم من التعديل ومقدمًا عليه.”

ولا جدال في أن هذا الفصل المنهجي بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية يعد خطوة حاسمة نحو العقلانية النقدية في عالم يهيمن عليه النقل والتقليد والمقدس.

ومن اللافت للنظر أن ابن خلدون، في تصنيفه للعلوم، لم يشر إلى علم التاريخ، لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية. ولعل هدف ابن خلدون من ذلك هو تمييز علم التاريخ عن سائر العلوم، وعدُّه علمًا جديدًا، كما جاء في المقدمة.

لقد كانت الخطوة الجريئة والحاسمة في عمل ابن خلدون هي إخراج علم التاريخ من مجال العلوم الشرعية، وهو بذلك قد تميز عن تقليد نظري راسخ في الفكر الإسلامي، تقليد لا يرى في العلوم جميعها إلا علومًا شرعية أو طبيعية، ذات نفع أخروي وغاية أخلاقية وعظية.

أما عدم تصنيف علم التاريخ ضمن العلوم العقلية المعروفة، فيعود -في رأينا- إلى أن ابن خلدون قد استبدل بالتاريخ التقليدي علمًا جديدًا هو فلسفة التاريخ، فهو لذلك: “علم أصيل في الحكمة، عريق، وجدير بأن يُعد في علومها وخليق.”

وكلمة الحكمة الواردة في هذا النص تعني عند ابن خلدون “الفلسفة”، وهو ما يمكن ملاحظته في فصل “إبطال الفلسفة”، إذ يظهر تضلع ابن خلدون في المعرفة الفلسفية وتاريخها، ويورد في تعريفه للفلاسفة: “(جمع فيلسوف، وهو في اللسان اليوناني: محب الحكمة)”. كما أنه كثيرًا ما يستخدم تعبيرات: “العلوم العقلية”، و”العلوم الحكمية والفلسفية”، و”علوم الفلسفة والحكمة”.

وربما كان حرص ابن خلدون الشديد من مغبة تهمة الفلسفة في زمانه وعواقبها، هو ما جعله يخفي الاسم الحقيقي لعلمه الجديد، ويكتفي بالتلميح إليه وإثارة فضول القارئ ليفهم ما بين السطور، إذ كتب يقول:

“إن غرض المقدمة هو بيان علم مستقل ذي موضوع، وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذي مسائل، وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته، واحدة بعد أخرى، وهذا شأن كل علم من العلوم، وضعيًا كان أو عقليًا. واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة، غريب النزعة، غزير الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص… وهو علم مستنبط النشأة، ولعمري ما وقفت على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة… وهذا الفن الذي لاح لنا النظر فيه نجد منه مسائل تجري بالعرض لأهل العلوم في براهين علومهم، وهي من جنس مسائل هذا الموضوع والطلب.”

ومن الواضح أن العلم الجديد الذي اكتشفه ابن خلدون ليس هو التاريخ بمعناه التقليدي، كما أنه لا يمكن أن يكون الفلسفة بمعناها التجريدي الميتافيزيقي، بل هو وسط بينهما. إنه علم العمران البشري، كما يعتقد بعض الدارسين، وعلم فلسفة التاريخ، كما نعتقد نحن، بالاتفاق مع عدد واسع من الباحثين؛ إذ إن فلسفة التاريخ، من حيث هي فرع جديد من فروع المعرفة التاريخية، تقع في موقع وسط بين علم التاريخ التقليدي وبين الفلسفة التجريدية.

فقد أخذ ابن خلدون من الفلسفة نظرتها العقلية النقدية الكلية، ومن التاريخ واقعيته ومعطياته الجزئية، ليكون منهما علمًا جديدًا واحدًا، يجذب فيه الفلسفة إلى عالم الوقائع حتى لا تحلق في سماء اليوتوبيات، ويجذب فيه التاريخ إلى الفلسفة حتى لا يصبح مجرد روايات وسرد أخبار جزئية لا رابط بينها؛ فإن الفلسفة دون تاريخ خواء، والتاريخ دون فلسفة عمى.

وفي هذا السياق، يرى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي أن أهمية الطفرة التي قام بها ابن خلدون في تاريخ الفكر الاجتماعي تكمن في أنه قام بأول محاولة جادة للنزول بالفلسفة من عليائها، والدخول بها في معترك الحياة الواقعية.

إن غرضنا من التركيز على تلك النزعة الفلسفية الأصيلة التي انطوت عليها مقدمة ابن خلدون يهدف إلى إماطة اللثام عن مكمن السر في امتلاكه رؤية منهجية عقلانية نقدية يندر العثور عليها عند جمهرة المؤرخين وعلماء الاجتماع التقليديين الذين يفتقدون إلى الحس الفلسفي النقدي. فقد كانت قيمة الفلسفة لدى ابن خلدون قيمة منهجية أكثر منها قيمة نظرية تأملية؛ فهو لم يبحث فيما يجب أن يكون عليه المجتمع، بل فيما هو كائن فعلًا، وهو بذلك يقف على طرف نقيض من الفلسفة التقليدية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم