النزوح.. حين يقُتلع الإنسان من جذوره الثقافية
ليست الحرب في جوهرها تبادلًا لإطلاق النار بين متحاربين، ولا هي مجرد صراع على الحدود أو الثروات أو السلطة، بل هي قبل كل شيء ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد، تهدم عالم الإنسان الداخلي قبل أن تهدم المدن والقرى، وتعيد تشكيل المجتمع بأسره على نحو قد يمتد أثره إلى أجيال لم تشهد الحرب نفسها. فالرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما الحرب فإنها تغيّر معنى الحياة، وتبدل خرائط الذاكرة، وتقتلع الناس من أمكنتهم كما تُقتلع الأشجار من جذورها.
تداعت إلى ذهني تلك الخاطرة وأنا أستمع، إلى محاضرة الباحثة ريم برو بعنوان “الحرب وتداعياتها على مجتمع النزوح: قراءة في سوسيولوجيا الحرب”، في غرفة 19 الثقافية، وأدارتها الأستاذة إخلاص فرانسيس بكفاءة واقتدار. إذ لم تكن المحاضرة عرضًا أكاديميًا جافًا، بل كانت شهادة إنسانية نابضة بالحياة عن تجربة شخصية مرت بها الباحثة ريم النازحة من جبل لبنان إلى بيروت بعد إن شاهدت بإم عينيها بيت العائلة الكبير وقد صار أثرا بعد عين🥲 مع ريم امتزج التحليل العلمي بالتجربة الشخصية، فبدت السوسيولوجيا وهي تنصت إلى نبض الإنسان لا إلى الأرقام وحدها فالحرب لا تغيّر الحكومات فقط، وإنما تغيّر العائلات، والذاكرة، والهويات، وأنماط التضامن، وصور الخوف، وحتى اللغة التي يتحدث بها الناس عن أنفسهم وعن الآخرين. إنها تعيد إنتاج المجتمع على صورة الألم إذ ليس من السهل على إنسان أن يقتلع جذوره من أرضه الأولى، حيث الطفولة والذكريات واللغة والبيوت والقبور والأصدقاء. فالوطن ليس مجرد قطعة جغرافيا، بل هو ذاكرة وهوية وشعور عميق بالانتماء. ومع ذلك نرى ملايين البشر في عالمنا العربي يتركون أوطانهم بحثًا عن مكان آخر يمنحهم الأمان والكرامة وفرصة العيش الكريم والسبب في ذلك يعود في جوهره إلى غياب الدولة بمعناها الحقيقي.
ويعد النزوح ابرز نتائج الحرب السوسيولوجية فكثيرًا ما ننظر إلى النازح بوصفه إنسانًا غادر بيته، بينما الحقيقة أن النزوح أعمق من الانتقال من مكان إلى آخر؛ إنه اقتلاع الإنسان من شبكة كاملة من المعاني والعلاقات. فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا، بل تاريخ من الذكريات، وروائح الطفولة، وأصوات الجيران، وأسماء الموتى الراقدين في المقابر القريبة، والأشجار التي كبرت مع أصحابها، والطرقات التي تحفظ وقع خطواتهم. ولذلك فإن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تهدم البيوت فقط، بل تهدم الإحساس بالانتماء.
وأنا أستمع الى حديث الدكتورة ريم برو عن قصة نزوحها تذكرت ما سبق وأن كتبته عن تجربة النازحين في جنوب اليمن بسبب الحروب الإرهابية حينها دراسة بعنوان ( دراسة تحليلية: تفعيل دور المجتمع المحلي للحفاظ على السلم الاجتماعي) نشرت في صحيفة عدن الغد يوم الأربعاء 30 أكتوبر 2013م)
من يومها وانا مهتم في ظاهرة النزوح إذ لاحظت إن أكثر ما يؤلم في النزوح أن الإنسان لا يفقد مكانه فقط، وإنما يفقد جزءًا من هويته. فالمكان ليس إطارًا خارجيًا للحياة، بل أحد مكوناتها الأساسية. نحن لا نسكن المدن فحسب، بل المدن تسكننا أيضًا. ولهذا يشعر النازح، مهما أحسن الناس استقباله، بأنه يعيش في مكان لا يعرفه ولا يعرفه المكان. يصبح غريبًا حتى عن نفسه، وكأنه يحمل وطنه في ذاكرته ولا يستطيع العودة إليه فحين تغادر الأسر قراها ومدنها تتشقق شبكات القرابة، وتتبدل الأدوار الاجتماعية، وتنهار مصادر الرزق، وتضطرب أنماط التربية والتعليم، ويصبح المستقبل نفسه معلقًا بين ذاكرة لا تموت وواقع لا يستقر وتؤكد الدراسات النفسية أن كثيرًا من الناجين من الحروب يستمرون في العيش داخلها حتى بعد توقف إطلاق النار. فالحرب قد تنتهي سياسيًا، لكنها لا تنتهي في الذاكرة بسهولة. أصوات الانفجارات، ورائحة الدخان، وصور القتلى، ولحظة الهروب، كلها تتحول إلى ذاكرة حية تستيقظ مع أقل صوت أو مشهد مشابه. وهذا ما يعرف باضطراب ما بعد الصدمة، وهو في حقيقته ليس مرضًا فرديًا فحسب، بل ظاهرة اجتماعية تصيب مجتمعات بأكملها، فتورث الخوف جيلاً بعد جيل.
فكم من مدينة فقدت أبناءها، وكم من قرية أغلقت أبوابها، وكم من طفل كبر بعيدًا عن المكان الذي ولد فيه. ملايين اليمنيين لم يغادروا بيوتهم فقط، بل غادروا جزءًا من ذواتهم. لقد أصبح النزوح أحد أكبر التحولات الاجتماعية في تاريخ اليمن الحديث، ولم يعد مجرد أثر جانبي للحرب، بل صار بنية اجتماعية جديدة لها اقتصادها، وثقافتها، وعلاقاتها، ومشكلاتها.
إن الإنسان، كما قال أرسطو، كائن اجتماعي، لكنني أضيف: إنه أيضًا كائن مكاني. يولد في مكان، ويتعلم فيه أولى كلماته، ويكوّن فيه ذاكرته الأولى، ويمنح وجوده معنى من خلال علاقته بالمكان. ولذلك فإن اقتلاع الإنسان من أرضه يشبه اقتلاع الشجرة من تربتها؛ قد تبقى حية، لكنها تحتاج إلى زمن طويل حتى تستعيد قدرتها على الإثمار، وربما لا تستعيدها أبدًا فالمدن يمكن أن تعاد بناؤها في سنوات، أما الإنسان فيحتاج إلى زمن أطول كي يعيد بناء ثقته بنفسه وبالآخرين. إن أصعب ما تهدمه الحرب ليس الحجر، وإنما الإنسان.
وهذا يعني بان السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع الاتفاقيات، بل يبدأ بإعادة بناء الإنسان، وترميم الذاكرة الجمعية، وإحياء الثقة بين الناس، وإعادة الاعتبار لفكرة المواطنة، وبناء دولة عادلة يشعر الجميع في ظلها بأن القانون يحميهم بالتساوي. فلا يمكن لمجتمع خرج من الحرب أن يتعافى إذا بقيت أسبابه قائمة، وإذا ظل الخوف هو اللغة المشتركة بين أبنائه.
وربما لهذا السبب ظل سؤال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن السلام الدائم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فالتقدم التقني الهائل جعل الإنسان أكثر قدرة على التدمير، لكنه لم يجعله أكثر حكمة في تجنب الحروب. وما لم يتقدم الوعي الأخلاقي والسياسي بالسرعة نفسها التي يتقدم بها العلم، فإن العالم سيظل يحمل في جيبه هاتفًا ذكيًا، وفي يده الأخرى عود ثقاب قادرًا على إشعال الكوكب بأسره.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي خرجت به من الندوة: إن أخطر ما تفعله الحرب أنها لا تقتلع الناس من أوطانهم فحسب، بل قد تقتلع الأوطان من داخل الناس ذاتهم . وإذا كان بناء البيوت ممكنًا بعد كل حرب، فإن إعادة بناء الإنسان هي المهمة الأصعب، وهي وحدها التي تستحق أن تكون مشروع ما بعد الحرب، لأنها البداية الحقيقية لكل سلام دائم.
والوطن ليس مجرد مكان جغرافي، بل هو امتداد نفسي ووجودي، هو ذاكرة متراكمة من التفاصيل الصغيرة: طرقات الطفولة، وجوه الجيران، أصوات الأسواق، وحتى الحزن المشترك. لذلك، فإن التخلي عنه لا يحدث إلا عندما تصبح كلفة البقاء فيه أعلى من كلفة الرحيل عنه، وعندما يتحول الوطن نفسه من مصدر للأمان إلى مصدر للخطر.
هنا يمكننا وضع يدنا على الجرح الدامي المتمثل في مأساة غياب الدولة، لا بوصفها جهازًا إداريًا، بل بوصفها الإطار الذي يمنح الحياة معناها الممكن. الدولة، حين تكون حقيقية، ليست مجرد سلطة، بل منظومة حماية؛ هي ذلك الكيان الذي يضمن للإنسان حدًا أدنى من الاستقرار، ويمنحه شعورًا بأن حياته ليست عرضة للانهيار في أية لحظة. وعندما تغيب هذه الدولة، أو تتآكل مؤسساتها، أو تتحول إلى أداة صراع بدل أن تكون أداة تنظيم، فإن المجتمع كله يدخل في حالة سيولة خطرة، حيث لا يعود هناك ما يمكن الاتكاء عليه. نقصد بالدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات العامة التي تحتضن مواطنيها وترعى مصالحهم وتحمي سيادة أرضهم وتصون النظام العام. إنها تشبه الأم الحانية التي أنجبت أبناءها وسهرت على تربيتهم وخافت عليهم من الأخطار. ولهذا فإن الشعوب التي تعيش في كنف دول مستقرة تنام مطمئنة في حضنها كما ينام الطفل في حضن أمه غير أن الأمومة ليست مجرد عاطفة رومانسية كما يتصور البعض، بل هي أحد أعظم أشكال القوة الإنسانية. فالنساء غالبًا ما يكن أكثر صبرًا وصلابة ووفاءً في مواجهة الأزمات والمحن. فهن اللواتي حملن الأبناء في بطونهن، وسهرن على تربيتهم منذ كانوا مجرد احتمال في عالم الغيب، ولهذا يعرفن أكثر من غيرهن قيمة الحياة وثمنها الحقيقي وما أفدح أن ترى الأم أبناءها يسقطون في حروب عبثية، وما أفدح أن ترى الشعوب تعب أعمارها وثروات أوطانها تتحول في لحظة إلى دخان ورماد بسبب صراعات سياسية أو أيديولوجية لا معنى لها.
***
ا. د. قاسم المحبشي








