عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: هل مات المشروع الاشتراكي أم فشلت تجاربه فقط؟

الحديث عن الثورة الديمقراطية والديمقراطية الثورية ليس حديثا عن المفهوم نفسه. فالثورة الديمقراطية تشير إلى مشروع تغيير سياسي تحكمه حدود الديمقراطية القائمة ومؤسساتها، بينما تنطلق الديمقراطية الثورية من فكرة جعل الديمقراطية أداة مستمرة لإعادة تشكيل المجتمع وتوسيع المشاركة الشعبية. وبين المفهومين يكمن خلاف أعمق يتعلق بطبيعة التغيير وحدوده وأهدافه. امتلك اليسار خلال القرن العشرين مشروعا سياسيا واضحا. كانت الاشتراكية تمثل الهدف النهائي، وكانت الأحزاب اليسارية تطرح برامج واستراتيجيات محددة للوصول إليها. لم يكن هناك غموض كبير حول الوجهة، سواء اتفق المرء مع هذه الرؤية أو اختلف معها. فقد كان اليسار يقدم نفسه باعتباره بديلا تاريخيا للرأسمالية وقادرا على بناء نظام اقتصادي واجتماعي مختلف. لكن التحولات التي شهدها العالم منذ نهاية الحرب الباردة دفعت اليسار إلى مراجعة أسسه الفكرية. فمع انهيار التجربة السوفيتية وتراجع الحركات العمالية التقليدية وصعود العولمة المالية، فقدت الاشتراكية مكانتها بوصفها أفقا سياسيا جامعا. وحلت محلها مشاريع أكثر تواضعا تتحدث عن العدالة الاجتماعية والبيئة والديمقراطية التشاركية والإصلاحات الاقتصادية.

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في الخطاب، بل كان تعبيرا عن أزمة استراتيجية. فبدلا من امتلاك مشروع متكامل للمستقبل، أصبح اليسار يعتمد بصورة متزايدة على نقد الحاضر. وتحولت الراديكالية من السعي إلى بناء نظام جديد إلى معارضة السياسات النيوليبرالية وآثارها الاجتماعية والاقتصادية. وفي محاولة للخروج من أزمة التمثيل الاجتماعي، استبدل جزء من اليسار خطاب الطبقة العاملة بخطاب الشعب والديمقراطية الراديكالية. غير أن هذا التحول لم ينجح دائما في بناء قاعدة اجتماعية واسعة، بل أدى في بعض الأحيان إلى ضبابية سياسية جعلت اليسار عاجزا عن تحديد القوى الاجتماعية التي يمثلها أو طبيعة المشروع الذي يدافع عنه. ولا يمكن فهم تاريخ الاشتراكية من خلال التجربة الأوروبية وحدها. ففي إفريقيا وأمريكا الجنوبية ظهرت تجارب مختلفة ارتبطت بقضايا التحرر الوطني ومقاومة التبعية الاقتصادية. فقد رأت حركات الاستقلال الإفريقية في الاشتراكية وسيلة لبناء الدولة الوطنية وتحقيق التنمية بعد عقود من الاستعمار. كما شهدت أمريكا الجنوبية صعود تيارات يسارية سعت إلى مواجهة هيمنة النخب الاقتصادية والشركات الأجنبية وإعادة توزيع الثروة. غير أن هذه التجارب اصطدمت بواقع اقتصادي وسياسي معقد. فضعف البنية الإنتاجية، وهشاشة المؤسسات، والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، كلها عوامل ساهمت في إضعافها. ولذلك فإن اختزال فشل بعض التجارب في الاشتراكية وحدها يمثل قراءة تبسيطية، تماما كما أن اعتبار نجاح بعضها دليلا قاطعا على صلاحية الاشتراكية يمثل قراءة دعائية لا تقل تبسيطا. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن هذه التجارب فتحت نقاشا مهما حول العدالة الاجتماعية ودور الدولة في التنمية والسيادة الاقتصادية. كما أثبتت أن الرأسمالية ليست قدرا تاريخيا محتوما، وأن البحث عن نماذج بديلة كان جزءا من نضال شعوب الجنوب العالمي من أجل الاستقلال والتنمية. لكن اليسار لم يخسر معركته فقط أمام الرأسمالية، بل خسر أيضا جزءا من علاقته بالجماهير. فبعد أن كان مرتبطا بالحركات العمالية والنقابية والتنظيمات الشعبية، أصبح جزء كبير من خطابه محصورا في الجامعات والمراكز البحثية والدوائر الثقافية. وبدلا من أن يتحول إلى قوة اجتماعية واسعة، أخذ يتحول تدريجيا إلى تيار نخبوي محدود التأثير.

ولا يزال نقد الديمقراطية الليبرالية جزءا أساسيا من الفكر اليساري. فوجود الانتخابات والمؤسسات التمثيلية لا يعني بالضرورة وجود سلطة شعبية حقيقية، خاصة في ظل النفوذ المتزايد لرأس المال والشركات الكبرى على القرار السياسي. غير أن النقد وحده لا يكفي. فالمشكلة الأساسية التي تواجه اليسار اليوم ليست في قدرته على تشخيص أزمات الرأسمالية، بل في عجزه عن تقديم بديل واضح ومقنع. إن أزمة اليسار المعاصر هي في جوهرها أزمة مشروع تاريخي. فقد تراجع اليقين القديم، لكن البديل الجديد لم يتشكل بعد. وبين الحنين إلى ثورات القرن العشرين والبحث عن أشكال جديدة للديمقراطية والمساواة، ما زال اليسار يعيش مرحلة انتقالية طويلة لم ينجح حتى الآن في تجاوزها. ولذلك يبقى السؤال مفتوحا: هل يستطيع اليسار إنتاج مشروع جديد يتجاوز إخفاقات الماضي وأزمات الحاضر، أم أنه سيبقى أسير النقد الدائم دون امتلاك القدرة على بناء بديل سياسي واجتماعي قابل للحياة؟.

***

زكريا نمر