قضايا
علي عمرون: الفيلسوف والطاغية
كيف يتحوّل الصراع على الوجود إلى حرب على المعنى
فرش اشكالي: يروي المؤرخ الإغريقي بلوتارخ أن أفلاطون ركب البحر قبل ميلاد المسيح عليه السلام بأربعة قرون متجهاً إلى سرقوسة، ذهب ليحوّل طاغية صقلية ديونيسيوس إلى فيلسوف. كان يفكر في تحويل السلطة إلى حكمة، والتأسيس لدولة المدينة الفاضلة. انتهى اللقاء بكارثة، فالطاغية لم يصر فيلسوفاً لأنه كان غارقا في بحر الظلمات والشهوات، والفيلسوف كاد يُقتل، انتهى الحال بأفلاطون في سوق العبيد اشتراه أحد تلاميذه وأعتقه. عاد إلى أثينا، وكتب أن الشرور لن تنتهي ما لم يحكم الفلاسفة أو يتفلسف الحكام. وفي بغداد عام 922 للميلاد صُلب الحلاج، كان صوفياً يردد مقولته «أنا الحق». اتهم بانه يسعى لتأسيس سلطة روحية تنافس سلطة الخليفة. وفي قرطبة أواخر القرن الثاني عشر ميلادي، أُبعد ابن رشد عن البلاط واتهم بالزندقة. الفيلسوف الذي قال إن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له»، وجد نفسه متهماً. أُحرقت كتبه، لم يُقتل جسده، لكن حوكم وسجن فكره. وفي حلب عام 1191، قتل السهروردي كان في السادسة والثلاثين، مفكر شديد الذكاء واسع الأفق صاحب كتاب حكمة الإشراق، كان يردد أن الحكيم المتأله هو خليفة الله، وأن الزمان إذا حكمه هذا الحكيم صار نوريا، وفي زمننا هذا، كان اللقاء بين ألكسندر دوغين وهو فيلسوف روسي والفيلسوف والسياسي علي لاريجاني. وعندما اغتيل لاريجاني لاحقاً، كتب دوغين: «لقد خضت معه حواراً فلسفياً .… كان لاريجاني حكيماً وعميقاً. لماذا تقتلون الفلاسفة؟ ونحن نتساءل بدورنا:
- لماذا يستبعد الطغاة الفلاسفة من دائرة السياسة والحكم؟
- ما الذي يعنيه أن تتحول رؤية فلسفية إلى مشروع بناء دولة؟
- كيف تفسر ثنائية النور والظلام ما يجري من حروب وتوترات في العالم؟
- لماذا يقصي الغرب اليوم الفيلسوف من المختبرات العلمية؟
- هل يمكن للفلسفة ان ترفع البرازخ التي تحول دون اشراق الحكمة؟
أنطولوجيا النور والبرزخ
عندما أتمّ السهروردي كتابة مؤلفه الأساسي «حكمة الإشراق» في يوم 28 جمادى الآخرة سنة 582 هجرية (الموافق لعام 1186 ميلادية) في ذلك اليوم، لم يكتمل كتابه فحسب، بل تحددت معالم فلسفة كاملة في بعدها المعرفي والوجودي، وكذا السياسي، مغايرة للفلسفة المشّائية في بعض جوانبها والتي كانت سائدة في عصره ممثلة في فلسفة ابن سينا. لقد بنى السهروردي كونًا كاملًا من فكرة واحدة، بسيطة ومرعبة في آن: كل ما في الوجود نور والنور هو الجوهر الوحيد للوجود. كل شيء موجود لأنه مضيء بدرجة ما. لا فرق في الماهية بين حجر وشجرة وإنسان ومَلَك، بل فرق في درجة الإشراق وحدها. ينبثق الوجود كله من نور الأنوار -الله- في فيض متدرج: من العقول المحضة إلى النفوس إلى الأفلاك إلى الموجودات الأرضية. الأنوار العليا قاهرة للأنوار الدنيا: تفيض عليها بالوجود والمعرفة. والأنوار الدنيا عاشقة للأنوار العليا: تتوق إلى الاتصال بها.
وفي هذا النظام الكوني البديع، لا وجود للظلام ككيان قائم بذاته. الظلام ليس شيئًا. الظلام هو برزخ حاجز، ساتر، غشاء يعترض فيض النور فيمنعه عن الوجود أو الوعي. البرزخ ليس عدوًا ميتافيزيقيًا. إنه العائق الذي يحجب، لا القوة التي تخلق. الأشياء لا تقسَّم إلى خيّرة وشريرة، بل إلى ما بلغه النور وما حُجب عنه.
هذه الثنائية -النور والبرزخ- ليست مجرد تصنيف نظري. إنها تحمل في طيّاتها نظرية في المعرفة ونظرية في السياسة معًا. فإذا كانت المعرفة إشراقًا، فإن الحاكم الحقيقي ليس من يمتلك القوة، بل من يمتلك النور. السهروردي يسميه الحكيم المتأله الذي جمع بين الحكمة النظرية والذوق الصوفي، يرى الحقائق مباشرة. هذا الحكيم إذا تولى الحكم، صار الزمان نوريًا. أما إن غاب، وخلفه الطاغية، والفقيه الفقي، والمتاجر بأموال الشعب والعسكري المستبد فإن الزمان يصير برزخيًا.
من الممكن أن نلاحظ وفق استقراء تاريخي هذا التوتر بين الفلسفة والطغيان فطاغية صقلية ديونيسيوس كان واعياً لخطورة الفلسفة وحجم تهديد أفلاطون، لكن برازخ الظلمات وعفن اللذة، كان يحجبان نور الحقيقة، ولو قدر لفلسفة افلاطون ان تتجسد بظهور انوار الحكمة من مشكاة الحق لظهرت التناقضات وتداعى حكم الطغيان. وهذا ما حدث للسهروردي نفسه. كان خطره ليس في كفره المزعوم، بل في نظريته السياسية التي تقول إن الحكم يجب أن يكون لمن يرى النور، لا لمن يرث العرش أو يمتلك السيف.
واليوم لكي نفهم مأساة حاضرنا وتوتر العلاقات الدولية وهذه الحروب، علينا أن نبدأ من اللحظة التي تجمد فيها الزمن سنة 1979 في فيفري من ذلك العام، أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه محمد رضا بهلوي، وأعلنت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. وصف ميشيل فوكو هذه الثورة بأنها "الأكثر حداثة والأكثر جنوناً". لم تكن ثورة على نظام سياسي فحسب، بل كانت ثورة على مفهوم الحداثة الغربية ذاته. لقد أكدت أن الدين والهوية والأيديولوجيا الثورية يمكن أن تكون أساساً للحكم. وفي نوفمبر، اقتحم طلاب السفارة الأمريكية في طهران، محوّلين الدولة التي كانت أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة إلى عدوها اللدود. وفي الشهر نفسه، غزا السوفييت أفغانستان. كان العام 1979 زلزالاً. لكنه في العمق كان زلزالاً أنطولوجياً: لقد وُلد نظام يرى نفسه "نوراً" في مواجهة "ظلام" الغرب المادي. ومنذ ذلك اليوم، دخلت إيران والولايات المتحدة في حرب وصفها المؤرخان إبراهيم المرعشي وتانيا جودسوزيان بأنها "حرب الخمسين عاماً" – حرب لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.
الفلسفة التي صارت دولة
لم يكن صعود الفلسفة في إيران المعاصرة أمراً سهلاً. يروي الباحث محمد الصياد كيف واجه العلامة محمد حسين الطباطبائي، رائد إحياء الدرس الفلسفي في حوزة قم، عنتاً شديداً من المرجع الديني الأعلى حين أراد تدريس "الأسفار الأربعة" لصدر الدين الشيرازي. كانت الحوزة التقليدية تنظر إلى الفلسفة بريبة وعداء. لكن الطباطبائي أصر، وأسس حلقة فلسفية ضمت خيرة العقول التي ستشكل أعمدة النظام: مرتضى مطهري، جواد آملي... وغيرهم.
الأكثر دهشة هو التوليفة التي ورثها الخميني عن مدرسة "الحكمة المتعالية": مزج بين فقه الأصوليين وعرفان ابن عربي وإشراق السهروردي. يسميها الصياد "العرفان القزلباشي"، نسبة إلى مقاتلي الصفويين الأوائل، إنه عرفان ثوري لا مهادن، عرفان يحمل السيف مع السبحة. هذه التوليفة هي التي جعلت من الممكن أن يصبح الفقيه عارفاً، وأن يرتدي السياسي رداء القديس. لقد صارت الفلسفة جهازاً لإنتاج الشرعية، وتحول "الإشراق" من حالة صوفية فردية إلى مشروع دولة.
ما يعنينا هنا هو ما يترتب على ذلك في السياسة الخارجية. إذا كانت إيران دولة "نورانية" بالمفهوم الإشراقي، فإن كل من يقف ضدها ليس خصماً سياسياً، بل هو "برزخ ظلماني" يحجب النور. أمريكا وإسرائيل ليستا قوتين عظميين لهما مصالح متضاربة مع طهران، بل هما حجب مادية تقف في وجه تدفق الإشراق. السياسة الخارجية الإيرانية، إذن، ليست إدارة مصالح، بل إدارة وجود.
والصبر الاستراتيجي الذي طالما أذهل المحللين الغربيين ليس تكتيكاً، بل لاهوت. الزمن الإشراقي هو زمن الانتظار والرجعة. التضحية ليست هزيمة، بل إثبات أن النور لا يُقهر.
لكن من الخطأ تصوير إيران ككتلة واحدة. فهناك، داخل الحوزة نفسها، تيار تجديدي يقوده فلاسفة مثل عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري، يحاول تفكيك البرازخ من الداخل. يحذر سروش من أن احتكار الدولة للثقافة "يُشرعن العنف"، داعياً إلى فصل الدين عن قبضة السلطة. هؤلاء يمثلون "النور الإيراني الآخر"، الذي يرفض أن يكون النور محتاجاً إلى القهر.
مختبر البرازخ المادية
إذا كانت إيران تمثل "البرازخ المؤسّسة" (البرازخ التي تحولت إلى فلسفة دولة)، فإن غزة هي "مختبر البرازخ المادية". هناك، في القطاع المحاصر، تتحول الأفكار إلى قنابل، والميتافيزيقا إلى فوسفور أبيض يحرق اللحم حتى العظم.
في كتابه "غزة: بحث في استشهادها"، يوثق نورمان فنكلستين أن ما جرى ليس حرباً بالمعنى التقليدي، بل هو عملية ممنهجة لخنق الحياة. يكشف "الكذبة الكبيرة": إسرائيل تتعمد انتهاك وقف إطلاق النار لاستفزاز رد فعل يتيح لها شن هجوم مدمر. إنها سياسة "ردع العرب" التي لخّصها أرئيل شارون: "سلاحنا الرئيسي هو الخوف منا".
بلغة السهروردي، هذه هي سياسة "القهر". في عملية "الرصاص المصبوب" وحدها، دُمّر أكثر من 58,000 منزل، ومئات المدارس والمصانع، وانقطع الكهرباء عن مليون إنسان. الفوسفور الأبيض استُخدم في مناطق مدنية مكتظة. الادعاء بأن حماس تستخدم "دروعاً بشرية" فنّدته منظمة العفو الدولية، بينما وثّقت أن الجيش الإسرائيلي نفسه استخدم مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية. هذه هي البرازخ: الأكاذيب التي تحجب الحقيقة، الحصار الذي يخنق الحياة، الصمت الدولي الذي يتفرج.
وهنا، في هذه الغرفة المغلقة من الألم، تتجسد "قصة الغربة الغربية" التي كتبها السهروردي: الروح الإنسانية المسجونة في عالم المادة المظلم، تتوق إلى نورها، لكن البرازخ تحاصرها من كل جانب.
كيف أُقصي الفيلسوف من مختبر الحرب
الحرب الجارية بين أمريكا وإيران فتحت أعين العالم على حقيقة مدهشة. إن كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين في إيران متجذرون بعمق في الفلسفة الأخلاقية. كان هذا بالضبط هو الحال الفكري للعالم الغربي بأسره قبل مشروع مانهاتن.
قبل أن تُفجَّر أول قنبلة ذرية، كان من شبه المستحيل أن تجد عالماً أوروبياً لم يدرس إيمانويل كانط بعمق. أينشتاين كان يقرأ "نقد العقل المحض" وهو في الثالثة عشرة. نيلز بور، روبرت أوبنهايمر، وأقرانهم، لم يكونوا مجرد آلات حساب بشرية، بل عمالقة متشبعين بالفلسفة. إن الفصل الصارم الذي وضعه كانط بين العلم التجريبي ونظرياته الأخلاقية شكّل بوصلة أساسية، ربطت البحث العلمي بضمير الإنسان.
لكن القنبلة الذرية لم ترَ النور إلا لأن الجيش الأمريكي روّع العلماء بدعاية وجودية مفادها أن هتلر على وشك امتلاك سلاح نووي. حتى في ظل هذا الذعر، أُبعد أينشتاين عمداً عن التفاصيل، لأن الدولة أدركت أن الفيلسوف الصارم والمسالم لا يمكن تحويله إلى أداة.
بعد أن غطى الرماد المشع هيروشيما وناغازاكي، ثار ضمير المجتمع العلمي. سبعون عالماً وقّعوا عريضة يناشدون الرئيس عدم استخدام القنبلة ضد المدنيين. أوبنهايمر نفسه وقف أمام ترومان وقال: "أشعر أن يديّ ملطختان بالدماء". لكن المؤسسة العسكرية استخلصت درساً مخيفاً: العلماء الذين يمتلكون ضميراً يشكلون خطراً. الفيزيائيون الذين يفكرون كفلاسفة، والذين يجرؤون على التساؤل عن سبب بناء سلاح ما، يمثلون تهديداً وجودياً للأمن القومي.
وجاء الرد سريعاً ومنهجياً. بعد الحرب العالمية الثانية، ضخت الدولة مليارات الدولارات في المجتمع العلمي، لكن التمويل جاء مشروطاً: فقط "للعلوم التطبيقية". أُعيد تشكيل المناهج. أُزيلت الفلسفة والتاريخ من كتب الفيزياء. استُبدلت بالمعادلات الجافة والبراغماتية الباردة.
هذا "الاستئصال المتعمد" هو السبب في أن معظم الابتكارات العلمية اليوم موجّهة نحو تطوير أسلحة مدمرة للحياة. وهو ما يفسر كيف يمكن للمنظومة العلمية في الغرب أن تتجاهل بسهولة استخدام الطائرات المسيّرة في ارتكاب فظائع ميكانيكية في غزة واليمن.
هنا تكمن المفارقة اللاذعة: الدولة التي يراها الغرب "محور شر" هي التي لا تزال تحتفظ بالفيلسوف داخل المختبر. والدولة التي ترى نفسها "محور خير" هي التي أقصت الفيلسوف من مختبرها.
العرّاف الذي رأى الهاوية ولم يفهمها
في مقابل هذا العجز الفلسفي الغربي، ظهر صوت مختلف: المؤرخ الصيني الكندي شيوكين جيانغ. في محاضرة عام 2024، تنبأ بدقة بعودة ترامب وبدء مواجهات مع إيران. لكن تحذيره الأخطر كان عسكرياً: إيران، بتضاريسها الجبلية وعقيدتها القتالية، ستتحول إلى "مستنقع استراتيجي" يبتلع أي قوة برية. إنها "مقبرة الإمبراطوريات".
جيانغ محق في تشخيصه. لكنه لا يرى ما لا تستطيع البراغماتية أن تراه: إيران ليست مستعدة لحرب استنزاف فقط لأن لديها جبالاً، بل لأن لديها لاهوت صبر وفلسفة تجعل من التضحية قيمة. وفي أفريل 2026، نشرت الغارديان رسالتين قصيرتين، لكنهما تحملان تشخيصاً أخلاقياً ثاقباً. كتب روب سيموندز: "منذ 1945، مثّلت أمريكا رؤية الغرب للثروة والنفوذ القائمين على الملكية المادية. أما إيران، منذ 1979، فقد بنت نظاماً على عقيدة متجذرة... ما نشهده هو محاولة للقضاء على أيديولوجية بتدمير الأفراد والممتلكات. لكن الأيديولوجية لا تُهزم إلا بأفكار أكثر تماسكاً وأخلاقاً". وكتب ديفيد فلينت: "ترامب لا يفهم قادة إيران لأنه يفتقر إلى المبادئ. لا شيء يدفعه للتضحية بنفسه. هذا ما يجعله غافلاً عن دوافع خصومه".
وكتخريج عام نعود لسؤال لماذا يُقتل الفلاسفة؟ ربما كان الجواب أبسط وأقسى مما نظن. الفلاسفة يُقتلون لأن نورهم يفضح الجميع. يقتلهم المستبدون لأنهم يكشفون هشاشة سلطة لا تستند إلى الحق. تقتلهم الإمبراطوريات لأنها تدرك أن أمة تمتلك عقلاً متوهجاً لا يمكن إخضاعها بالمدافع. ويقتلهم الغوغاء لأن النور يؤذي عيون من اعتادوا العتمة.
حين يُقتل فيلسوف، لا يخسر العالم رجلاً، بل يخسر مساحة من النور. وحين تسقط غزة، لا يخسر العالم مدينة، بل يخسر قدرة على الإشراق. وحين تتحول إيران إلى ساحة حرب، لا يخسر العالم دولة، بل يخسر إمكانية أن تتعايش أنطولوجيات مختلفة.
نور الأنوار، كما قال السهروردي، لا يُحجب إلا بالبرازخ التي نصنعها نحن بأيدينا. وفي أيدينا -فقط في أيدينا- أن نرفعها. ربما كان هذا هو الدرس الوحيد: أن السلام ليس اتفاقاً بين جيوش، بل هو استعادة للقدرة على رؤية النور في الآخر، حتى حين يبدو -للوهلة الأولى- ظلاماً ففي إحدى ليالي حلب، عام 1191، وقف السهروردي أمام سجانيه وسأل: "هل هذا يستحق؟". لا نعرف ماذا أجابوه. لكننا نعرف أنهم قتلوه.
***
الأستاذ عمرون علي







