في أعماق كل إنسان قبو مظلم، رطب، يتردد فيه صدى صرخة طفل. لم نتركه هناك بالصدفة. أغلقنا الباب، رمينا المفتاح، وصعدنا إلى عالم النور نبتسم. كان الطفل جريحاً، مثخناً بالجراح التي لم نجرؤ على النظر إليها. كان يمثل كل ما رفضناه في أنفسنا: الضعف، الحاجة، الخوف الوجودي، الرغبة المتوحشة في أن يُحب دون شرط. فتركناه ينزف.
ثم، بعد سنوات، عندما نسمع خطوات ثقيلة تتردد من تحت الأرض، نندهش. الطفل لم يمت. لقد تحول إلى وحش.
العقد التي نكرهها ونعشقها في الوقت ذاته
العنوان ليس مجرد تناقض بليغ، بل هو تشخيص دقيق للحالة الإنسانية. نحن لا نتخلص من عقودنا — سواء كانت علاقات سامة، وظائف تخنق الروح، هويات زائفة، أو حتى أنماط تفكير مدمرة — لأننا، في أعماقنا، لا نريد ذلك حقاً. العقد ليست مجرد قيود خارجية؛ هي امتداد للطفل الجريح الذي ما زلنا نرفض مواجهته. نحبه بطريقة مرضية، لأنه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
يصف كارل يونغ هذا الطفل بـ”الظل” (the Shadow). ليس الشر المطلق، بل كل ما نفيناه لكي نكون “مقبولين”. الطفل الذي تركناه في القبو يمتص الطاقة، ينمو، يشوه نفسه. ثم يبدأ في السيطرة: يجعلنا نعود إلى الشخص الذي يؤذينا، يدفعنا نحو الإدمان الذي يخدر الألم، يهمس لنا أن الحرية مخيفة أكثر من السجن المألوف.
في مقاله الشهير “The Wound and the Bow”، يستعير إدموند ويلسون أسطورة فيلكتيتس — الجندي الذي يحمل جرحاً لا يلتئم، لكنه يمنحه قوة قوسه السحري. الجرح هو مصدر القوة والعذاب معاً. نحن نرفض شفاء الجرح لأننا نخشى أن نفقد القوس. العقد تصبح هويتنا. “أنا الذي يتحمل”، “أنا الوفي رغم كل شيء”، “أنا الذي يفهم الوحش بداخله”. هذه السرديات تعطينا إحساساً بالعمق والتميز، حتى لو كانت تدمرنا.
لماذا نحب الوحش؟
الإجابة تكمن في الطفولة المتروكة. الطفل الجريح تعلم أن الحب مشروط. فتعلم أن يحول نفسه إلى ما يُحب: الضحية، المنقذ، الثائر، المهمل، الذكي الذي يخفي ألمه بذكاء. عندما يكبر هذا الطفل إلى وحش، يصبح هو العقد نفسها. نحن لا نكسرها لأن كسرها يعني مواجهة الفراغ الذي خلفه الطفل. الوحش، على الأقل، يملأ الفراغ. يعطينا دراما، معنى، قصة نرويها لأنفسنا وللآخرين.
في علم النفس المعاصر، يتحدث بيسيل فان دير كولك في كتابه “The Body Keeps the Score” عن كيفية أن الصدمات لا تُخزن فقط في الذاكرة، بل في الجسد والسلوكيات المتكررة. الوحش ليس غريباً عنا؛ هو نحن عندما نرفض أن نكون كاملين. هو النسخة التي ما زالت تطالب بالحب الذي لم تحصل عليه، حتى لو كان الحب الآن مؤلماً أو مدمراً.
نرى ذلك في العلاقات: المرأة التي تبقى مع الرجل الذي يجرحها لأنه “يفهم جروحها” (أي يعيد تمثيلها). الرجل الذي يعود إلى العمل الذي يكرهه لأنه يؤكد له “أنا مسؤول”. المبدع الذي يعشق آلام الإبداع المزمنة لأنها تذكره بأنه حي.
مواجهة الطفل: الطريق الوحيد للحرية الحقيقية
التحرر الحقيقي ليس عنفاً على الوحش، بل إعادة احتضان الطفل. يونغ مرة أخرى: “ما لم يصبح اللاواعي واعياً، سيظل يوجه حياتك وستسميه القدر”. يجب أن ننزل إلى القبو، نجلس مع الطفل الجريح، نسمع صراخه دون أن نهرب. لا نقتله، ولا نتركه يسيطر. نحاوره.
هذا الحوار مؤلم. يتطلب شجاعة نادرة في زمن يبيع فيه العالم “الشفاء السريع” و”التحرر بالتأكيدات الإيجابية”. الشفاء الحقيقي بطيء، غير مريح، ولا ينتهي أبداً تماماً. لكنه الوحيد الذي يحول الوحش من سيد إلى حليف.
عندما نفعل ذلك، نكتشف شيئاً مذهلاً: العقود التي كنا نعتقد أننا نحبها لم تكن سوى أوهام. الحب الحقيقي للذات يسمح بالرحيل دون كراهية. يسمح للطفل أن ينمو، لا أن يتحول إلى وحش.
خاتمة: أنت تحبها… فماذا الآن؟
أنت لا تتحرر من عقدك لأنك تحبها. هذا صحيح. لكن السؤال الأعمق: هل تحب الطفل الذي داخلها؟ هل أنت مستعد أن تنزل إلى القبو الآن، وأنت بالغ، وتحمله على كتفيك إلى النور؟
الوحش ليس عدونا. هو رسول. يخبرنا أن هناك طفلاً ما زال ينتظر. وفي لحظة الاعتراف به، يبدأ التحرر — ليس بالكسر العنيف للأغلال، بل بتحويلها إلى جسور.
في النهاية، الحرية ليست غياب العقود. الحرية هي اختيار العقود التي تستحق أن تُحب، بعد أن تكون قد أحببت أولاً الطفل الذي كان يريد فقط أن يُرى.
***
بقلم: ذ يونس الديدي - باحث أكاديمي








