الحداثة مفهوم حضاري مستقبلي الطبيعة لان زمنها متجه نحوه المستقبل وشمولي النطاق للوجود الانساني في مجال (التقنيات) والاقتصاد و السياسة و الإدارة و الثقافة و وهي شديدة الارتباط بالفلسفة التي انتجتها (فلسفة العلم) على انها بنية فكرية تشتمل على تحولات عديدة فلسفيا وابستمولوجيا ومن سماتها انها لا تحدث دفعة واحدة بل بالانتقال من النمط التأملي للمعرفة الى النمط التقني المتدرج وتتمسك بإعمال العقل بمعناة الحسابي كما يرى هيد جر فالمنهج يكتسب منها أهمية قصوى لإنتاج معرفة تقنية لان عقل الحداثة عقل اجرائي تجزيئي.
وتؤمن الحداثة بان التاريخ سيرورة (processes) وصيرورة أي المسار الحتمي الذي تحكمه عوامل ملموسة، وعليه فأن التاريخ حسب (ليوشتروس) سيكون وسيطا بين الواقع والمثال، مقابل نزعة سلفية ترجع كل شيء للتاريخ وقد انتج التأمل الحداثي في اوربا النهضة الاوربية و الإصلاح الديني ونقد المعرفة التقليدية، اما هيجل فانة اول من طرح فكرة القطيعة مع التراث المعرفي التقليدي، لان عصر الحداثة هو العصر الذي اختل به التوازن بين معرفة الماضي و معرفة المستقبل ولا يستمد معياره من التراث والماضي، بل ينادي المتحمسون بقطيعة جذرية وكاملة مع التراث والفكر التقليدي، وعلى مستوى انتاج المعرفة فالحداثة ترى ان الانسان قيمة مركزية وترجع كل المعرفة الى الذات المفكرة والعقل والإرادة الحرة وسماتها الفلسفية
لانها تتمتع بالفردانية و النقدية و التأمل البرهاني و تقبل الاخر والاحتكام الى منطق النسبية المعرفية وقد تأثرت بالحداثة النزعة البروتستانتيه التي ربطت بين الايمان الديني والتفكير الشخصي، اما العقلانية المطلقة فتعني رجوع كل شيء للعقل واسموها بـ(مبدأ السببية) لكنها عقلانية أداتية صارمة، واحيانا يصل بها الحال الى غياب المعنى، ولعلها تغيّب فكرة المقاصد الوجودية ويتحول العلم فيها الى اداة اجرائية للسيطرة على الانسان والطبيعة، وينمو في ظله غياب التراحم والعطف وصولا الى تشكل عالم صارم ورقمي، خال من القيم الروحية او القيم خارج الطبيعة الحسابية.
ان المشكل مع ثقافات الشعوب والأمم ان فكر الحداثة حينما يصطدم بالمنظومة التراثية التقليدية لأي ثقافة فانه يولد تمزقات وتشوهات ذهنية وحالة فصام وجداني وذلك لصلابة المنظومتين ويلاحظ ان الدعوة الى الحداثة تكشف عن انها لا تقل عنفا عن الدعوة للسلفية فهي تمارس فرض اراداتها بقسوة فقد رافقت الاستعمار الكلاسيكي مطلع القرن الماضي وهيمنته لكنها تغلف العنف برحيق اللطف، وتداعب الخيال، وتلجا الى الاغواء والاغراء وتتميز في وسطنا العربي والإسلامي بأساليبها الناعمة والحالمة ومن التعمق فيها يظهر:
انها حداثه براتيه وليست وجدانية للاسف جاءت مع الاستعمار والأجانب المعتدين، مغموسة في غربتها واغترابها، واستلاب هويات الشعوب الحضارية وهي عنيفة في فعلها التفكيكى لتراثنا برمته الصالح منه والطالح من دون تمييز يختلط فيها التحرر من الاساطير لكن مع السيطرة على المقدرات، فهي تنقد التراث الذي تسمية بالماضي، لتكبله بالحاضر و تقدم الحداثة نفسها على انها نمطية حتمية ونهاية للتاريخ ويلاحظ انها منذ قرن لعلها تراوح بين الاندماج التلقائي وردود الفعل التراثية المتصاعدة في عنفها، ولعلها كانت سببا في تحول الإسلاميين من العقلانية الى الجهادية، والأكثر خطورة انها تتمسك بطابعها الكلي (أي انها كل لا يتجزأ) فأما ان تؤخذ كلها او تترك كلها، وانها أداة تقدم ذات سمة صراعية أي انها لا تجري في افق معرفي بل في سياق الهيمنة للغرب وكما شهد عالمنا العربي والإسلامي فشل تجارب الإسلاميين فقد عرف مؤخرا تجارب الليبرالين والحداثيين الفاشلة أيضا والتي اتسمت باختلالات في توزيع الثروة، و الاغتراب الثقافي، والسطحية الشعبوية والخطاب التحريضي والنزعة السلطوية التي اجهدت المؤسسات في فهم حقيقتها و محاولة التزاوج الهجين بين الحداثة والتقاليد ولم توفق دعوة الحداثة الى مشروع نهضوي شامل ينطلق من الواقع العربي لوضع العرب على سكة التاريخ والتمدن، ففي المجال السياسي من مشروعها انها لم تحقق (حياة سياسية برلمانية صادقة ومستقرة) انما نموذج شكلي تطبق فيه ما يحقق مصالح سدنة الحداثة وهي مثل شكليات الإسلاميين الذين ينتقون ما يحقق مصالح الجهاديين فيطرحونها على انها حقائق نهائية فتداخلت مع النصوص سلطتهم في وضع الدساتير ولوائح الحقوق، فلا يزال الاستبداد السياسي في جوهره قائما رغم اختلاف السلوكيات مثل (نموذج الحزب الواحد)، والراي الواحد، واقصاء العلماء والكفاءات.
صحيح انهم استعانوا بالتقنيات العصرية ورداء الأيديولوجيات، الا انهم حقيقة كانوا وراء نكسات عديدة في مصر ولبنان وسوريا والجزائر وتونس، وكانوا وراء عسكرة النظم السياسية وفي المجال الاقتصادي فقد فشلت دعوى الحداثة العربية في إقامة نظام اقتصادي كفوء مندمج بالأسواق العالمية انتاجا واستهلاكا ولم يحققوا تنمية متوازنة، ولا تقدم في الشأن الإنساني والتقني وقد انتشر الفساد في اروقة (النماذج الحداثية) بشكل لافت فقد اخفقوا في الحد منه ومن استغلالهم للموارد العامة كما اخفقوا في مواكبة التطور الرقابي وهم أحوج الناس اليه
اما الشق الاجتماعي فهوا الأكثر ضرارا فالبطالة، والهجرة المحمومه للغرب، والعنف الذي ظهر كرد فعل على الفكر الحداثي وتدني الشعور بالمسؤولية الاجتماعية جراء الفردانية التي هي من أسس الحداثة وانتهاك (القوانين والنظام العام) كان بسبب الفهم العقيم للحريات، وتدني المستوى الثقافي، وتدني مخرجات التعليم، وسبب ذلك لان (للحداثة الغربية) صيرورة اوربية تدرجت وخلقت وعيا تاريخيا عندهم، فجاء الحداثيون العرب فاستوردوه وطبقوها دون الاهتمام باختلاف الصيرورات، وتدرجات الوعي، ومخرجات التاريخ
وما يختلف به القهر السياسي والاجتماعي بينهم وبين التراثيين انه عند الحداثيين يجري بأساليب ناعمة بينما عند الجهاديين يتم بأسلوب متوحش، ولا بد من لفت الانتباه الى ان الحرية التي يطالبون بها لم تطبق في المجال الاكاديمي انما انشغل الحداثيون بمعركتهم مع التقليديين فغاب الابداع والابتكار وبقينا نستهلك التقنية من الغرب ثم يعيرون خصومهم بانهم يأكلون ويعيشون بمنجزات الغرب وفي نفس الوقت يشتمون الحضارة الغربية.
لنكن شجعانا ونعلن ان تجارب الحداثيين قد أخفقت في عالمنا العربي بتوفير الشروط الأساسية لاستيعاب جديد الثقافة التراثية برؤية نقدية انتقائية للصالح منها للنهوض واستيعاب نقدي لثقافة التمدن الأوربي وفصل التقني عن القيمي والأخلاقي
لقد اغفل الحداثيون تعمدا معرفيات وقيم كثيرة اشتمل على تراث المسلمين الفكرية وهي لا تتناقض في جوهرها مع مدعيات العلمانية والحداثة مثل اراء ابن رشد والفارابي وأفكار المعتزلة ووحدوا بين تقنية الغرب وثقافتها واعتبروهما شيئا واحدا لها نطاق كوني واحد، وليست القيم مقومة بشكل خصوصي للغرب، والتقنية تراث مشترك واغمضوا عيونهم عن كل العناصر السلبية للحداثة ورفضوا مفردات أساسية مثل (تاريخ المعرفة الإسلامية) وعظمته (وحضارة المسلمين) واعتبروها فقط هباء بل عدوها اس التخلف وسببه الرئيسي
ان تكريس الاستلاب لا يحقق تقدما ولا تكييفا بين التراث والحداثة الحقيقية كما حصل في (اليابان /ماليزيا) فقد مارسوا نقد للتراث، ولكن اصحابنا امتنعوا ان يمارسوه للحداثة نفسها ان منطق العالم الحديث يقتضي التميز بين الذاتي (التراث الحضاري) والموضوعي (التقدم الغربي التقني) تمييزا يتقيد باثر الصيرورات ثم انهم لم يهتموا بظاهرة خطيرة وهي ان الثقافة التقليدية ارسخ في النفوس ولم يعالجوها بادماج الحداثة في نسيجها وبدل ان ينتجوا نموذجا حضاريا يجمع قيمنا وتراثنا مع حداثه التمدن،فقد جعلوا سجالنا بين ثقافتين متعارضتين ومزقوا بوصلتنا، بل انهم اوغلوا في مهمة التذويب والاستلاب وخلق السجال بالصراع بين الامة وحاضرها، والحال ان ما يطلبه الحداثيون لحصول التلاؤم بين تراثنا ومعطيات الحداثة يستلزم ان نطالب الحداثة ان تفكر باحترام واستيعاب التراث وهذه المعادلة التاريخية هي (الرهان الصعب)
في الختام ثمة أسئلة تظهر من ثنايا هذا السجال ومنها:
- ما مدى ملائمة الحداثة الغربية للتراث الاممي للإنسانية؟ وما مدى تقبل فكر الحداثة لعموم ثقافات الأمم
- وهل تقبل الشعوب الواعية مفاهيم الحداثة التي تزيح تراثهم الثقافي والفكري ومدنيتهم وتتسبب بالمعطيات السلبية (على تاريخهم الخاص بهم)؟.
- هل تستطيع الحداثة ان تبني ذاتها بإيجابية بدل نفي الاخر وهدمه، والازدراء به وانكار إنجازاته؟
- هل تستوعب العقلانية المتطرفة الماورائيات وقيم التحسين والتقبيح القانون الفطري
- وهل تستوعب الحرية الحداثية احتراما للنظام العام والحقوق العامة والاداب
- وهل ترقى ذاتية الحداثة الى إعطاء الدولة حقها والمجتمع حقوقه والمؤسسات دورها
نموذجان من الحداثة التاريخية للمسلمين: في تاريخ المسلمين صدمتان
أولا حداثة المعتزلة: فان تيار الاعتزال نشا كرد فعل فكري على المقولات الراديكالية للخوارج في مسالة مرتكب الكبيرة والتمرد المنفعل على السلطة، والنزعة القتالية
وكرد على وقوع دولة الخلافة في مستنقع اتباع سياسات الظلم والجور والتمييز فاعلنوا العدل أصلا من أصول الدين، واعلنوا مقابل النزعة الجبرية حرية الإرادة وضرورة الاختيار وهم معرفيا: احترموا النص الديني وقبلوه مشفوعا بالعقل ورفضوا كل ما يناقض البرهنه العقلية فاقصوا الخرافة والرؤى الذاتية وطبقا لنظريتهم في الحسن والقبح العقليين فانهم اقاموا منظومتهم على أساس معايير عقلية ومن الطبيعي ان تصدم هذه المنظومة مع السلطة الاستبدادية فلا تقبل موجبات العقلانية والنزعة البرهانية ومقتضى الحريات والتفكير المقاصدي وتعارض أفكار الاعتزال ووجبرية الحاكم المؤسسة الاستبدادية ولم يوافقوا ان تحدد السلطة أفعال المواطنين، فالفرد خالق لأفعاله، و عندهم ان الله فرض على ذاته المقدسة ان يفعل الاصلح لعباده فيجب على مدبر المدينة(رئيس الدولة) ان يقتدي بمدير الكون الأعظم ويفعل الاصلح لمواطنيه وبذلك يسطر مفكروهم منظومة فكرية حول الفهم الكوني للعدل والمفهوم الاجتماعي له، ويؤسسون منهجا معرفيا يقرر ان للعقلانية الحق في البحث في الالهيات والانسان والتاريخ والماورائيات
لذلك هاجمهم المتوكل العباسي واستأصل وجودهم البشري و وحارب سرديات فهمهم للعالم والتاريخ، فقد اسسوا البديل المضاد الفكري للاستبداد باعتماد الحرية والاختيار ورفض جبرية السياسة وجبرية رجال الدين. ووضعوا المسؤولية على الفرد إزاء أفعاله واختياراته لكنهم قيدوا تلك الحريات بالنظام العام والقيم الأخلاقية وبالاستناد الى اسس العقلانية، ورفضوا الاساطير والخرافات وخطابات التبجيل ومنها مثلا رؤية الجن. وعلى ما تقدم يمكننا القول ان المعتزلة قدموا اول محاولة للحداثة في التجربة المبكرة لدولة الإسلام ومجتمعة
ان الذي يميز علماء الاعتزال انهم لم يستسلموا للفكر اليوناني ولم يستلبوا مواطنيهم من تراثهم ويساهمون في غربتهم واغترابهم انما: تلقوا الفلسفة اليونانية وترجموها، ودرسوها، وفصلوا بين حقائقها الثابتة وبين تاريخ صدورها عن الفلاسفة والظروف التي أسهمت في بنيتها ثم فهموا مقاصدها، ونقدوها بعد اكتشاف ثغراتها فطوروها واعادوا انتاجها من جهود واصل بن عطاء حتى ابن رشد الحفيد (595هـ)
النموذج الثاني للحداثة في تراث المسلمين: وهو نموذج الفلسفة وتطوير العرفان واكتشاف الوجود اذ بعد اعلان الغزالي حربه على الفلسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) حورب الفلاسفة في العالم الإسلامي لكن منهجه لم يتخلص من الرد النوعي لانها أصبحت في القرن العاشر والحادي عشر الهجري عنصرا مهما في الثقافة وحظيت باعتراف في المحيط الديني، رغم ما اطبق على العالم الاشعري (السني) على تحريم الفلسفة وابعادها عن الافاق المعرفية السائدة، وكانت نظريات ابن عربي هي الأخرى قد حوصرت الا ان القرن العاشر فك الحصار عنها وصارت معرفة متداولة. ودخل على التصوف مد تصحيحي قدمت فيه تعاليم نظرية لدعم الممارسات وكان جلال الدين دواني قد احيا فلسفة نصير الدين الخواجة وعلق على فلسفة السهروردي فصارت الثقافة العقلية مركبة من (المشائية ونهج ابن عربي وتنويرية السهروردي) وظهر صدر الدين الشيرازي صاحب الاسفار والحركة الجوهرية، وفلسف حيدر املي تعاليم اهل البيت ووصفها بلائمة الكمال النهائي
لقد وفر الملا صدرا ثيولوجيا امامية مندمجة مع الاطار الفلسفي، وتابعه عملاق اخر هو الشيخ البهائي العاملي (ت 1622م) الذي كان الى جانب كونه فقيها عالما بالفلسفة والتصوف ومتادبا بالشعر العرفاني ثم مهندسا معماريا لكن هذه الحداثة قوبلت كأي تجديد علمي وفكري بمعارضة، فظهر الحر العاملي (1111هـ) في كتابة (الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية)
رغم ان ذلك الإنجاز المعرفي المهم كاد يتحول الى قاعدة فكرية للانطلاق نحو افق ارحب للمعارف والعلوم والفكر الإسلامي المنطلق مع التأمل.
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد








