عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أحمد فاتح: سلطة الغوغاء.. في تأكل النقد وخواء المعنى

ما نشهده اليوم في المشهد الثقافي العربي ليس مجرد تراجع عابر، بل هو انقلاب كامل في المعايير، حيث صعد "المتنمر" ليتربع على عرش النقد، مغيبا بذلك دور الناقد الحقيقي. إن هذا التحول ليس وليد الصدفة، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة تعيشها مجتمعاتنا، حيث تركت الأنظمة الشمولية خلفها إرثا من الاستبداد، فتسربت آليات القمع السياسي إلى ذائقة المتلقي وطريقة تفكيره. لقد تحول النقد، الذي كان في جوهره فعلا معرفيا يغوص في أعماق النص، إلى عملية إعدام علنية لكل قيمة فكرية رصينة، وكأننا أمام استنساخ مشوه لأساليب القمع التي خبرناها في السياسة، ولكن هذه المرة بأدوات ثقافية.

في هذا الفضاء الذي تضيق فيه مساحات الحرية وجد المتنمر ضالته في فوضى العالم الرقمي. إنه كائن لا يملك عدته المعرفية ولا يتقن فن المساءلة، بل يتسلح بغريزة التسقيط التي تشربها من سياق سياسي لا يؤمن بالاختلاف، بل يرى في الآخر خصما تجب تصفيته. هنا، صار النقد مجرد تصفية حسابات شخصية، ومسرحا لسيركا والضجيج يفتقر لأدنى مستويات الحوار الواعي. والنتيجة هي غزو مريع للرداءة التي تجد من يرفعها، ويغيب فيها الناقد القادر على قول "لا" في وجه جوقة المصفقين.

إن موت الناقد ككيان اعتباري وولادة الناقد المتنمر هو الذي أفرغ الثقافة من جوهرها. هذا المتنمر لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليحطم، متخذا من الانطباعية السطحية قناعا يغطي به جهله المطبق بالمنهج. إنه يمارس نوعا من الجبن المعرفي تحت غطاء الحرية، مستغلا صخب المنصات الرقمية لفرض سطوته، حيث بات الصراخ والشتائم هما المعيار للحضور، لا عمق الفكرة أو قوة الحجة. لقد تحولت اللغة من وسيلة للارتقاء بالجمال والحقيقة إلى أداة استئصالية هدفها اغتيال الشخصية بدلا من نقد النص.

نحن عالقون في مأزق تنميط الوعي فالمتنمر يقود القطيع ويحوله إلى سجن مفتوح تسوده قيم الغوغاء. لقد صار المشهد الثقافي حلبة يغيب عنها التنوير، ويحضر فيها تسليع وتسطيح الأدب. الخطر الحقيقي أن هذا السلوك تحول إلى معيار، فحين يسود منطق القوة وتختفي الرصانة خلف ضجيج المدعين، يضيع صوت المثقف الحقيقي في زحمة التشهير. إن الثقافة تحولت إلى مجرد استعراض للعضلات اللغوية، حيث يظن البعض أن مجرد القدرة على الهجوم تعني التفوق الفكري.

استعادة النقد اليوم ليست مجرد دعوة للنظام أو للتنظيم، بل هي ثورة أخلاقية ضرورية. نحن لا ننتظر إصلاحا من سلطة ترفض النقد، بل علينا أن ننتزع فضاءنا المعرفي من براثن أولئك الذين يلوثون ذائقتنا. إن معركتنا ضد "اللاشيء" هي معركة من أجل الحقيقة، ضد عقلية الإلغاء التي تريد مصادرة وجداننا. إننا مدعوون لرفع الحرمة عن النص الأدبي وحمايته من عبث الجاهلين، وإعادة الاعتبار للنقد كفعل تواضع أمام المعرفة، لا كأداة للتسلط.

في نهاية المطاف، نحن أمام خيار لا يحتمل المراوغة: إما أن نسترد النقد كضمير لهذا المجتمع يفكك كل أوهام السلطة والغوغاء، أو أن نترك أدبنا يغرق في وحل التفاهة، حيث لا يتبقى لنا سوى صدى صرخات أولئك الذين يظنون أن التسقيط هو قمة الإبداع. التاريخ لن ينصف أحدا من هؤلاء، بل سيحفظ أسماء أولئك الذين ظلوا أوفياء للفكرة، ورفضوا أن ينحنوا لعاصفة الغوغاء، مفضلين عناء السؤال على راحة الجهل الذي يغلف يومنا.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم