عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ئاريان علي: الكراهية.. سوسيولوجيا الانفعال

من التراجيديا القديمة إلى الخوارزميات الرقمية    

 لم تكن الكراهية يوماً شعوراً عابراً، بل هي جزء من البنية الوجودية للبشر؛ فمنذ فجر التاريخ، تشكلت المجتمعات غالباً على أساس التمييز بين "نحن" و"هم"، ولعل أبرز نماذج الكراهية في التاريخ القديم تظهر في الصراعات بين الممالك والقبائل حيث كانت "كراهية الآخر" تُوظف لتبرير الغزو أو تعزيز الهوية الوطنية، كما حدث في الحروب بين المدن اليونانية المتنافسة، حيث كان الآخر دائماً هو "البربري" الذي يجب إقصاؤه. وفي الأدب العالمي، وجدنا أن الكراهية لم تكن مجرد عاطفة، بل كانت موضوعاً تشريحياً لدى فيودور دوستويفسكي الذي استعرض أبعادها في رواياته رواية "الشياطين" (The Devils / Demons): تُعد هذه الرواية المختبر الأكبر لتشريح الكراهية السياسية والأيديولوجية؛ حيث يصور دوستويفسكي كيف تتحول الكراهية تجاه المجتمع، والقيم، والآخر المختلف إلى أداة تدميرية تغذيها الأفكار العدمية. الشخصيات هنا تكره العالم لدرجة الرغبة في تحطيمه بالكامل، مما يجسد كيف يمكن أن تصبح الكراهية "عقيدة" جماعية   رواية "الإخوة كارامازوف" (The Brothers Karamazov): في هذه الرواية، نجد كراهية من نوع آخر؛ كراهية أسرية وشخصية عميقة. العلاقة بين "فيودور كارامازوف" وأبنائه، وخاصة "ديمتري"، مشحونة بكراهية وجودية متبادلة، حيث تمثل الكراهية هنا صراعاً بين الروح والمادة، وبين الغريزة والضمير. كما أن شخصية "سميردياكوف" تجسد كراهية "العبد" تجاه "السيد"، وهي كراهية باردة ومنظمة تهدف إلى الانتقام  وفي رواية "رسائل من تحت الأرض" (Notes from Underground): يغوص بطل الرواية "الإنسان الصرصار" في تحليل نفسي مذهل لكراهيته للآخرين ولنفسه في آن واحد. كراهيته تنبع من شعور بالدونية الممزوج بالتعالي، وهي حالة من "الاستثمار العاطفي السلبي" حيث يتلذذ البطل بكراهيته للعالم كنوع من التمرد على قوانين الطبيعة والمجتمع التي يراها جائرة. وفي رواية "الجريمة والعقاب" (Crime and Punishment): رغم أن "راسكولنيكوف" يرتكب جريمته بناءً على نظرية فكرية، إلا أن جوهر صراعه النفسي يقوم على كراهية عميقة للطبقية والظلم الاجتماعي، وهي كراهية تبرر له في البداية نفي وجود "الآخر" (المرابية) كخطوة أولى نحو إثبات ذاته "كإنسان متفوق  بينما قدم "ألبير كامو" الكراهية كنوع من العبث والقنوط تجاه العالم، في حين قدم "إلياس كانيتي" في "الكتلة والسلطة" صورة للكراهية كوقود للجماهير يغذيها الطغاة للبقاء في السلطة، مما يجعل الأدب مرآة تعكس كيف تتحول الكراهية إلى حالة وجودية متأصلة  مما يجعل هذه الروايات مدرسة أدبية تتقاطع مع الرؤى الفلسفية. تظل الكراهية، من منظور فلسفي، حالة وجودية ومعرفية معقدة تتجاوز كونها مجرد شعور عابر؛ فهي تمثل محاولة لنفي حرية الآخر ووجوده كذات، كما تعد فشلاً في الاعتراف المتبادل الذي يُعد أساساً للوعي الذاتي، و"استثماراً عاطفياً سلبياً" يستنزف طاقة الفرد ويجعله أسيراً لمن يكره. ورغم أن الكراهية تاريخياً قد تُستخدم كأداة لحشد الجماهير، إلا أن الفلسفة تحذر من كونها "عائقاً أمام الحكمة"؛ إذ تحجب الحقيقة وتستبدلها بأوهام تجعل التغيير مهدداً بالتحول إلى دوامة من العنف والظلم. وفي سياق هذه المناقشة، يمكن تصنيف الكراهية فلسفياً إلى ثلاثة أبعاد أساسية: أولاً، المنظور الوجودي، حيث يرى سارتر أن الكراهية هي رغبة في تحطيم "حرية" الآخر ونفي وجوده. ثانياً، المنظور الاجتماعي، حيث يرى هيغل أنها قطيعة نهائية لـ "الاعتراف المتبادل"، مما يغلق باب التفاهم ويحول الآخر إلى عدو. ثالثاً، المنظور الأخلاقي، حيث يصفها سبينوزا بكونها انفعالاً يقلل من قدرة الإنسان على الوجود ويجعله أسيراً لإرادة خارجية. وفي العصر الرقمي، تطور مفهوم الكراهية ليصبح أكثر تعقيداً وخطورة؛ فقد تحولت من فعل إنساني مباشر إلى "صناعة" خوارزمية تخدم أجندات سياسية واقتصادية، وتفاقم الأمر بفضل "فقاعات الفلتر" التي تعزز الانغلاق الذاتي وتمنع الاعتراف بالآخر المختلف. ومع أن التكنولوجيا ليست "الفاعل" الأساسي في هذا الشعور الإنساني، إلا أنها تعمل "كمضخم" يوفر بيئة خصبة لتضخم النوازع البشرية. من هنا، تبرز ضرورة ملحة للتدخل القانوني؛ حيث يمثل الربط بين اللوائح الصارمة والمواثيق الأخلاقية المسار الأكثر واقعية لضبط هذه المعضلة. إن هدف هذا التنظيم ليس إلغاء شعور الكراهية بحد ذاته، فهو نابع من الذات البشرية، بل منع تحويل هذا الشعور إلى هيكل تقني منظم يهدد الاستقرار الاجتماعي ويحرم الآخر من حقه في الوجود والحوار.

***

ئاريان علي  

في المثقف اليوم