إذا ما حاولنا عبر غرابيل التحليل الحفرية، وضمن نسق فكري يستوعب حركة المفاهيم في التاريخ لا في الفراغ أن نقترب من مفهوم الإرهاب في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، نجد أن من الخطأ المنهجي أن نبدأ من لحظة حضوره الاصطلاحي الحديث فحسب؛ لأن ذلك يُعدُّ ضربًا من عمل المجتزئين الذين يفصلون المفهوم عن جذوره التراثية، الأمر الذي يقودنا إلى زيغ في الفهم الفلسفي، ويقتطع الدلالات من سياقاتها التاريخية.
فالعنف المنفلت ليس مفهومًا وُلِد فجأة في حاضرنا المعيش، بل هو بناءٌ دلاليٌّ مركب، تتداخل في تكوينه نسقية معقدة من الطبقات اللغوية والصراعات السياسية، جعلته من أكثر مفاهيم الوقت المعيش التباسًا وتنازعًا. فلو تتبعنا نهج التأصيل الأوّلي، لوجدنا أن الجذر اللغوي (رهب) في العربية كان يحيل في الأصل إلى معانٍ تتصل بالخوف والخشية، وهي دلالات لم تكن في مهدها مشحونة بالصراعات السياسية الحديثة. فالمعنى اللغوي يحيل إلى التخويف والفزع؛ إذ جاء في لسان العرب: رَهِبَ... أي خاف، وذكر الراغب الأصفهاني أن الرهبة هي مخافة مع تحرّز واضطراب، وهو قيد مهم يوضح كيف تشكلت الملامح الأولى للمفهوم في الوعي الجمعي القديم، ناهيك عن كونه يدل على أن المعنى لا يقف عند مجرد الفزع، بل يتصل بحالة من اليقظة والاستنفار.
بل إن الاستعمال القرآني ذاته قد حمل هذا الجذر في سياقات متعددة؛ فبينما يتناوله المتأولون تارة في مقام الخشية التعبدية والإيمانية من الله، نلمحه تارة أخرى يتصل بإعداد القوة السيادية وردع الأعداء، كما في قوله تعالى: (وَأَعِدّوا لَهُم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوَّ الله وعدوَّكم). وهنا يبدو للباحث الحصيف أن لفظ الإرهاب في الاستعمال النصي القديم لا ينصرف أبدًا إلى الاعتداء العبثي، بل يدخل في باب الردع المشروع لحماية الأمة من عدوان الأغيار والخارجين، وصيانة أمن الجماعة؛ لذا فإن خلط هذا السياق بالتعريف الحديث ليس إلا شططاً يمارسه بعض المجترئين على الحقائق الدلالية والتشريعية.
وإذا ما انتقلنا إلى التاريخ الإسلامي المبكر، نلاحظ أن الفعل العنيف الذي يهدد استقرار الأمة لم يكن يُصاغ داخل مفردة الإرهاب بصيغتها المعاصرة، بل كان يدور في فلك مفاهيم صاغها مجتمع المتفقهين بدقة، مثل: الفتنة، والبغي، والحرابة، والخروج. ونجد أن لكل مصطلح من هاتيك المصطلحات وظيفته وحدوده داخل البناء الفقهي؛ فالحرابة تشير لتهديد الأمن العام، والتعدي على الأنفس والأموال، والبغي يتصل بالخروج المسلح ذي الشبهة، والفتنة تشير لاختلال العمران المعنوي والسياسي. هذا التعدد المفهومي منع الوعي الجمعي من السقوط في فخ التعميم والخلط.
ومن جهة أخرى، فإن حضور الترويع في التاريخ لم يكن حكرًا على الخوارج أو حركات المتأسلمين في ذلك العصر، بل قد يظهر في ممارسات السلطان نفسه حين تتحول السياسة إلى بطش وقهر واستبداد. لقد واجهت الأمة عبر تاريخها حركات مارست ما يشبه التجديف الفكري والسياسي، وخرجت بجنوحها عن الإجماع، وظل الخطاب الفقهي يصف هؤلاء المجدفين والخارجين بالمارقين وأهل الجور، متخذين في ذلك نهوجاً تحليلية صارمة ومفرقة بين ممارسات السلطة الجائرة وممارسات الجماعات المنفلتة، دون إدراجهم تحت مسمى الإرهاب بمفهومه الحداثي الوافد.
أما التحول الحاسم فقد بدأ مع الاحتكاك بالعالم الغربي الحديث، حيث أخذ المثاقفين العرب، ومعهم قادة الرأي وشبيبة الفكر المتطلع للتجديد، يتعرفون على مفاهيم السياسة الأوروبية الحديثة، ومنها مصطلح (terror) الذي ارتبط بعهد الرعب في الثورة الفرنسية. وهنا انفتحت الأبواب أمام ترجمة المفهوم وتأويله، ودخلنا في طور جديد أصبحت فيه المصطلحات ساحة للتنازع الاصطلاحي، الأمر الذي استغله بعض المشككين لإرباك المفاهيم الثابتة والخلط بين المقاومة المشروعة والتخريب المنفلت.
وبذلك نعلم أن الإرهاب لم يكن في التراث الإسلامي مفهومًا مستقلًا باسمِه الحديث، بل تطور عبر سياقات متحركة تتجاذبها السياسة والأيديولوجيا والقانون.
واليوم، حري بنا أن نعيد قراءة هذه التحولات بعين واعية تفكك المصطلحات بدقة، حتى نفهم حاضرنا بعيداً عن زيغ التأويل وسوء التوظيف.
للحديث بقية...
***
بقلم: د. بدر الفيومي








