عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفـــى غَلْمان: الشباب بين الواقع والشاشة

حين يصبح الخيال الرقمي أقوى من الجغرافيا

  منذ أكثر من عقد، لم يكد يخلو حدث اجتماعي أو سياسي كبير في المغرب من حضور الشباب باعتباره الفاعل الأكثر ظهوراً، والأكثر إثارة للأسئلة في الآن ذاته. فمن حركة 20 فبراير، إلى احتجاجات الريف، ومن النقاش الذي أثاره ما اصطلح عليه بـ"جيل زد"، وصولاً إلى مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة، يتكرر المشهد نفسه، بينما يتغير السياق فقط. أما السؤال الذي يظل معلقاً فهو: ماذا حدث لخيال الشباب المغربي؟.  قد يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى بعيداً عن الاقتصاد والسياسة والاجتماع، لكنه في العمق يلامس جوهر التحولات التي يعيشها العالم. فالأزمات الكبرى لا تبدأ دائماً من نقص الموارد أو اختلال المؤسسات، بل تبدأ حين يتغير تصور الإنسان للمستقبل، وحين يصبح الأفق الذي يراه أمامه مختلفاً عن الأفق الذي يعيش داخله.

 لقد كان الفيلسوف الفرنسي بول ريكور يرى أن الإنسان لا يعيش داخل الوقائع وحدها، وإنما داخل السرديات التي تمنح تلك الوقائع معناها. واليوم، لم تعد هذه السرديات تنتجها المدرسة أو الأسرة أو الجامعة أو الأحزاب، بل أصبحت تصنعها المنصات الرقمية، عبر ملايين الصور والمقاطع القصيرة والخوارزميات التي لا تكتفي بعرض العالم، وإنما تعيد بناء الرغبة فيه.

  لهذا، فإن الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مجرد أدوات للتواصل أصبح تبسيطاً شديداً. فالمنصات الرقمية لم تعد تنقل الواقع، بل تنتج واقعاً موازياً، وتعيد تعريف الممكن والمستحيل، والنجاح والفشل، والكرامة والتهميش. إنها، بتعبير ميشيل فوكو، لم تعد تمارس السلطة من خلال المنع، بل من خلال إنتاج أنماط جديدة من الذات؛ ذات ترى نفسها باستمرار في مرآة الآخرين، وتقيس قيمتها بمقدار ما تراه على الشاشات.

  ولعل أخطر ما فعلته البيئة الرقمية أنها نقلت الشباب من مقارنة أنفسهم بجيرانهم أو أبناء مدينتهم، إلى مقارنة حياتهم بعالم بأكمله. أصبح الشاب المغربي يقارن يومياً بين واقعه المحلي، وبين حياة مؤثر في برشلونة، أو طالب في أمستردام، أو عامل في مونتريال، أو صانع محتوى في دبي.

وهكذا لم تعد الجغرافيا تحدد سقف الطموح، بل أصبحت الخوارزمية هي التي ترسم حدود الرغبة.  كان بيير بورديو يؤكد أن الطموحات لا تولد في الفراغ، وإنما تتشكل داخل ما سماه "الهابيتوس"، أي البنية الاجتماعية التي تحدد ما يعتقد الإنسان أنه قادر على تحقيقه. غير أن الثورة الرقمية أعادت تشكيل هذا الهابيتوس بصورة غير مسبوقة؛ إذ صار الشباب يعيش داخل فضاء رمزي عالمي، بينما يظل محكوماً بشروط محلية لا تسمح غالباً بتحقيق ما يراه ممكناً على الشاشة.

 ومن هنا يتولد ذلك التناقض المؤلم: كلما اتسعت نافذة العالم، ازداد الشعور بضيق الواقع.  إن ما يدفع كثيراً من الشباب إلى التفكير في الهجرة ليس الفقر وحده، وإلا لكانت المناطق الأكثر فقراً هي الأكثر هجرة دائماً. إن الذي يتحرك، في جانب كبير منه، هو اتساع الفجوة بين ما يراه الإنسان ممكناً وما يستطيع بلوغه فعلاً.

 إنها فجوة يصنعها الخيال أكثر مما تصنعها الجغرافيا.  وقد وصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان هذه الحالة بأنها إحدى نتائج "الحداثة السائلة"، حيث تصبح الهويات والأماكن والروابط الإنسانية كلها مؤقتة، ويغدو الاستقرار نفسه نوعاً من الهشاشة.

 في هذا العالم السائل، تتحول الهجرة إلى وعد بالخلاص، حتى وإن كانت محفوفة بالموت.  ولذلك فإن مشاهد الشباب الذين يلقون بأنفسهم في البحر ليست مجرد رد فعل على البطالة أو الهشاشة الاجتماعية، بل هي أيضاً نتيجة مباشرة لما يمكن تسميته بالاستعمار الرمزي للخيال. فالمنصات الرقمية لا تعرض أوروبا باعتبارها فضاءً معقداً مليئاً بالتحديات، وإنما تقدمها في الغالب كصورة مكتملة للنجاح والرفاه والحرية.

وهنا لا يهاجر الشباب نحو مكان، بل يهاجرون نحو صورة.  لقد أدرك "غي ديبور"، في كتابه "مجتمع الفرجة"، هذه الحقيقة مبكراً حين كتب أن العالم الحديث لم يعد يُعاش مباشرة، بل أصبح يُعاش عبر الصور.

واليوم، تبدو هذه المقولة أكثر صدقاً من أي وقت مضى؛ فالصورة لم تعد تمثل الواقع، بل أصبحت بديلاً عنه، وأصبح كثير من الشباب يعيشون داخل تمثلات للعالم أكثر مما يعيشون العالم نفسه.  إن أخطر ما تفعله الخوارزميات أنها لا تفرض الأفكار بالقوة، وإنما تعيد إنتاجها بلا نهاية. فهي تمنح المستخدم باستمرار ما يشبه رغباته، فتغلقه داخل دائرة من الصور والقصص والمقارنات، حتى يقتنع بأن الحياة التي يشاهدها هي القاعدة، بينما حياته الواقعية ليست سوى استثناء مؤلم.

  لهذا، فإن معالجة ظاهرة الهجرة غير النظامية، أو أي احتجاج شبابي، لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو الاقتصادية وحدها. فقبل أن تكون أزمة حدود، هي أزمة معنى. وقبل أن تكون أزمة تشغيل، هي أزمة أفق. وقبل أن تكون أزمة تنمية، هي أزمة خيال اجتماعي فقد قدرته على إنتاج مستقبل يمكن العيش من أجله داخل الوطن.

 إن الرهان الحقيقي لم يعد فقط خلق فرص الشغل أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، على أهميتهما، بل أصبح يتعلق بإعادة بناء الثقة في المستقبل، واسترجاع قدرة المجتمع على إنتاج سردية جماعية تمنح الشباب معنى للانتماء، وأفقاً للحلم، وإحساساً بأن المستقبل لا يوجد دائماً خلف البحر، بل يمكن أن يبدأ من هنا.  فالأمم لا تنهزم حين يهاجر أبناؤها فقط، وإنما حين يهاجر خيالهم قبل أجسادهم.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم