يبدو العراق، في كثير من التفسيرات السياسية والاجتماعية، وكأنه يعيش أزمة جماهيرية قبل أن يكون في أزمة نخبوية؛ إذ كثيرًا ما تُفسَّر مشكلاته من خلال ضعف الوعي السياسي للمواطن، أو الانقسامات الاجتماعية والطائفية، أو قابلية الجمهور للاستقطاب، أو ثقافة الاتكالية السياسية.
غير أن هذا النوع من التفسير ينطوي على مشكلة منهجية عميقة، لأنه يبدأ من الطرف الأقل قدرة على صناعة القرار وينتهي إلى تحميله مسؤولية النتائج التي تصنعها الأطراف الأكثر قدرة على التحكم في القرار.
فالجمهور قد يؤثر في السياسة من خلال الانتخابات والاحتجاج والقبول والرفض، لكنه لا يمتلك في العادة الأدوات التي تمتلكها النخب في صياغة القوانين، وتوزيع الموارد، وإدارة المؤسسات، وتحديد السياسات العامة، وإنتاج الخطابات التي يعاد من خلالها تشكيل الوعي الجمعي.
ومن هنا، فإن الانتقال من سؤال «ماذا يفعل الجمهور؟» إلى سؤال «من يملك القدرة على الفعل السياسي؟» يمثل انتقالًا من تفسير سلوك المجتمع إلى تحليل بنية السلطة. وهذه النقلة لا تعني إعفاء الجمهور من المسؤولية، ولا تنفي دوره في إعادة إنتاج النظام السياسي، وإنما تعني إعادة ترتيب المسؤوليات بحسب تفاوت القدرة على التأثير. فليست المسؤولية الأخلاقية والسياسية متساوية بالضرورة بين من يملك القرار ومن يخضع له، وبين من يصوغ قواعد اللعبة ومن يلعب داخلها.
وتزداد أهمية هذا التحول في الحالة العراقية؛ لأن إعادة تشكيل النظام السياسي بعد عام 2003 لم تكن عملية اجتماعية تلقائية، وإنما ارتبطت بقوى سياسية ونخب تفاوضت على شكل الدولة ومؤسساتها وتوزيع السلطة داخلها. وقد أظهرت دراسات الانتقال السياسي العراقي أن عملية الانتقال كانت إلى حد كبير عملية من أعلى إلى أسفل، قادتها مجموعة محدودة من النخب السياسية، في ظل غياب نقاش وطني واسع حول مستقبل الدولة وطبيعة تقاسم السلطة والثروة.
وعليه، فإن هذا المطلب ينطلق من فرضية أساسية: لا يمكن فهم أزمة الدولة العراقية من دون إعادة تحديد الفاعل الذي ينتج الأزمة ويستفيد منها ويملك في الوقت نفسه القدرة على تغييرها.
أولاً: نقد التفسير الذي يجعل الجمهور مصدر الأزمة
يقوم جزء من الخطاب السياسي التقليدي على افتراض ضمني مفاده أن المجتمع هو أصل المشكلة: الجمهور منقسم، أو طائفي، أو عشائري، أو غير قادر على ممارسة المواطنة بصورة حديثة. لكن هذا التفسير يغفل أن الانقسامات الاجتماعية لا تتحول بالضرورة إلى أزمات سياسية إلا عندما تدخل في بنية السلطة والمؤسسات.
فالطائفية، مثلًا، ليست مجرد اعتقاد اجتماعي أو انتماء ثقافي؛ إنها تصبح قوة سياسية عندما تقوم النخبة بتحويل الانتماء إلى وسيلة لتوزيع المناصب والموارد والتمثيل. وكذلك العشيرة لا تتحول بذاتها إلى بديل عن الدولة إلا عندما تتداخل مع السلطة السياسية والموارد العامة وشبكات الزبائنية. ولذلك ينبغي التمييز بين المجتمع بوصفه حاملًا لهويات متعددة وبين النخبة بوصفها الجهة القادرة على تحويل هذه الهويات إلى مؤسسات سياسية ومصالح منظمة.
وهنا تبرز أهمية إعادة النظر في مفهوم المسؤولية. فإذا كان المواطن يصوّت لحزب أو جماعة، فإن السياسي هو الذي يحول هذا التصويت إلى حكومة أو تشريع أو سياسة عامة. وإذا كان الجمهور يتأثر بخطاب طائفي، فإن إنتاج الخطاب السياسي وتوجيهه يقع بدرجة أكبر على عاتق النخب التي تمتلك وسائل الإعلام والمنابر والمؤسسات السياسية والدينية. وإذا كان المواطن يعتمد على شبكة من العلاقات للحصول على وظيفة أو خدمة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند سلوكه، بل يجب أن يمتد إلى النظام الذي جعل الوصول إلى الحق العام مرتبطًا بالوساطة والولاء.
وتؤكد الدراسات الخاصة بالعراق بعد 2003 أن الزبائنية لم تكن ظاهرة هامشية، بل ارتبطت بتوزيع الموارد العامة عبر الانقسامات السياسية والفصائلية، بحيث أصبحت المحاصصة الطائفية جزءًا مؤسسيًا من البيئة التي تنتج الفساد والمحسوبية.
ومن ثم، فإن نقد التفسير الجماهيري لا يعني إنكار مسؤولية المجتمع، بل يعني رفض تسطيح المسؤولية السياسية. فالجمهور يمكن أن يكون شريكًا في إعادة إنتاج النظام، لكنه ليس بالضرورة صاحب المبادرة الأولى في إنتاج قواعده.
ثانياً: من مفهوم «النخبة» إلى مفهوم «شبكة النخب»
لا ينبغي استخدام مفهوم النخبة بصورة ضيقة للدلالة على السياسيين وحدهم. فالنخبة، بالمعنى السوسيولوجي والسياسي، تشير إلى أولئك الذين يمتلكون موارد تجعلهم قادرين على التأثير في اتجاه المجتمع: السلطة، والثروة، والمعرفة، والشرعية الدينية، والمكانة الاجتماعية، والقدرة التنظيمية، والسيطرة على وسائل إنتاج الخطاب.
وبهذا المعنى يمكن الحديث عن شبكة من النخب العراقية، تشمل:
- النخبة السياسية التي تمتلك سلطة التشريع والتنفيذ وصناعة القرار.
- النخبة الاقتصادية التي تمتلك رأس المال والقدرة على التأثير في توزيع الموارد.
- النخبة الدينية التي تمتلك أشكالًا من الشرعية الرمزية والأخلاقية.
- النخبة الأكاديمية والخبرائية التي تنتج المعرفة وتقدم المشورة وصياغات السياسات.
- النخبة العشائرية والاجتماعية التي تمتلك قدرة على الوساطة والتعبئة وحل النزاعات.
- النخبة الإعلامية والثقافية التي تسهم في إنتاج الصور والتمثلات السياسية.
- النخب النقابية والمهنية التي تمثل المصالح المنظمة للفئات المهنية.
- النخب المجتمعية والمدنية التي تمتلك قدرة على التعبئة والمساءلة والتأثير في الرأي العام.
وهذا التصور أكثر ملاءمة للحالة العراقية؛ لأن السلطة لا توجد في مكان واحد. إنها موزعة بين مؤسسات رسمية وشبكات غير رسمية، وبين الدولة والمجتمع، وبين السياسي والديني والاقتصادي والاجتماعي. وقد خلصت دراسة متخصصة في النخب العراقية إلى أن فهم ممارسة السلطة بعد 2003 يتطلب النظر إلى النخب السياسية والدينية والاقتصادية، وإلى الطريقة التي تستخدم بها هذه النخب الإدارة والقبيلة وغيرها من قنوات النفوذ.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف النخبة لا باعتبارها «أقلية تحكم أغلبية» فقط، بل باعتبارها شبكة من المواقع التي تتيح لأصحابها إنتاج التأثير وتوزيعه. فقد لا يكون الأكاديمي صاحب قرار سياسي مباشر، لكنه قد ينتج المعرفة التي تستند إليها السياسات؛ وقد لا يكون رجل الأعمال صاحب منصب حكومي، لكنه يستطيع التأثير في القرار من خلال رأس المال؛ وقد لا يمتلك الزعيم الاجتماعي سلطة دستورية، لكنه قد يمتلك قدرة على التعبئة أو الوساطة تفوق أحيانًا قدرة المؤسسة الرسمية.
وبذلك تتحول دراسة النخبة من البحث عن «الأشخاص الأقوياء» إلى دراسة شبكة القوة نفسها.
ثالثاً: النخبة بين الموقع الاجتماعي والمسؤولية الأخلاقية
غير أن امتلاك موقع نخبوّي لا يعني بالضرورة امتلاك فضيلة أخلاقية. وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين: النخبة بوصفها موقعًا اجتماعيًا، والنخبة بوصفها مسؤولية أخلاقية.
فقد يكون الإنسان من النخبة لأنه يمتلك الثروة أو المنصب أو المعرفة أو النفوذ، لكن ذلك لا يجعله بالضرورة «نخبة مسؤولة». فالموقع الاجتماعي يصف ما يملكه الفرد من قدرة على التأثير، أما المسؤولية الأخلاقية فتتعلق بكيفية استخدام هذه القدرة ولأي غاية.
وهذه النقطة أساسية لفهم أزمة الدولة العراقية. فالمشكلة ليست في وجود النخب؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يعمل من دون نخب سياسية وعلمية واقتصادية وثقافية. المشكلة تبدأ عندما تتحول النخبة من وظيفة إنتاج المصلحة العامة إلى وظيفة إنتاج المصلحة الخاصة.
ومن هنا يمكن اقتراح تمييز منهجي بين ثلاثة أنماط:
النخبة الوظيفية: وهي التي تستخدم موقعها وخبرتها لأداء وظيفة محددة داخل المجتمع.
النخبة المصلحية: وهي التي تستخدم موقعها لحماية مصالحها أو مصالح شبكتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
نخبة الدولة: وهي التي تتجاوز المصلحة الخاصة نحو بناء المؤسسات وحماية المصلحة العامة، وتتعامل مع السلطة بوصفها مسؤولية تاريخية لا ملكية شخصية.
وبهذا المعنى، لا تكون النخبة الوطنية هي النخبة التي تتحدث كثيرًا عن الوطن، وإنما النخبة التي تقبل بأن تكون مصالحها الخاصة خاضعة لمصلحة الدولة والقانون.
وهنا يمكن استثمار مفهوم المسؤولية السياسية عند التفكير في النخبة العراقية: كلما ازدادت قدرة الفاعل على التأثير، ازدادت مسؤوليته عن النتائج. فالمسؤولية ليست مجرد نية حسنة، وإنما علاقة بين القدرة والفعل والنتيجة. ومن يمتلك القدرة على تغيير المؤسسات ولا يفعل، أو يستخدمها لمصلحة جماعته على حساب الدولة، لا يمكن مساواته أخلاقيًا بمن لا يمتلك أي قدرة على التأثير.
رابعاً: النخبة وإعادة إنتاج النظام السياسي
لا تكتفي النخبة في الأنظمة السياسية بإدارة الواقع، بل تستطيع إعادة إنتاجه. وهذه نقطة جوهرية في فهم الحالة العراقية؛ لأن النظام لا يستمر فقط بسبب القوانين الرسمية، وإنما بسبب مجموعة من القواعد غير الرسمية وشبكات المصالح التي تجعل استمراره مفيدًا للقوى المهيمنة عليه.
بعد عام 2003، نشأ نظام سياسي قائم رسميًا على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات ودستور، لكنه تطور في الممارسة ضمن تسوية سياسية غير رسمية ذات طابع توافقي ومحاصصي. وقد بينت دراسات حديثة أن هذا الترتيب نقل جزءًا مهمًا من القوة من الجهاز البيروقراطي المستقل نسبيًا إلى الأحزاب السياسية التي أصبحت أكثر قدرة على التحكم في المؤسسات والموارد العامة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الدولة موجودة مؤسسيًا، لكنها ليست بالضرورة مستقلة عن النخب التي تديرها.
فالوزارة قد تكون مؤسسة دستورية، لكنها تصبح عمليًا مرتبطة بالحزب الذي يسيطر عليها. والوظيفة العامة قد تكون حقًا قانونيًا، لكنها قد تتحول إلى مكافأة سياسية. والموارد العامة قد تكون ملكًا للمجتمع، لكنها تصبح مجالًا للمساومة بين القوى السياسية. وبذلك لا يجري إلغاء الدولة، وإنما يجري إعادة توزيع الدولة داخل شبكات النفوذ.
وقد أظهرت أبحاث حديثة أن النظام التوافقي غير الرسمي في العراق ساهم في إضعاف استقلال الجهاز البيروقراطي، وأن توزيع الوظائف والموارد وفق الولاءات الحزبية أدى إلى تقويض التماسك المؤسسي للدولة. وتشير دراسات أخرى إلى استمرار الزبائنية السياسية بوصفها آلية قابلة للتكيف مع تغير الأنظمة، من العهد الملكي إلى النظام الحالي.
وهذا يعني أن أزمة الدولة ليست مجرد «فساد أفراد»، بل قد تكون فسادًا في قواعد إنتاج السلطة نفسها.
خامساً: من النخبة السياسية إلى النخبة المستحوذة
تزداد خطورة الظاهرة عندما لا تكتفي النخب بالسيطرة على القرار، بل تسعى إلى السيطرة على مصادر إنتاج القرار. وهنا ننتقل من النخبة الحاكمة إلى النخبة المستحوذة.
فالنخبة المستحوذة لا تريد فقط أن تحكم الحكومة؛ إنها تريد التأثير في البرلمان، والإدارة، والموارد، والإعلام، والاقتصاد، والتعيينات، وأحيانًا في المجال الأمني والاجتماعي. وبذلك تصبح الدولة نفسها موردًا تتنافس النخب على السيطرة عليه.
وتتضح هذه الظاهرة بصورة خاصة في الاقتصاد الريعي العراقي؛ إذ إن اعتماد الدولة الكبير على الإيرادات النفطية يجعل السيطرة على الدولة ذات قيمة اقتصادية هائلة، لأن الوصول إلى السلطة يعني القدرة على التأثير في توزيع مورد عام واسع. وقد خلصت دراسة حديثة عن النخبة السياسية العراقية إلى أن الاقتصاد الريعي والنظام الطائفي يخلقان منافسة بين النخب للسيطرة على إيرادات الدولة، مع إهمال المصالح طويلة الأمد للمجتمع.
سادساً: سؤال المسؤولية ـ من يملك القدرة ومن يتحمل النتائج؟
يصل التحليل هنا إلى السؤال المركزي للمطلب: من يملك القدرة على التأثير، ومن يتحمل مسؤولية نتائج هذا التأثير؟
إن الإجابة تتطلب تجاوز التصور البسيط الذي يساوي بين جميع الفاعلين. فالمواطن يمتلك صوتًا انتخابيًا، لكن السياسي يمتلك أدوات التشريع والتنفيذ. والمواطن قد يطلب خدمة عامة، لكن المسؤول يملك قرار تخصيص الموارد. والموظف قد يخضع لنظام إداري، لكن القيادة السياسية قد تحدد قواعد التعيين والترقية. ولذلك ينبغي أن تكون المسؤولية متناسبة مع درجة القدرة على صناعة القرار.
ولا يعني ذلك أن الجمهور بريء بصورة مطلقة؛ فالجمهور يمكن أن يعيد انتخاب النخب نفسها، أو يقبل شبكات الزبائنية، أو يعيد إنتاج الانقسامات. لكن هذه المشاركة ينبغي فهمها ضمن بنية أوسع تحدد الخيارات المتاحة أمامه. فالمواطن الذي يطلب خدمة عبر وسيط لا يمكن وضعه في المستوى الأخلاقي نفسه مع الفاعل الذي أنشأ نظام الوساطة وجعلها شرطًا للحصول على الحق.
وهذه النتيجة تكتسب أهمية خاصة في العراق، حيث تشير الأدبيات الحديثة إلى أن التحالفات النخبوية لا تتطابق دائمًا مع الانقسامات الطائفية أو الإثنية البسيطة؛ فقد تتجاوز النخب هذه الهويات عندما تتعلق المسألة بالمساومة على السلطة والموارد. وتكشف دراسات السوق السياسية المحلية أن التحالفات بين النخب يمكن أن تتجاوز الانقسامات الهوياتية، بينما تؤدي أولوية شراء الولاءات والمحسوبية على تقديم الخدمات إلى عجز مزمن في الحكم.
وهذا يقود إلى نتيجة شديدة الأهمية: ليست الهوية وحدها هي التي تفسر سلوك النخبة، بل المصلحة أيضًا. ولذلك فإن اختزال السياسة العراقية في الطائفية قد يحجب البنية المصلحية التي تستخدم الطائفية أحيانًا كأداة لتنظيم النفوذ وتقاسم الموارد.
سابعاً: من نقد النخبة إلى إعادة تعريف الفاعل السياسي
إن إعادة تحديد الفاعل السياسي لا تعني استبدال «الجمهور» بـ«النخبة» بوصف أحدهما سببًا مطلقًا للأزمة، وإنما تعني الانتقال من تفسير أحادي إلى تحليل متعدد المستويات للسلطة. فالجمهور والنخبة والمؤسسة والسوق والهوية والإعلام كلها عناصر متفاعلة، لكن وزنها في صناعة القرار ليس متساويًا.
ومن هنا ينبغي النظر إلى العراق بوصفه نظامًا تتحرك داخله عدة دوائر:
دائرة القرار: السياسيون وصانعو السياسات.
دائرة التأثير: رجال الأعمال، رجال الدين، الأكاديميون، الإعلام، الزعامات الاجتماعية.
دائرة إعادة الإنتاج: الأحزاب، الشبكات الزبائنية، المؤسسات، التحالفات غير الرسمية.
دائرة الاستجابة: الجمهور، الحركات الاحتجاجية، المجتمع المدني، الناخبون.
وعندما تتداخل هذه الدوائر، يصبح السؤال عن «من يحكم العراق؟» أكثر تعقيدًا من البحث عن الحكومة الرسمية. فالحكم الفعلي قد يكون موزعًا بين مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ التي تعمل داخلها وحولها.
وهذه النتيجة تنسجم مع الدراسات التي ترى أن السياسة العراقية بعد 2003 لا يمكن فهمها من خلال المؤسسات الرسمية وحدها، لأن العلاقات الشخصية وشبكات المحسوبية والروابط الجماعية أصبحت ذات أهمية كبيرة في تشكيل النظام السياسي ومخرجاته.
خاتمة
يتبين من هذا التحليل أن الانتقال من «الجمهور» إلى «النخبة» ليس مجرد تغيير في موضوع الدراسة، بل هو تغيير في زاوية النظر إلى الأزمة العراقية نفسها. فبدل أن نبدأ بالسؤال عن سبب فشل المجتمع في إنتاج دولة مستقرة، ينبغي أن نبدأ بالسؤال عن القوى التي امتلكت القدرة على تصميم النظام السياسي، وإدارة مؤسساته، وتوزيع موارده، وإنتاج شرعياته، ثم نسأل بعد ذلك عن كيفية تفاعل الجمهور مع هذا النظام.
إن النخبة، في الحالة العراقية، ليست طبقة سياسية مغلقة، وإنما شبكة متعددة من الفاعلين الذين يمتلكون موارد مختلفة للتأثير. ولذلك فإن دراسة النخبة ينبغي أن تشمل السياسي والديني والاقتصادي والأكاديمي والعشائري والإعلامي والمجتمعي. غير أن هذا الاتساع لا ينبغي أن يؤدي إلى تمييع المسؤولية؛ إذ إن المساواة بين امتلاك الموقع وامتلاك القدرة ليست صحيحة، كما أن امتلاك القدرة يرفع مستوى المسؤولية عن نتائج استخدامها.
والنتيجة الأهم أن أزمة العراق لا يمكن تفسيرها فقط بانقسام المجتمع، بل ينبغي البحث في الطريقة التي تقوم بها النخب بتحويل الانقسامات الاجتماعية إلى قواعد سياسية، وتحويل الموارد العامة إلى أدوات للولاء، وتحويل الدولة من فضاء للمصلحة العامة إلى مجال للتنافس على النفوذ. وقد أظهرت الأدبيات الحديثة حول العراق أن الترتيبات التوافقية والمحاصصية أسهمت في تقوية نفوذ الأحزاب داخل الجهاز البيروقراطي وإضعاف استقلال مؤسسات الدولة، فيما ساعد الاقتصاد الريعي على جعل السيطرة على موارد الدولة محورًا أساسيًا للمنافسة النخبوية.
ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي ليس إلغاء النخب، وهو أمر مستحيل في المجتمع السياسي الحديث، وإنما الانتقال من نخبة تستمد قوتها من الدولة إلى نخبة تستمد شرعيتها من قدرتها على بناء الدولة.
***
ا. د. عامر عبد زيد الوائلي








