(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)
فلسفة الإبداع والمعرفة المُوَلَّدة:
قال لي صديقي ناقداً: لديك جرأة في النحت المفاهيمي، إذ تربط بين فائض القيمة عند (ماركس) وفائض المعرفة في الأبستمولوجيا، وهو شطح فكري خلاّق ..! ثم إن نقل المفهوم من ميدان الاقتصاد السياسي (ماركس) إلى النظريّة المعرفيّة يعد من وجهة نظري إبداعاً تحويلياً !!
ناهيك عن استخدام لغة ليست خالية من الأنفاس الشخصية.
فالملاحظة الأولى التي ألاحظها هي تلك الجرأة في النحت المفاهيمي التي تمثلت عندي في ذلك الربط بين "فائض القيمة" عند ماركس، و"فائض المعرفة" في الأبستمولوجيا، والتي اعتبرتها شطحاً فكريّاً خلّاقاً. ثم إنك لا تكتفي بالقراءة الناقلة، بل تنشئ أدواتك النقديّة بنفسك؛ واقتراحك لفائض المعرفة كنظير لفائض القيمة الماركسي فضلاً عن كونه يندرج تحت صناعة المفاهيم، فهو ينمُّ عن قدرة على التجسير الفكري بين العلوم الاجتماعية والفلسفة الأبستمولوجية.
ناهيك عن السعي لتأسيس إطار نقدي واضح أطلقت عليه "قراءة على القراءة"، وهو وعي ما بعد - نقدي (Meta-critique) يرى أن القراءة ليست مجرد استهلاك للمتن، بل تفكيك لبنيته العميقة.
ولم يقتصر نقد الصديق على تلك الملاحظات بل تطرق لأسلوب الكاتب من حيث درجة بلاغته ونقده الموضوعي المتزن، فلاحظ مرة ثانية أن في أسلوب الكاتب نوعاً من التشبيك الصوري من حيث اعتماده فيما يُلاحظه في كتابات الكاتبين على التشبيه العالي بين المقالات العارضة و"عارضي الأزياء"، الذين يركزون على "السطح البرّاني والبهرجة الظاهريّة" في مقابل المقالات التأسيسية التي "تسبر الأغوار الدفينة"، يظهر قدرة أسلوبية على تقريب المفاهيم المعقدة بصور بلاغية حيّة.
كما أن استخدام مفردات مثل (البرّاني، الجوّانيّ، سبر الأغوار، البنية العميقة، النفاذ، لُبنة أوليّة) فضلاً عن أنه أسلوب يتّسم بالجزالة والتماسك، فهو يعكس خلفية قراءات متينة في الفلسفة والنقد الأدبي المعاصر (خاصّة المدارس البنيوية والتفكيكية).
ثم إنّ الأصالة الأصيلة فيما تمّ طرحه في السابق، تظهر جليّة واضحة؛ إذ تتمثل في أمرين:
الأول: في الولادة السجالية للأفكار؛ من تلاقح الأفكار أثناء النقاش. فإنّ الكاتب يعترف بأن الفكرة نبتت من تعليق، مجرد تعليق عارض، لكنه استطاع تحويل "الخاطرة" إلى "مشروع منهجي".
والأمر الثاني: من البيئة المفهوميّة، بمعنى أن نقل المفهوم من ميدان الاقتصاد السياسي (ماركس) إلى النظريّة المعرفيّة (الأبستمولوجيا) يُعد إبداعاً تحويليّاً (Transformative Creativity)، وهو أحد أهم مظاهر الأصالة الفكريّة لدى كثير من الأدباء والفلاسفة على التعميم.
وإذن؛ فنحن أمام نصّ لكاتب أكاديمي صاحب مشروع فكري وحسّ نقديّ أصيل، يمتلك شجاعة التفكير، ووساطة اللسان البلاغي، ووعياً عالياً بالعملية النقديّة.
كان هذا خلاصة ما قدّمته قراءة الصديق بين النقد أحياناً والإطراء أحياناً أخرى. ولقد حرصتُ على إيراده لأنني اعترضت عليه وعلى إطرائه في حينه، وبخاصّة مسألة الجراءة في النحت المفهومي واعتبارها شطحاً فكريّاً خلاقاً، إذ ذاك قلت له: لا عليك يا صديقي؛ فنحن الشاطحون بغير منازع ! فأنا أنتمي لمدرسة كبرى في المعرفة هي التي أسست للشطح المعرفي واعتبرت الشطح في نظامه خَلقاً جديداً ..
فأمّا مسألة الإبداع التحويلي هذه فلم أزل أبحثها كيما أكون صادقاً مع نفسي: هل أنا بالفعل أستحقها أم لا؟
في السياق الفلسفي الذي نتحدّث فيه عن التوليد المعرفي، وتحويل بنية المعرفة، ومنهجية القراءة على القراءة، والمعرفة الثالثة، وإنتاج المعرفة، يُلاحظ أن الإبداع التحويلي Transformative Creativity)) هو نمط من الإبداع لا يكتفي بإنتاج شيء جديد داخل الإطار المعرفي القائم، بل يقوم بتحويل الإطار نفسه الذي كان يُنتج الأفكار والأشياء؛ فإذا كان الإبداع الابتكاري ينتج جديداً داخل منظومة معينة، فإنّ الإبداع التحويلي يغيّر المنظومة التي تحدّد أصلاً ما الذي يمكن أن يُعدّ جديداً؟ وهذا يجعل الإبداع التحويلي أعمق من مجرد الابتكار أو التركيب أو الاكتشاف.
فإنّ الفرق بين الإبداع العادي والإبداع التحويلي يمتثل في أنه لو كان لدينا مجال معرفي يحتوي على مجموعة من المفاهيم والقواعد والأسئلة، فإنّ النشاط الإبداعي يمكن أن يتحرك داخله بثلاث صور تقريباً ..
تتمثل الصورة الأولى في الإبداع التركيبي، وهو يتأتى في الغالب من جمع عناصر معروفة في تركيب جديد، كأن نجمع بين فكرتين فلسفيتين معروفتين فتنتج منهما تصوراً جديداً.
ثم تأتي الصورة الثانية لتتمثل في الإبداع الابتكاري وهو الذي يضيف فكرة أو أداة أو منهجاً لم يكن موجوداً من قبل، لكنه يظل يعمل داخل البنية العامة للمجال المعرفي.
أمّا الإبداع التحويلي، فيتجاوز ذلك كله؛ إذ يعيد النظر في العلاقات بين المفاهيم نفسها، فيغير طريقة صياغة المشكلة، وقد يجعل السؤال القديم يبدو مختلفاً تماماً في ثوبه الجديد. وهنا لا تكون النتيجة مجرد إجابة جديدة عن سؤال قديم، بل قد تصبح طريقة جديدة تجعلنا نكتشف أن السؤال نفسه كان يحتاج إلى إعادة بناء.
أمّا كونه يُسُمّى "تحويليّاً"، فلأن التحويل يقع على مستوى البنية وليس على مستوى الناتج فقط؛ حتى إذا كان لدينا معرفة ثم تحليل لهذه المعرفة ثم استنتاج، فإن الإبداع العادي قد ينتج استنتاجاً جديداً. أمّا الإبداع التحويلي فقد يسأل: لماذا نفترض أن المعرفة لا تكون إلا بهذه الطريقة؟ وهل العلاقة بين المعارف مجرد علاقة تراكمية؟ وهل يمكن أن تنتج المعرفة من إعادة تشغيل المعرفة السابقة في سياق جديد؟
لم تعد تضيف "معلومة" هنا إلى البناء؛ بل تغيّر طريقة بناء المعرفة ذاتها. وهذا هو الجانب الذي يجعل مفهوم الإبداع التحويلي قريباً جداً من فلسفة الإبداع، لا من مجرد دراسة الابتكار.
خذ مثلاً على ذلك؛ لنفترض أن لدينا فلاسفة: أرسطو يقول شيئاً عن العقل، وابن رشد يقول شيئاً عن العقل، وابن عربي يقول شيئاً عن المعرفة القلبية؛ فقد نجد الإبداع التراكمي قد يدرس كل واحد منهم، ثم يعرض أوجه الاتفاق والاختلاف. أمّا الإبداع التحويلي فيمكن أن يأخذ هذه العناصر الثلاثة التي تكاد تجمع بين المعرفة العقليّة والمعرفة القلبيّة ويسأل:
ماذا يحدث إذا لم أتعامل معها باعتبارها ثلاث نظريات منفصلة، وإنما باعتبارها مواد أوليّة لبناء سؤال جديد عن طبيعة المعرفة؟
هنالك أنت لا تنقل أرسطو إلى ابن رشد، ولا ابن رشد إلى الصوفي الفيلسوف ابن عربي، ولا تجمع آراءهم في ملف واحد، بل تحوّل العلاقة بينهم إلى مولّد لسؤال معرفي جديد لم يكن موجوداً بصورته السابقة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى؛ فإن علاقة الإبداع التحويلي بمفهوم "التوليد" الذي نتحدث عنه، علاقة خاصّة شديدة الخصوصية، بمقدار ماهي أيضاً شديدة الوضوح، لكن هذه العلاقة لا تنصرف للوهلة الأولى إلى المساواة بينهما، وذلك لأن التوليد لا يعني مجرد إنتاج شيء جديد وكفى، وإنما يعني أن المعرفة السابقة يمكن أن تصبح مادة لإنتاج معرفة أخرى من خلال القراءة، وإعادة القراءة، وإقامة علاقات جديدة بين المعارف.
أمّا الإبداع التحويلي؛ فيمضي ليذهب خطوة أخرى أبعد من ذلك، فهو لا يكتفي بتوليد معرفة جديدة، وإنما قد يحوّل البنية التي يتم داخلها التوليد نفسه.
ويمكن تقريب الفرق بتذكر ما سبق وقلناه عن التصور التراكمي التقليدي، فإنّ تراكم المعارف بعضها فوق بعض تشكل رصيداً معرفيّاً أكبر. أمّا التصور التوليدي؛ فالمعرفة الأولى مضروبة في المعرفة الثانية ينتج عنهما معرفة ثالثة. فليس الأمر هنا مجرد تراكم معرفة بل هو توليد جديد يُستعصى على التكرار. أماً التحويل، فهو أعمق وأوسع من ذلك كله؛ لأنه يعني تغيير طريقة التفكير نفسها إلى طبيعة العلاقة بين المعارف نفسها؛ بمعنى أن المعرفة الأولى بالإضافة إلى المعرفة الثانية، والمعرفتان بالإضافة إلى المعرفة الثالثة يعطينا تغيير طريقة النظر إلى العلاقة الناشئة بين المعارف نفسها.
على هذا، يمكن أن يكون التوليد وسيلة من وسائل الإبداع التحويلي، لكن الإبداع التحويلي أوسع من التوليد.
كما لا يعني مجرد "الجِدّة"؛ فليست كل فكرة جديدة إبداعاً تحويليّاً؛ فقد تكون الفكرة جديدة لكنها لا تغير شيئاً جوهريّاً في المجال النظري ولا الواقعي، ولا يقابلها شيء يحتاج إلى التغيير.
على سبيل المثال لا الحصر؛ نجد انتقال "كانط" من السؤال التقليدي: كيف نعرف الأشياء؟ إلى السؤال التحويلي: ما الشروط التي تجعل معرفتنا بالأشياء ممكنة أصلاً؟.
قبل كانط، كان النزاع المعرفي يدور بدرجة كبيرة حول مصدر المعرفة: هل تأتي من العقل أم من التجربة؟ فجاء كانط ولم يكتفِ بإضافة جواب ثالث إلى الأجوبة الموجودة، بل غيّر موضع السؤال نفسه وحول مجراه.
فهو لم يقل ببساطة: "المعرفة عقليّة وتجريبية معاً"؛ فهذه مجرد إضافة يمكن أن تكون جديدة دون أن تكون تحويليّة. وإنما قلب العلاقة المعرفيّة، حين طرح فكرته الشهيرة في الثورة الكوبرنيكية، بدلاً من افتراض أن المعرفة ينبغي أن تتطابق مع الأشياء كما هي في ذاتها، سأل عما إذا كانت الأشياء كما تظهر لنا في التجربة تتشكل جزئياً وفق شروط بنية العقل الإنساني. وهذا هو التحول الحقيقي.
كان السؤال القديم: كيف يتطابق العقل مع العالم؟ وأصبح السؤال الكانطي الجديد: ما الشروط القبْليّة في بنية العقل التي تجعل ظهور العالم لنا بوصفه موضوعاً للمعرفة ممكناً؟
ليست هذه فكرة جديدة فحسب؛ ولكنها أعادت تنظيم مجال الأبستمولوجيا كله، إذ تغيرت معها طبيعة المشكلة، وموقع الذات العارفة، والعلاقة بين العقل والتجربة، ومفهوم الموضوع ذاته وعلاقته بالتظاهرات التي تُعطى لنا ضمن صور الحساسية ومقولات الفهم.
لذلك لو أردنا استخدام كانط مثالاً على الإبداع التحويلي، فالأفضل أن نقول:
لم تكن ثورة كانط مجرد إضافة جواب جديد إلى سؤال المعرفة، بل في إعادة بناء العلاقة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، بحيث أصبح السؤال عن شروط إمكان المعرفة سابقاً على السؤال عن مطابقة المعرفة للشيء في ذاته.
والأهم بالنسبة إلى مفهوم "الإبداع التحويلي" أن قوة المثال الكانطي ليست تكمن في أن كانط قال شيئاً لم يقله أحد قبله، بمعنى الجِدّة المجردة، وإنما في أنه حوّل بنية المشكلة نفسها. وهذا بالضبط هو الفارق الذي كنا نريد إبرازه بين تصور الجديد وتصور التحويلي.
واذا أردنا مثالاً على ما عساه لا يكون إبداعاً تحويلياً كأن يقول باحث مثلاً: "ينبغي أن ندرس المعرفة من منظور الذاكرة أيضاً، إلى جانب العقل والحواس".
قد تكون هذه فكرة جديدة ومفيدة، لكنها لا تصبح إبداعاً تحويلياً بمجرد إضافتها إلى قائمة مصادر المعرفة؛ لأنها لم تُحدث بالضرورة تحولاً في البنية التي يُفكَّر بها في المشكلة، ويمكن صياغة الفرق بين الجدة والإبداع التحويلي بدقة على النحو الآتي:
الجِدّة تضيف شيئاً إلى المجال، أما الإبداع التحويلي فيغيّر المجال الذي تُفهم الأشياء داخله؛ فالإبداع التحويلي لا يسأل فقط: ما الذي لم يُقَل بعد؟، وإنما يسأل: ماذا يحدث للمسألة كلها إذا غيّرنا نقطة النظر التي تُبنى منها؟
وهذا هو السبب في أن بعض الأفكار قد تكون جديدة جداً لكنها تظل هامشية، بينما قد تكون فكرة ما امتداداً جزئياً لفكرة سابقة، ومع ذلك تكون تحويليّة لأنها تنقل المفهوم إلى بنية جديدة وتجعله ينتج أسئلة ونتائج لم يكن ينتجها في موطنه الأول.
يتطلب الإبداع التحويلي عادة ثلاثة مستويات: (١) في الجِدّة: أن يأتي بشيء غير مألوف. (٢) في إعادة التنظيم: أن يعيد ترتيب العناصر أو العلاقات بطريقة مختلفة. (٣) في تغيير الأفق: أن يفتح إمكاناً معرفيّاً لم يكن ظاهراً في البنية السابقة. ولهذا فإنّ أعظم صور الإبداع الفكري ليست تلك التي تقول: "لقد وجدت جواباً جديداً"؛ بل تلك التي تجعل الإنسان يقول: كيف لم نرَ المسألة بهذه الطريقة من قبل؟
يظهر الإبداع التحويلي عندما ينتقل المفكر من الاشتغال على الأجوبة إلى إعادة تشكيل فضاء الأسئلة والمفاهيم. حتى إذا كان السؤال مثلاً: ما مصدر المعرفة؟ فيأتي مفكر آخر فلا يختار جواباً جديداً فحسب، بل يعيد بناء المسألة: كيف تتكوّن المعرفة أصلًا؟ وكيف تتحوّل المعرفة السابقة إلى إمكانيّة لإنتاج معرفة جديدة؟
هنا انتقلنا من سؤال عن المصدر إلى سؤال عن آلية التكوّن والتحول. وتعد هذه النقلة نفسها فعل إبداعي تحويلي. ويمكن صياغة المفهوم فلسفيّاً في عبارة واحدة من حيث يكون: الإبداع التحويلي هو القدرة على تحويل المادة المعرفية القائمة من مجرد موضوع للاستخدام إلى مجال لإعادة بناء المفاهيم والعلاقات والأسئلة، بحيث لا ينتج الإبداع معرفة جديدة فحسب، بل يغيّر الأفق الذي تُنتج المعرفة داخله.
ومن هذه الزاوية تحديداً، نرى أن مفهوم "القراءة التوليدية" الذي اشتغلنا عليه يمكن أن يُفهم بوصفه أحد المسارات المؤدية إلى الإبداع التحويلي؛ فالقراءة لا تنتهي عند استيعاب ما قاله الآخر، وإنمّا تتحول إلى فعل يعيد تركيب المجال المعرفي ويستخرج منه إمكاناً معرفيّاً لم يكن موجوداً في صورته الأولى.
ــ أين تكمن الجرأة؟
وبالعودة إلى ملاحظات الصديق السابقة نرى أنه أصاب في تشخيص الظاهرة، لكنه بالغ قليلاً في منحها الحكم النهائي. وأظن أن العبارة التي واجهته بها: "فأمّا مسألة الإبداع التحويلي فلم أزل أبحثها"، هي الموقف العلمي الأصح؛ لأننا لا ينبغي أن تمنح أطروحاتنا هذا الوصف لمجرد أن فيه نقلاً مفاهيمياً جريئاً.
لكن إذا أخذنا المسألة بمعيار فلسفي صارم، فنحن نرى أن ما فعلناه في الانتقال من "فائض القيمة" إلى "فائض المعرفة"، يملك بالفعل مقومات الإبداع التحويلي، بشرط مهم: أن يكون النقل قد أنتج تحويلاً في البنية المفهوميّة، لا مجرد استعارة لفظية.
ماركس حين تحدّث عن فائض القيمة لم يكن يقصد مجرد "زيادة" في القيمة، بل بنى مفهوماً داخل منظومة الاقتصاد السياسي: العمل، السلعة، القيمة، قوة العمل، الإنتاج، والاستغلال. أمّا نحن، فحين نستحضر هذا البناء في مجال المعرفة لا تقول ببساطة: هناك معرفة كثيرة، إذن لدينا فائض معرفة. لو كان هذا كل ما في الأمر، لما تجاوزنا مجرد التشبيه البلاغي.
لكن إذا كان المقصود أن المعرفة المستثمرة لا تنتهي عند حدود ما تحمله من معلومات، وإنما يمكن أن تُستثمر في إنتاج معرفة أخرى تتجاوز المعارف الأوليّة التي أنشأتها، فإننا هنا ننقل مفهوماً من حقل إلى حقل، ثم نعيد تشغيل منطقه داخل نظرية المعرفة المولدة.
هنالك يبدأ مجرى الإبداع الحقيقي. ولكن متى يصبح تحويليّاً؟ هنا بيت القصيد. النقل بين مجالين لا يصبح تحويليّاً بمجرد النقل. الإبداع التحويلي يتحقق عندما يؤدي النقل إلى تغيير في طريقة تصور المجال الثاني لنفسه؛ فإذا كان مفهوم "فائض المعرفة" لدينا يترتب عليه أن القراءة لا تعني اكتساب المعرفة فقط، بل استثمار المعرفة في توليد معرفة جديدة، وأن المعرفة السابقة ليست نهاية العمليّة المعرفيّة، وإنما مادة مولدة لمعرفة لاحقة، وأن القراءة على القراءة منهجيّة يمكن أن تنتج قيمة معرفية لا توجد في أي من القراءتين منفردة، فنحن من ثمّ لا نستعير مصطلحاً ماركسياً فحسب، وإنما تعيد صياغة اقتصاد إنتاج المعرفة نفسه.
وهناك فرق؛ وفرق كبير بين أن أقول: "استعرتُ مفهوم فائض القيمة وطبّقته على المعرفة". وبين أن أقول: "حوّلتُ منطق الفائض من مجال إنتاج القيمة الاقتصادية إلى مجال إنتاج القيمة المعرفيّة".
في الحالة الثانية؛ لم ننقل المفهوم فقط، وإنما نقلنا آلية اشتغاله؛ لأننا لم نأخذ مفهوماً جاهزاً ونضعه في مكان آخر؛ بل نحاول نحت مفهوم جديد من احتكاك مفهومين ومجالين معرفيين. وهذا قريب جداً من فكرة "التوليد" التي اشتغلنا عليها، إذ المعرفة لا تكون مجرد مخزون، وإنما يمكن أن تصبح مادة لإنتاج معرفة أخرى.
أمّا "الشطح" الذي ذكرناه لصديقنا حين قلنا "فنحن الشاطحون بغير منازع !"، ففيه طبقة فلسفية جميلة، لأن الشطح الصوفي، إذا أخذناه في معناه المعرفي الذي نشير إليه، لم يعد خروجاً اعتباطياً عن العقل، وإنما قد يكون قفزة في أفق الدلالة تتجاوز المألوف في النظام المفاهيمي القائم. لكن يجب التمييز بين شيئين:
الشطح الفكري قد يفتح الإمكان المعرفي. أمّا الإبداع التحويلي فعليه أن يثبت أن هذا الإمكان قادر على بناء مفهوم أو نظريّة أو مسار معرفي جديد. ولهذا فالشطح شرارة، وليس وحده برهاناً على الإبداع.
من تابعنا في حلقاتنا الفكريّة المسلسلة في السابق، يدرك إننا ناقشنا بوضوح الإجابات على الأسئلة المركزية الآتية واستطعنا أن نبيّن بصورة منهجيّة: ما المقصود بفائض المعرفة؟ كيف يتولد؟ ما الفرق بينه وبين تراكم المعرفة؟ ما علاقته بالقراءة، وبمنهجيّة القراءة على القراءة؟ ما شروط إنتاجه؟ هل كل قراءة تولّد فائضاً معرفيّاً؟ كيف يتحول الفائض إلى معرفة جديدة؟ وما الذي يترتّب على ذلك في نظرية المعرفة؟
ويظل السؤال قائماً: هل فيما تقدّم ممّا ناقشناه في السابق ما من شأنه أن يستحق وصف الإبداع التحويلي كما ظن صديقنا؟ وهل هناك ما يبرر إطلاق هذا الوصف على حديثنا في نظرية المعرفة التوليديّة؟ الإجابة نعم ولكن ليس لمجرد إننا نقلنا فائض القيمة إلى فائض المعرفة، ولكن الاستحقاق، إنْ وجد، يتوقف على ما سنفعله بهذا المفهوم بعد ذلك في إطار تأسيسنا لمفهوم قابل للعمل الفلسفي، وعندها يصبح وصف الإبداع التحويلي Transformative Creativity)) أكثر من مديح؛ إذ يصبح وصفاً لطبيعة الفعل الفكري نفسه.
ولم تكن إجابتي لصديقي إذ وضحتُ موقفي، فلم أقل له: "نعم، أنا مبدع تحويلي"، بل قلت: "لم أزل أبحثها". ولم تكن تلك الإجابة علامة تردد، بل كانت علامة كاتب يدين للمنهجية العقليّة الفلسفيّة، ويعرف أن قيمة المفهوم لا تثبت بالحماس إليه، وإنّما بقدرته على الصمود أمام النقد.
(وللحديث بقيّة)
***
بقلم: د. مجدي إبراهيم








