عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مراد غريبي: الفيلسوف والأدب (3)

في العالم العربي، بمصر أولًا يبرز زكي نجيب محمود بوصفه النموذج الأوضح للفيلسوف الذي امتلك قلم الأديب، فقد جمع بين البحث الفلسفي والكتابة الثقافية والمقالة الأدبية، وسعى إلى تقريب الفلسفة من القارئ العربي، لا بتفريغها من دقتها، بل بإعادة صياغتها في لغة واضحة وحية، ولذلك عُدَّ من أبرز من جسّدوا عبارة «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء»، إذ لم يكتفِ بعرض الوضعية المنطقية والفلسفة الغربية، بل انشغل أيضًا بسؤال الأصالة والمعاصرة، وبإمكان بناء عقل عربي حديث يتفاعل مع التراث دون أن يستسلم له..

هناك العبقري عباس محمود العقاد الذي كان أديبًا وشاعرًا وناقدًا وصحفيًا ومفكرًا موسوعيًا، وقد تجاوز إنتاجه المائة كتاب في الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ والدين، ولم تكن الفلسفة عنده موضوعًا خارجيًا عن الأدب، بل كانت حاضرةً في كتاباته عن الإنسان والحرية والجمال والدين والشخصية التاريخية. ففي «الله» و«الفلسفة القرآنية» و«التفكير فريضة إسلامية» حاول أن يعالج قضايا الإيمان والعقل والروح والمجتمع معالجةً فكرية، بينما جعل في «العبقريات» من السيرة والتاريخ مجالًا لتحليل الشخصية والقيادة والضمير والمسؤولية، كما أن العقاد لم يكن شاعرًا يكتفي بالتعبير الوجداني، بل كان يرى الشعر موقفًا من الوجود ورؤيةً إلى الإنسان، وقد أسهم، مع إبراهيم المازني، في تأسيس مدرسة الديوان التي دعت إلى تجديد الشعر العربي، وربطت القصيدة بالتجربة النفسية والفكرية، ورفضت أن يكون الشعر مجرد محاكاة شكلية أو زخرفة لفظية، اذ يمكن القول إن العقاد كان أديبًا يمارس الفلسفة من خلال الشعر والنقد والسيرة والفكر الديني، وفيلسوفًا يحرص على أن تظل أفكاره متصلةً بجمال اللغة وحيوية التجربة..

أما طه حسين، فقد كان أديبًا وناقدًا ومؤرخًا للفكر والأدب، وصاحب مشروع تنويري جعل من المعرفة والتعليم والنقد العقلي شروطًا لتحرير الإنسان، لعل هناك من يقول لم يكن فيلسوفًا نسقيًا بالمعنى الأكاديمي الدقيق، لكن كتاباته حملت وعيًا فلسفيًا واضحًا، ظهر في دفاعه عن العقل والمنهج والشك المنهجي، وفي مساءلته للموروث وطرائق إنتاج الحقيقة. وقد أثارت دراسته للشعر الجاهلي نقاشًا واسعًا لأنها نقلت إلى الأدب العربي أدوات نقدية حديثة، ودفعت إلى مراجعة المسلّمات الموروثة بدل قبولها لمجرد شيوعها.. بل يتجلى البعد الفلسفي عند طه حسين أيضًا في أعماله الأدبية، مثل «الأيام» و«دعاء الكروان» و«المعذبون في الأرض». فهذه الأعمال لا تكتفي بسرد التجربة أو تصوير المجتمع، بل تطرح أسئلة الحرمان والعدالة والكرامة والتعليم والقدر والاختيار. وفي «الأيام» تتحول السيرة الذاتية إلى تأمل في علاقة الإنسان بالعجز والمعرفة والإرادة، بينما تكشف «دعاء الكروان» عن الصراع بين التقاليد والعدالة، وبين سلطة المجتمع وحق الفرد في الحياة والاختيار..

بينما يبرز نجيب محفوظ في مرحلته الفلسفية (ثلاثية «الحرافيش»، و«أولاد حارتنا»، و«رحلة ابن فطومة») روائيًا يجعل من السرد فضاءً للسؤال عن العدالة والحقيقة والحرية والقدر، دون أن يفقد الرواية جاذبيتها السردية.

و ببلاد الحرمين، يمكن التوقف عند عبد الله القصيمي، الذي جمع بين الكتابة الفكرية والبلاغة الجدلية والأسلوب الأدبي الحاد، فقد جاءت مؤلفاته في صورة نصوص فكرية ذات كثافة لغوية ومفارقات وسجالات، ولم يكن يعرض أفكاره في لغة أكاديمية جافة، بل في كتابة هجومية وتأملية تستفز القارئ وتدفعه إلى مراجعة مسلّماته. ومن كتبه «العرب ظاهرة صوتية» و«هذا الكون ما ضميره؟»، وهي أعمال تشتغل على أسئلة العقل والدين والمجتمع والحرية، وإن اختلفت المواقف من حدتها واستنتاجاتها.

ويضاف إلى ذلك غازي القصيبي، الذي لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي، لكنه جمع بين الشعر والرواية والمقالة والتأمل الثقافي، وطرح في أعماله أسئلة السلطة والاغتراب والبيروقراطية والحرية والإنسان.. ففي رواياته وقصائده يتداخل الأدبي بالسياسي، واليومي بالفكري، ويتحول الأدب إلى وسيلة لفحص علاقة الفرد بالمؤسسة والمجتمع والتاريخ. ومن المهم هنا التمييز بين الفيلسوف المتخصص والمثقف الأديب ذي الحس الفلسفي، حتى لا نحمّل الأسماء أكثر مما تحتمل.

أما في الشام، يقدم زكي الأرسوزي نموذجًا مبكرًا للمفكر الذي جمع بين الفلسفة واللغة والأدب والقومية، إذ اهتم بأصل الكلمات وباللغة بوصفها حاملةً لذاكرة الجماعة وتصورها للعالم..

كما يبرز أنطون سعادة، الذي صاغ مشروعًا فكريًا وسياسيًا ذا طابع فلسفي، واستفاد في عرضه من اللغة الأدبية والرموز التاريخية والتأمل في الأمة والمجتمع والهوية. غير أن حضورهما يقع في منطقة المفكر الفلسفي ذي التعبير الأدبي أكثر من وقوعه في مجال الأديب الذي يكتب الفلسفة صراحة.

أما بمكة الثوار الجزائر، يمكن وصف العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي بأنه فيلسوف الإصلاح؛ لا لأنه أنشأ نسقًا فلسفيًا بالمعنى المدرسي، وإنما لأنه امتلك تصورًا متكاملًا للإنسان واللغة والدين والتاريخ، فالإنسان عنده لا يتحرر إلا بالعلم، ولا ينهض إلا بامتلاك وعيه، ولا يصون هويته إلا إذا صان لغته، ولا يواجه الاستعمار العسكري ما لم يقاوم الاستعمار الثقافي. وهذه الرؤية تتجاوز الوعظ المباشر إلى فلسفة في النهضة، تجعل المعرفة شرطًا للحرية، والأدب وسيلة لبناء الوعي، والإصلاح فعلًا حضاريًا شاملًا.

وبذلك أثبت العلامة الإبراهيمي أن الفلسفة والأدب كانا، في التجربة العربية الإسلامية، متداخلين داخل مشروع العالم والمصلح. فقد كان الفقيه فيه أديبًا، والأديب فيه مربيًا، والمصلح فيه مفكرًا، والمفكر فيه صاحب بيان. وإذا كان ابن المقفّع قد جعل الحكمة السياسية تتكلم بلسان الحكاية، وابن حزم قد جمع بين الفقه والأدب وتحليل النفس، فإن البشير الإبراهيمي جعل اللغة العربية والأدب والفقه أدواتٍ متكاملة لتحرير الإنسان الجزائري وبناء وعيه الحضاري..

مالك بن نبي يقدم نموذجًا فريدًا للمفكر الذي جعل مشروعًا فكريًا كاملًا يدور حول فلسفة الحضارة، ووجد في الرواية والمذكرات وسيلتين لتجسيد هذا المشروع، فقد وضع بن نبي كل مؤلفاته تحت عنوان جامع هو «مشكلات الحضارة»، ورأى أن أزمة العالم الإسلامي أزمة حضارية بامتياز، يمكن تحليلها بمعادلة بسيطة وعميقة: الحضارة = الإنسان + التربة + الوقت. غير أن هذا التحليل الفلسفي لم يظل حبيس المصطلحات، بل تجسد في أعمال أدبية: برواية «لبّيك» (1947) التي وُصفت بأنها رواية فلسفية، تجعل من رحلة الحج والإنسان والمكان والزمان مجالًا لاختبار معادلة الحضارة وتمثل شروط النهضة في جسد سردي..

وفي مرحلة النضج، كتب «مذكرات شاهد للقرن» (القسم الأول «الطفل» ، والقسم الثاني «الطالب» ، القسم الثالث « الكاتب »)، وهي سيرة ذاتية ذات بعد فكري وحضاري، لا تكتفي بسرد الذكريات، بل تقرأ الطفولة في الجزائر والدراسة في فرنسا بوصفها مختبرًا حيًا لتفاعل «الإنسان» مع «التربة» و«الوقت»، وتكشف كيف تشكّلت رؤية بن نبي للحضارة من خلال تجربة الاغتراب والمواجهة بين الثقافتين، ليعرب بن نبي أن الفلسفة لا تُكتب دائمًا في لغة المفاهيم؛ فقد تُكتب في رواية تختبر الفكرة في مصير شخصية، أو في مذكرات تجعل من السيرة الشخصية شهادة على عصر وتحولات حضارة. وهو بهذا يقترب من تقليد ابن سينا في «حي بن يقظان» وابن طفيل في صياغته اللاحقة، وابن عربي في «ترجمان الأشواق»، حيث يصبح الأدب لغةً للفلسفة، وتصبح الفلسفة عمقًا للأدب.

 ويبرز عبد الحميد بن هدوقة أحد رواد الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، وصاحب رواية «ريح الجنوب» التي صدرت سنة 1971، بوصفه أديبًا جعل من السرد مجالًا للتفكير في الإنسان والمجتمع والتحول التاريخي. فقد تناول في رواياته قضايا الأرض والريف والمرأة والسلطة والتقاليد والعدالة، ولم يكن الواقع عنده مجرد مادة للحكاية، بل سؤالًا مفتوحًا عن علاقة الإنسان بمحيطه، وعن الصراع بين الموروث والحداثة، وبين ضرورات الجماعة وحق الفرد في الاختيار.. وفي أعمال مثل «نهاية الأمس» و«بان الصبح» و«الجازية والدراويش»، يتحول السرد إلى مساءلة للوعي الاجتماعي، وتغدو الشخصيات مرايا لتوترات الجزائر وهي تعبر من زمن الاستعمار إلى زمن الاستقلال وبناء الدولة، لقد عُرف بن هدوقة روائيًا وقاصًا وشاعرًا وكاتبًا مسرحيًا، الأمر الذي يجعل تجربته مثالًا على تداخل الأجناس الأدبية واتساع الأدب لاستيعاب الأسئلة الفكرية والتاريخية.

ويأتي أحمد رضا حوحو نموذجًا جزائريًا آخر للأديب الذي اتخذ من الأدب وسيلةً للنقد الاجتماعي والوعي الإنساني، حيث اعتمد في قصصه ومقالاته أسلوب السخرية والمفارقة والحوار، وكشف من خلاله مظاهر الجهل والنفاق والاستبداد والتفاوت الاجتماعي، من غير أن يحوّل نصوصه إلى مواعظ مباشرة أو خطب إصلاحية، وكانت كتابته تنطلق من الإيمان بأن الأدب لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يساعد على تعريته وإعادة النظر فيه؛ فالشخصية الساخرة عنده ليست مادة للضحك وحده، بل أداة لكشف اختلال القيم، والموقف الكوميدي ليس ترفًا، بل طريقة لإظهار التناقض بين ما يدّعيه المجتمع وما يمارسه في الواقع..

من هنا يقترب حوحو من الفلسفة الاجتماعية؛ إذ يجعل الأدب سؤالًا عن الإنسان، والحرية، والكرامة، ومسؤولية المجتمع عن إعادة إنتاج عيوبه.

وإذا كان ابن هدوقة قد جعل الرواية فضاءً لتحليل التحولات الاجتماعية والتاريخية، فإن حوحو جعل القصة والمقالة مجالًا للنقد والسخرية وكشف الأقنعة. كلاهما يثبت أن الأدب الجزائري لم يكن منفصلًا عن التفكير في الإنسان والمجتمع، وأن الفلسفة قد تحضر في النص الأدبي لا على هيئة مصطلحات مجردة، بل في صورة موقف، وشخصية، وصراع، ومفارقة. فالأديب لا يحتاج دائمًا إلى أن يعلن انتماءه إلى الفلسفة حتى يكون نصه فلسفيًا؛ يكفي أن يضع الإنسان أمام أسئلته العميقة، وأن يجعل القارئ يرى الواقع لا كما اعتاده، بل كما ينبغي أن يُساءل ويُفهم.

أما إسم بختي بن عودة، ذلك المثقف الشهيد الذي جمع بين النقد الأدبي والشعر والصحافة والتفكير الفلسفي، وجعل من الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية، لم يكن الأدب عنده ترفًا لغويًا أو انشغالًا جماليًا منفصلًا عن الواقع، بل كان وسيلةً لإعادة بناء الوعي، وتفكيك المسلّمات، والدفاع عن الحداثة والعقل والحرية في زمن كانت فيه الثقافة مهددةً بالانغلاق والعنف.

اشتغل الشهيد بختي بن عودة على قضايا الكتابة والنقد والتأويل، واهتم بما سماه النقاد مشروعًا حداثيًا يسعى إلى تحرير النص من القراءات الجامدة، والقارئ من سلطة الأحكام الجاهزة..

ومن هذه الزاوية، يمثل بختي بن عودة نموذجًا خاصًا للفيلسوف الأديب في الجزائر: ليس لأنه أسس نسقًا فلسفيًا مكتملًا، بل لأنه مارس التفكير الفلسفي من داخل النقد والشعر والصحافة والعمل الثقافي، كان يؤمن بأن المعركة ضد الظلامية لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تُخاض أيضًا بالكتاب، والسؤال، والقصيدة، والندوة، والقدرة على إنتاج معنى جديد للحياة..

دون أن انسى استاذي الفاضل البروفسور عبد القادر بوعرفة نموذجًا جزائريًا معاصرًا للمثقف الذي لم يفصل بين الفلسفة والأدب، بل جعل الكتابة مجالًا مشتركًا للتأمل في الإنسان والوجود والمجتمع، فيلسوف وأكلديمي وكاتب وأديب، اشتغل على قضايا الفكر الجزائري، والتراث الفلسفي، والحداثة، والتنوير، كما اتخذ من القصة والحكاية والسخرية وسائل لتقريب الأسئلة الفلسفية من القارئ، حيث تكشف عناوين بعض كتاباته عن التداخل بين التفكير النظري والخيال الأدبي والتأمل في الواقع، كثورة على الجمود والتخلف حيث تستنطق الفكرة الواقع وتلاحق القصة الاسئلة الممنوعة او المسكوت عنها، اذ تقدم مجموعته القصصية «كانوا هنا» صورة واضحة لهذا التداخل؛ فالقصة عند بوعرفة لا تكتفي بسرد حدث أو رسم شخصية، بل تنفتح على أسئلة الألم والذاكرة والكفاح والغياب والمعنى، فشخصياته لا تتحرك في فضاء حكائي محض، وإنما تحمل توترًا وجوديًا يكشف هشاشة الإنسان، وصراعه مع الواقع، ومحاولته استعادة كرامته وسط عالم تتنازعه القسوة والتهميش والنسيان. وقد وُصفت المجموعة بأنها تمزج بين الحس الأدبي والهمس الفلسفي، وتبرز التناقض الكامن في التجربة الإنسانية.

بينما في بلاد الرافدين يبرز جميل صدقي الزهاوي وحسام الآلوسي، الفيلسوف العراقي الذي جمع بين البحث الفلسفي والاهتمام بالأدب واللغة والتراث وهادي العلوي  الذي استطاع أن يقدم شخصيات وأفكارًا تراثية في صورة حية تجعل الماضي شريكًا في أسئلة الحاضر، كما عُدَّ من الكتّاب الجامعين بين الفلسفة والتراث والادب في المشهد العراقي المعاصر.

وفي مجال الشعر، يبرز بلند الحيدري، الذي تأثر بالفكر الوجودي وبأسئلة الحرية والاغتراب والتمرد والقلق، لم يكن شعره منفصلًا عن المناخ الفلسفي الذي عرفه العراق والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي العراق المعاصر، يبرز عبد الجبار الرفاعي بوصفه مفكرًا متخصصًا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، لكنه لا يكتب الفلسفة باعتبارها بناءً ذهنيًا جافًا، بل يجعلها تجربةً إنسانية وروحية تتصل بالمعنى والكرامة والحب والاغتراب والرجاء، وتكشف عناوين مثل «الدين والظمأ الأنطولوجي»، و«الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، و«الدين والكرامة الإنسانية»، و«مسرات القراءة ومخاض الكتابة» عن مشروع يتجاور فيه الفلسفي بالديني، والتأملي بالأدبي، والنظري بالسيرة الشخصية.

ويأتي ماجد الغرباوي نموذجًا آخر للمفكر العراقي الذي جمع بين الفكر النقدي الثقافي والكتابة الأدبية ذات النفس الفلسفي وقد صدر مؤخرا كتابه نصوص أدبية بعنوان: (يتهادى حُلماً). فقد جعل من قضايا التسامح والحرية والتنوير محاور أساسية في مشروعه، وتتميز كتابته بقدرتها على تحويل القضايا الفكرية المعقدة إلى أسئلة قريبة من الإنسان، تتصل بالخوف والاختلاف والسلطة والضمير والمسؤولية.

إن أهمية الغرباوي لا تكمن في إنتاج خطاب فلسفي اصطلاحي فحسب، بل في سعيه إلى بناء وعي نقدي يحرر الإنسان من أسر القراءة الأحادية عبر الفكر التجديدي والأدب بشتى اشكاله من القصيدة الى القصة والرواية فهو يكتب في منطقة تتقاطع فيها الفلسفة مع الأدب؛ لأن التأويل عنده ليس عملية تقنية، بل فعلٌ إنساني يشارك فيه القارئ بخبرته وذاكرته وأسئلته.

أما رسول محمد رسول، فيمثل صورة أكثر مباشرة للفيلسوف الأديب؛ فقد عُرف كاتبًا وفيلسوفًا عراقيًا متخصصًا في الفلسفة الألمانية، وكتب في الفلسفة والرواية والدراسات النقدية. ومن مؤلفاته «فتنة الأسلاف: هيدغر قارئًا كانط» و«إنسان التأويل»، إلى جانب أعمال روائية ونصوص أدبية، مما يجعله نموذجًا للمثقف الذي يتحرك بين الفلسفة والسرد والنقد دون أن يرى بينها قطيعة.

ويكتسب رسول محمد رسول أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بتفسير الفلسفة، بل يختبر إمكاناتها داخل الأدب. فالفلسفة الألمانية، ولا سيما عند هايدغر، ترتبط عنده بسؤال اللغة والتأويل والوجود، وهي أسئلة لا تُفهم خارج التجربة الأدبية، حيث الإنسان ليس عقلًا مجردًا يواجه العالم من خارجه، بل كائن يتشكل داخل اللغة، ويحيا في التاريخ، ويبحث عن ذاته من خلال السرد والتأويل، حتى اصبحت الرواية عنده امتدادًا للتفكير الفلسفي، كما يصبح البحث الفلسفي فعلًا من أفعال القراءة والتأويل.

والاكيد أننا يمكننا أن نضيف العديد من الأسماء التي أسهمت أعمالهم في إبراز تجاور الفلسفة مع الأدب من نواكشط الى صلالة..

(يتبع)

***

أ. مراد غريبي

 

في المثقف اليوم