قضايا
غالب المسعودي: طريق الفتوحات في الشرق الأوسط
متاهة الهوية والتوظيف السياسي للتاريخ - مقاربة فلسفية
الوجود المفتوح وصيرورة المكان
تُعد منطقة الشرق الأوسط، في جوهرها الوجودي، فضاءً مفتوحاً على صيرورة لا تنتهي من التدفقات البشرية والتحركات العسكرية التي شكلت ما يمكن وصفه بـ "المتاهة العرقية". هذه المتاهة استعصت تاريخياً على محاولات الحصر والتقنين القومي الحديث التي حاولت قولبة التعدد في أطر ضيقة. إن هذا الفضاء الجغرافي ليس مجرد مسرح للأحداث، بل هو بنية معقدة من المسارات التي تداخلت فيها الهويات والمصالح المرتبطة بالجغرافيا السياسية عبر آلاف السنين. إن الفهم الفلسفي لهذه المتاهة يقتضي تفكيك العلاقة الجدلية بين السلطة والأرشيف، وبين الذاكرة الجمعية والمشاريع السياسية التي تسعى لفرض سرديات متجانسة على واقع يتسم بالسيولة والتعدد الجذري.
التشكيل الإنساني للمتاهة: نقد النقاء المتوهم
تضرب جذور المتاهة العرقية في الشرق الأوسط في أعماق العصور القديمة، حيث كانت مسارات الهجرة والفتح تشكل أنماطاً سكانية لا تخضع لتصنيفات "العرق" أو "القومية" بالمعنى المعاصر. في عصر فجر السلالات ببلاد ما بين النهرين، كانت التحركات البشرية بين الشمال والجنوب، وبين بابل وآشور، تعكس تداخلاً ثقافياً جعل من الصعب الجزم بوجود حدود عرقية فاصلة. إن الاختلافات في النحت أو الفن، التي حاول بعض المؤرخين المتأثرين بالنزعات القومية تفسيرها كفوارق عرقية صلبة، تُفهم اليوم فلسفياً كاختلافات في المدارس الفنية المحلية والبيئات الجغرافية، أكثر من كونها انعكاساً لنقاء سلالي متوهم.
تطور هذا التداخل مع صعود الإمبراطوريات الكبرى، حيث أصبحت المنطقة ممراً إلزامياً للجيوش والقوافل، مما أدى إلى نشوء هويات "وظيفية" عابرة للروابط الجينية. في العصور الإسلامية، لم يكن الانتماء السياسي قائماً على "التصنيف العرقي"، بل على الولاء العقدي أو الدور الوظيفي داخل جهاز الدولة. فعلى سبيل المثال، ظلت الهوية "التركية" لقرون طويلة مرادفة لطبقة الحكم والإدارة العسكرية، بصرف النظر عن الأصول السلالية الدقيقة للأفراد، وهو ما خلق نموذجاً يربط السلطة بالدور لا بالدم.
آليات محو الأرشيف والعنف الرمزي
عندما نصف الشرق الأوسط بأنه "متاهة غير مؤرشفة"، فإننا نشير إلى عملية سياسية نشطة ومستمرة من "إلغاء الأرشفة". فالأرشيف في المنظور الفلسفي ليس مستودعاً محايداً للوثائق، بل هو أداة سلطوية تختار ما يستحق البقاء في الذاكرة وما يجب نفيه إلى النسيان. إن بناء الدولة القومية في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى استند إلى ممارسة "عنف أرشيفي" منظم، تم من خلاله إقصاء الهويات التي لا تتناسب مع النموذج القومي السائد.
تطرح الدراسات الإنسانية المعاصرة مفهوم "التاريخ غير المؤرشف" للإشارة إلى تلك السير والذكريات التي تُصنفها السلطة كـ "هامشية" أو "غير عقلانية “، نجد أن محاولات الاستعمار ثم بعض القوى اللاحقة طمس التعدد الثقافي واللغوي لصالح هوية أحادية كان يهدف إلى السيطرة على "المستقبل" عبر التحكم في "الماضي". إن هذا المحو المتعمد يخلق فجوات في الذاكرة الجماعية، مما يجعل المجتمع يعيش حالة من الاغتراب تجاه تاريخه الحقيقي المتمثل في المتاهة.
التوظيف السياسي لمسارات الفتح في الصراعات المعاصرة
لا تُعد مسارات الفتح القديمة مجرد ذكريات غابرة، بل هي "بنية تحتية ذهنية" تُستحضر لإعادة رسم خرائط النفوذ وتبرير التدخلات العسكرية والسياسية. إن القوى الإقليمية الكبرى تعيد اليوم "تمثيل" التاريخ لاستحضار شرعية مفقودة؛ فكل تحرك عسكري معاصر يُلبس رداءً تاريخياً قديماً، وكأن الجغرافيا السياسية الحالية هي استكمال لفتوحات مضى عليها ألف عام. هذا التوظيف يحول التاريخ من مجال للعبرة إلى سلاح للتحريض.
تفكيك "النزعة الثقافوية" والجوهر الثابت
يقدم المفكر عزيز العظمة نقداً جذرياً لما يسميه "النزعة الثقافوية" في دراسة المنطقة. يرى العظمة أن هناك ميلاً أيديولوجياً لجمع الظواهر التاريخية المشتتة في "كتلة واحدة" صلبة تسمى "الشرق"، ومن ثم افتراض وجود "جوهر" ثابت وعابر للزمن يحدد سلوك هذه المنطقة.
إن تصوير مسارات الفتح كاندفاعات لعناصر عرقية أو دينية صافية هو تزييف للواقع "المتاهي". يجادل العظمة بأن الخطاب المعاصر يسعى لـ "نمذجة" التاريخ لخدمة أغراض سياسية، حيث يتم تحويل الدين من تجربة روحية واجتماعية متنوعة إلى أيديولوجيا إقصائية تسعى لفرض النقاء الثقافي. إن تصوير الصراع بين "الشرق" و"الغرب" كصراع وجودي نابع من طبائع ثابتة هو إنكار للظروف المادية والاقتصادية (مثل السيطرة على طرق التجارة ومنابع الطاقة) التي كانت المحرك الفعلي للفتوحات تاريخياً.
الزمنية الذاتية مقابل التسلسل الزمني الغربي
تنبني أرشفة التاريخ في منطقتنا غالباً على "تسلسل زمني أوروبي" يفرض تقسيمات (قديم، وسيط، حديث) قد لا تتوافق مع التحولات الذاتية للمنطقة. هذا الفرض القسري للقوالب الزمنية يساهم في تغريب الهوية المحلية، ويجعلها تبدو في حالة "تخلف" دائم عن الركب العالمي، مما يمنح القوى المهيمنة شرعية التدخل تحت دعاوى "التحديث". إن الفلسفة التاريخية تتطلب منا البحث عن "زمننا الخاص" الذي يعترف بفترات الازدهار والركود بناءً على معطياتنا الحضارية لا بناءً على مسطرة الآخر.
الذاكرة المضادة: المقاومة من قلب المهمش
في مواجهة محاولات الأرشفة القسرية، تبرز "الذاكرة المضادة" كفعل مقاومة. يستلهم هذا المفهوم من أفكار ميشيل فوكو، حيث يتم البحث في "المنسي" و"المهمش" لتقويض السرديات الكبرى. إن حكايات الأقليات، وأغاني القوافل، وذكريات المدن الحدودية التي دمرتها الحروب، كلها تشكل ذاكرة مضادة ترفض الاختزال في هوية قومية واحدة.
الصراعات العرقية: ثمن الأرشفة القسرية
إن المتاهة العرقية لم تتحول إلى "أزمة" إلا عندما حاولت القوى الحديثة تصنيفها قسرياً. إن الفشل في تعريف هوية وطنية جامعة يعود إلى إرث "الحدود المصطنعة" (اتفاقيات سايكس بيكو) التي تجاهلت السيولة التاريخية للمنطقة. لقد تم تجميع مكونات متنوعة داخل حدود ضيقة، مع فرض هوية "من الأعلى" عبر أنظمة شمولية، مما أدى إلى انفجار الهويات "غير المؤرشفة" عند أول اهتزاز سياسي.
نحو أفق جديد: قبول المتاهة
إن المقاربة الفلسفية لطريق الفتح تقودنا إلى ضرورة إعادة التفكير في علاقتنا بالماضي. المتاهة ليست مشكلة تتطلب حلاً، بل هي غنى ثقافي يجب قبوله. لبناء دول مستقرة، يجب أن تشمل السرديات الوطنية تجارب المهمشين، والاعتراف بأن "صمت الأرشيف" هو بحد ذاته دليل على عنف ممارس.
يجب التوقف عن استحضار التاريخ لتبرير الهيمنة، والتحول نحو "عقد اجتماعي إقليمي" يحترم التعدد. إن طريق الفتح، بدلاً من أن يكون مساراً للسيطرة، يمكن أن يصبح طريقاً للفهم الحضاري إذا قرأناه كقصة مستمرة من اللقاء الإنساني. إن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه المتاهة من ساحة للصراع إلى فضاء للتعايش، حيث تُحترم كل الذكريات وتُحفظ كل الهويات.
***
غالب المسعوي
.......................
مرجعيات
- عزيز العظمة: "العلمانية من منظور مختلف" و"دنيا الدين في غرب أفريقيا". (لبحث مفاهيم الثقافوية والجوهرانية).
- ميشيل فوكو: "حفريات المعرفة". (لفهم آليات الأرشيف والذاكرة المضادة).
- إدوارد سعيد: "الاستشراق". (حول تمثيلات الشرق في الذهنية الغربية).
- وجيه كوثراني: "الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين الطويل". (حول تشكل الهويات في المشرق العربي).
- محمد أركون: "المسكوت عنه في الفكر الإسلامي". (لبحث الفجوات في الأرشيف الديني والسياسي).







