عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

احمد الكافي يوسفي: من تاريخ التربية إلى فلسفة التربية

نقد القراءة الاختزالية لـ"تاريخ وفلسفة التربية".. لوثيقة الجديدة للإجازة الوطنية للتربية والتعليم

بمثابة تقديم: دفاعا عن البعد الفلسفي في "تاريخ وفلسفة التربية"

يثير التحول الذي عرفه برنامج إجازة التربية والتعليم في تونس سؤالا مشروعا حول موقع الفلسفة في تكوين المعلمين: هل يعني غياب تسمية «الفلسفة العامة» و«فلسفة العلوم» من بعض الوحدات الجديدة إلغاء للفلسفة، أم أننا أمام إعادة توجيه لمجال اشتغالها داخل تكوين مهني غايته إعداد المعلم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تُبنى على العناوين المعزولة أو على مقارنة لفظية بين البرامج القديمة والجديدة، وإنما تقتضي قراءة الوثيقة في كليتها، والاشتغال تحديدا على العنونة، والمحاور، والأهداف، والمفاهيم التي تستدعيها، ونمط التكوين الذي تتوجه إليه.

ومن هنا تأتي هذه المحاولة للدفاع عن البعد الفلسفي الكامن في مادة تاريخ وفلسفة التربية  Histoire et philosophie de l’éducation، لا دفاعا عن تسمية إدارية، ولا بحثا عن حضور شكلي للفلسفة

السؤال الاوّل: هل حُذفت الفلسفة أم تغير موقعها ووظيفتها في تكوين المعلمين؟

أود أن أوضح منذ البداية أنني لا أدافع عن حذف الفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا، بل أقول شيئا أكثر تحديدا: غياب الفلسفة العامة وفلسفة العلوم بوصفهما مادتين مستقلتين لا يساوي منطقيا إلغاء الفلسفة من تكوين المعلمين. وهذا ليس دفاعا عن الاسم، وإنما قراءة في بنية البرنامج ومحتواه وأهدافه.

أولا: علينا أن نحدد محل النزاع

إذا كان المقصود أن الفلسفة العامة التي كانت تدرّس في السنة الأولى قد أزيلت من البرنامج الجديد، وأن الإبستمولوجيا لم تعد تظهر بوصفها مادة مستقلة، فأنا لا أرى موجبا لإنكار ذلك إذا كانت الوثيقة تثبته.

لكن الانتقال من هذه العبارة: أزيلت الفلسفة العامة والإبستمولوجيا إلى العبارة: أُلغيت الفلسفة في تكوين المعلمين ليس انتقالا بديهيا. فالوثيقة نفسها تضع في السداسي الثاني مادة بعنوان:

Histoire et philosophie de l’éducation  تاريخ وفلسفة التربية

كما أن الوزارة، بحسب ما ينقله الدكتور فتحي التريكي نفسه، لم تقل إنها ألغت الفلسفة من المسار، بل أكدت له أنها موجودة في السنة الأولى وفي السنة الثالثة في صورة فلسفة موجهة إلى الطفل.

إذن محل الخلاف الحقيقي ليس وجود الفلسفة أو عدم وجودها، وإنما طبيعة الحضور الفلسفي ومقداره وتوزيعه.

وهذا فرق لا يجوز إغفاله.

السؤال الثاني: لكن هل «تاريخ وفلسفة التربية» مجرد تاريخ؟

هنا تحديدا أختلف مع بعض الاصدقاء. لأن الحكم على المادة لا ينبغي أن يصدر من عناوين الأجزاء الثمانية وحدها، وإنما من الأهداف التي حددتها الوثيقة للمادة. وهذا مهم جدا. لو كانت الوثيقة تقول إن الطالب سيحفظ مراحل تاريخ التربية وأسماء المربين، لكان وصف المادة بأنها تاريخ للتربية وصفا قريبا من الصواب. لكن الأهداف المعلنة تقول شيئا آخر.

الهدف AA1

الوثيقة لا تتحدث عن تاريخ التربية فقط، وإنما عن:

أهم التصورات الفلسفية والتربوية للتربية

les principales conceptions philosophiques et pédagogiques de l’éducation

ثم تطلب وضع هذه التصورات في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي. وهنا نحن أمام سؤال فلسفي واضح: كيف تتغير صورة التربية عندما تتغير صورة الإنسان والمجتمع والمعرفة؟ فالفلسفة ليست في «الأسماء» وإنما في التصورات التي تنتجها تلك الأسماء.

والهدف AA2 أكثر وضوحا

الوثيقة تطلب فهم تطور الأفكار المتعلقة بـ: التربية، التعلم، النمو الإنساني، دور المعلم. أي أننا أمام سؤال: أي تصور للإنسان يقف وراء كل تصور للتربية؟ وهذا ليس مجرد تاريخ.

فحين ننتقل مثلا من تصور للطفل بوصفه موضوعا للتشكيل إلى تصور يجعله مركز العملية التربوية، فإننا لا ننتقل فقط بين مرحلتين تاريخيتين، وإنما ننتقل بين تصورين للإنسان وللحرية وللمعرفة ولعلاقة المربي بالمتعلم.

هذه هي فلسفة التربية تحديدا.

ثم يأتي الهدف AA3 ليحسم جزءا كبيرا من الإشكال

الوثيقة تطلب من الطالب:

Analyser de manière critique les théories éducatives

أي: تحليل النظريات التربوية تحليلا نقديا. ولا تتوقف هنا، بل تطلب تحديد: الاستمراريات والقطائع والنقاشات المؤسسة.

إذن المطلوب ليس: ماذا حدث في القرن السابع عشر؟ بل: ما الذي تغير؟ ولماذا؟ وما الذي استمر؟ وما الذي انقطع؟ وما الجدل الذي أنتج هذه التحولات؟ وكيف أثرت هذه النظريات في المدرسة الحالية؟

وهنا أقول لاصدقائي: إذا كان تحليل النظريات التربوية تحليلا نقديا والكشف عن قطائعها واستمرارياتها ونقاشاتها المؤسسة لا يمثل تفكيرا فلسفيا، فما الذي نسميه تفكيرا فلسفيا في التربية؟

والأهم: الوثيقة لا تحبس المادة في الماضي

من خلال الهدف AA4 يطلب: ربط إسهامات كبار المربين بقضايا التربية المعاصرة، ولا سيما في السياق التونسي. وهذا يعني أن أفلاطون وروسو وديوي وفريري وغيرهم ليسوا غاية المادة. التاريخ هنا يصبح وسيلة لفهم الحاضر. أي أن السؤال ليس: ماذا قال ديوي؟ بل: ما الذي تسمح لنا فلسفة ديوي بفهمه في المدرسة المعاصرة؟ وليس: ماذا قال فريري؟ بل: ما معنى التربية بوصفها ممارسة نقدية وتحررية؟ وهنا بالضبط ينتقل تاريخ التربية إلى فلسفة التربية.

أما الهدف AA5 فيجعل التجربة التونسية جزءا من التحليل الوثيقة لا تكتفي بتاريخ التربية الغربية، بل تطلب: فهم تطور التربية في تونس من خلال تحليل الإصلاحات المختلفة وعلاقتها بالنظريات التربوية وكبار المربين. إذن الإصلاح التربوي التونسي لا يقدم بوصفه سلسلة من التواريخ والقرارات فقط. بل يسأل: ما التصور التربوي الذي كان وراء الإصلاح؟ ما صورة الطفل؟ ما صورة المعلم؟ ما غاية المدرسة؟ ما نوع المعرفة التي يراد إنتاجها؟ ما علاقة الإصلاح بالمجتمع والدولة والحداثة؟ وهذه أسئلة تقع في صميم فلسفة التربية.

أما AA6 فهو في رأيي أقوى دليل الوثيقة تطلب:

Développer une posture réflexive et citoyenne face aux finalités de l’éducation...

أي: تنمية موقف تأملي ومواطني تجاه غايات التربية، وتصورات الطفل والتعلم ودور المعلم، في منظور ديمقراطي وشامل. لنقف عند عبارة:

finalités de l'éducation  غايات التربية.

ما غاية التربية؟ هل التربية لتكييف الفرد مع المجتمع؟ أم لتحريره؟ هل المدرسة لإعادة إنتاج المجتمع؟ أم لنقده؟ هل المعلم سلطة؟ أم ميسر؟ هل الطفل موضوع للتشكيل؟ أم ذات مستقلة؟ ما علاقة التربية بالديمقراطية؟ ما معنى التربية الشاملة؟ هذه ليست "مهارات حياة" إنها أسئلة فلسفية مؤسسة للفعل التربوي. ولذلك لا أتفق مع وصف المادة بأنها "تعويم للفلسفة" هنا ينبغي التفريق بين مضمون المادة كما صيغ في الوثيقة وبين كيفية تنفيذها لاحقا. أنا لا أقول إن البرنامج مثالي. ولا أقول إن ساعات المادة كافية. ولا أقول إن انتقال الفلسفة العامة والإبستمولوجيا إلى فلسفة التربية لا يحتاج إلى نقاش. بل أقول: لا يجوز الحكم على المادة بأنها غير فلسفية قبل قراءة أهدافها، لأن أهدافها نفسها تتضمن التصورات، وتطور الأفكار، والتحليل النقدي، والقطائع والاستمراريات، والنقاشات المؤسسة، وغايات التربية، وتصوّر الطفل، والتعلم، ودور المعلم، والديمقراطية والمواطنة. هذه ليست عبارات عرضية. إنها المفردات التي تحدد المجال الإشكالي لفلسفة التربية.

أما الاعتراض على «التربية المسيحية» فهو يحتاج إلى إعادة نظر السؤال: ما علاقة تكوين المعلمين بقضايا التربية المسيحية؟ ولماذا لا التربية اليهودية والإسلامية؟ لا أراه اعتراضا كافيا على وجود هذا المحور. لأن دراسة التربية المسيحية في سياق تاريخ الفكر التربوي الغربي ليست بالضرورة تدريسا دينيا مسيحيا. إنما يمكن أن تكون مدخلا لدراسة سؤال فلسفي مركزي: ما العلاقة بين العقل والإيمان؟ وهذا تحديدا ما تتيحه دراسة الفكر الوسيط والمدرسية. كما أن الوثيقة لا تقف عند المسيحية، وإنما تنتقل تاريخيا إلى النهضة والإنسانوية والعقلانية والتجريبية والتنوير والحداثة ثم البيداغوجيات المعاصرة. إذن وجود «التربية المسيحية» في تاريخ الفكر التربوي الغربي لا يعني أن الهدف هو تلقين المسيحية للمعلم. ويمكن، بالطبع، مناقشة مدى التوازن الحضاري للبرنامج، وهذا سؤال مشروع آخر. أما «التربية في تونس: التاريخ والإصلاحات» فلا أفهم لماذا تكون بالضرورة خارج الفلسفة هنا أيضا يجب أن نفرق بين: تاريخ الإصلاحات و فلسفة الإصلاحات. يمكن أن ندرس الإصلاحات باعتبارها تواريخ وقرارات إدارية، وهذا تاريخ. لكن يمكن أن نسأل: ما الإنسان الذي أراد الإصلاح إنتاجه؟ ما صورة المواطن؟ ما وظيفة المدرسة؟ ما مفهوم المعرفة؟ ما علاقة التعليم بالحداثة؟ ما علاقة المدرسة بالدولة؟ ما معنى الاستحقاق والمساواة والعدالة في التعليم؟ ما الذي تغير في تصور الطفل والمعلم؟ وهنا يصبح تاريخ التربية التونسية مادة خصبة لفلسفة التربية. بل أذهب أبعد من ذلك: إذا لم نفلسف الإصلاحات التربوية التونسية، فإننا سنظل نكتب تاريخها ولا نفهم معناها.

في المقابل، هناك جانب من النقد أراه وجيها أنا أتفق معه في شيء أساسي: لا ينبغي أن تتحول فلسفة التربية إلى بديل عن التكوين الفلسفي الجاد. وهذا بالضبط هو موضع الحوار الحقيقي

إذا كان الطالب سيدرس فلسفة التربية، فمن المشروع أن نسأل: ما الرصيد الفلسفي السابق الذي يمتلكه؟

وإذا لم يكن لديه رصيد كاف في المفاهيم والتيارات والمناهج الفلسفية، فكيف سيمارس تحليلا فلسفيا عميقا للتربية؟

إذن يمكنني أن أقول: أنا لا أختلف مع من يقول بضرورة التكوين الفلسفي التأسيسي؛ أختلف فقط مع تحويل غياب مادة الفلسفة العامة إلى حكم بأن الفلسفة نفسها أُلغيت. وهذا فرق جوهري.

وهنا نصل إلى أخطر جزء: الفلسفة اصبحت ترادف"التنمية البشرية"

أعتقد أنه  هناك خلط هنا بين قضيتين ينبغي فصلهما. إذا كانت الوثيقة تحتوي على:

Study skills

و

Éducation à la pensée critique et aux compétences du 21e siècle

فهذا لا يسمح وحده بالقول إن: خطاب التنمية البشرية حل محل الفلسفة. لأن وجود مادة مهارات أو كفايات لا يساوي منطقيا إلغاء الفلسفة. بل ينبغي قراءة محتوى تلك المادة قبل الحكم عليها. والأهم: التفكير النقدي ليس مرادفا للتنمية البشرية، كما أنه ليس ملكا حصريا للفلسفة. لكن إذا اتضح أن «التفكير النقدي» اختُزل فعلا في تقنيات وظيفية ومهارات سوقية، دون مفاهيم أو حجج أو نقد أو تحليل، فهنا نكون إزاء وظيفية واداتية . أي أننا نحتاج إلى فحص المحتوى الفعلي قبل إطلاق حكم "الاستبدال"

السؤال الاخير: هل خسر تكوين المعلم شيئا من التكوين الفلسفي العام عندما اختفت مادة الفلسفة العامة؟

هذا سؤال مشروع جدا. ويمكن أن تكون الإجابة: نعم، ربما خسر شيئا. لكن لا يترتب عليه: إذن الفلسفة أُلغيت. بل: ربما أعيد توزيع الفلسفة بطريقة تجعل فلسفة التربية أكثر حضورا، ولكن على حساب بعض التكوين الفلسفي العام الذي كان يوفر للطالب أساسا مفهوميا أوسع.

وهذا هو النقاش الذي أراه أكثر جدية.

السؤال الثالث: ما العلاقة بين فلسفة التربية والفلسفة التطبيقيّة؟

الفلسفة التطبيقية والتربية: من التنظير إلى الممارسة

اولا: سياق فلسفة التربية

يمكن علميا تنزيل فلسفة التربية ضمن الفلسفة التطبيقية أو العملية، بل إن هذا التصنيف موجود صراحة في مراجع فلسفية أكاديمية معتبرة. غير أن فلسفة التربية لا تعني تطبيقا ميكانيكيا لنظريات فلسفية جاهزة على المجال التربوي، وإنما تمثل مجالا فلسفيا ينتقل فيه التفكير الفلسفي إلى مساءلة التربية باعتبارها ممارسة إنسانية واجتماعية ومؤسسية، مع احتفاظه بأدواته الخاصة في التحليل المفهومي والحجاج والنقد والسؤال المعياري.

وتعرّف Stanford Encyclopedia of Philosophy فلسفة التربية، في إحدى صيغها الأرشيفية، صراحة بأنها “the branch of applied or practical philosophy”، أي «فرع من الفلسفة التطبيقية أو العملية»، يهتم بطبيعة التربية وغاياتها وبالمشكلات الفلسفية الناشئة عن النظرية والممارسة التربويتين. وهذا التصنيف لا يجعل فلسفة التربية مجرد معرفة ثانوية، وإنما يحددها باعتبارها مجالا ينتقل فيه السؤال الفلسفي إلى موضوع تربوي محدد. كما أن المدخل نفسه يبين أن فلسفة التربية تتناول قضايا مثل غايات التربية، ومحتواها، وطرائقها، والسلطة التربوية، والمسؤوليات المرتبطة بالفعل التربوي.

ويؤكد هذا الاتجاه John White في مقاله المنشور سنة 2024 في Journal of Philosophy of Education، حيث يناقش التصورات المختلفة لطبيعة فلسفة التربية، ومن بينها تصورها باعتبارها “a form of applied philosophy”، وهو التصور الذي يمنحه وزنا خاصا في تحليله² ومن ثم فإن الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية لا ينبغي أن يفهم باعتباره انتقالا من «الفلسفة» إلى مجال غير فلسفي، وإنما باعتباره انتقالا بالسؤال الفلسفي إلى موضوع وممارسة محددين.

ثانيا: ديوي: التربية ليست هامشا للفلسفة

ولعل John Dewey يمثل أحد أقوى الشواهد الفلسفية على عدم جواز الفصل الحاد بين الفلسفة والتربية. ففي Democracy and Education لا يكتفي ديوي بتأسيس نظرية تربوية، وإنما يعيد النظر في وظيفة الفلسفة ذاتها انطلاقا من التربية والممارسة. يقول في الفصل الرابع والعشرين:

 “If we are willing to conceive education as the process of forming fundamental dispositions, intellectual and emotional, toward nature and fellow men, philosophy may even be defined as the general theory of education.” ³

أي "إذا كنا على استعداد لتصور التربية باعتبارها عملية تكوين الاستعدادات الأساسية، الفكرية والانفعالية، تجاه الطبيعة وإخواننا من البشر، فإنه يمكن حتى تعريف الفلسفة بأنها النظرية العامة للتربية."

ولا ينبغي اقتطاع هذه العبارة من سياقها وتحويلها إلى مساواة بسيطة بين الفلسفة والتربية؛ فديوي يربطها مباشرة بمسألة الممارسة. فهو يقول في السياق نفسه إن المشكلات الفلسفية ينبغي أن تُرى في المواضع التي «تنشأ وتزدهر» فيها، حيث يؤدي قبول فكرة فلسفية أو رفضها إلى اختلاف في الممارسة. ولذلك تصبح التربية، بالنسبة إليه، مجالا تتخذ فيه الأفكار الفلسفية نتائج عملية. وتؤكد Stanford Encyclopedia of Philosophy أن ديوي رأى في Democracy and Education العمل الذي عُرضت فيه فلسفته بأوسع صورة، وأنه فهم الفلسفة نفسها بوصفها “the general theory of education”.

بل يذهب ديوي إلى صياغة أكثر دلالة على علاقة النظرية بالممارسة حين يقول في الكتاب نفسه إن الفلسفة، إذا لم تبقَ مجرد خطاب أو عقيدة، ينبغي أن تُحدث آثارها في السلوك. ومن هنا تصبح التربية أحد المجالات التي تتحول فيها الأفكار والقيم إلى عادات واتجاهات وممارسات فعلية.

وبهذا المعنى، لا تكون التربية مجرد «موضوع تطبيقي» تأتي إليه الفلسفة من الخارج، وإنما تصبح التربية نفسها مجالا يمكن أن تظهر فيه المعاني الفلسفية وتُختبر نتائجها. ولذلك فإن السؤال عن غايات التربية، وطبيعة المعرفة التي ينبغي أن تُدرّس، وحدود سلطة المعلم، ومفهوم الحرية، وطبيعة الطفل، والعدالة في المدرسة، وعلاقة التربية بالديمقراطية، ليس خروجا من الفلسفة، وإنما هو انتقال بالسؤال الفلسفي إلى مجال الفعل الإنساني.

ثالثا: من الفلسفة عن التربية إلى الفلسفة في التربية

من هنا يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة:

أولا: التربية موضوعا للتفلسف:

تُطرح الأسئلة الفلسفية حول غايات التربية، ومفهوم الإنسان الذي تفترضه، وطبيعة المعرفة التي تنقلها، ومشروعية السلطة التي يمارسها المعلم والمؤسسة التعليمية، وعلاقة التربية بالحرية والعدالة والديمقراطية.

ثانيا: الفلسفة أداة للتفكير في الممارسة التربوية:

لا يقتصر الأمر على دراسة أسماء الفلاسفة ومذاهبهم، وإنما تُستخدم المفاهيم والحجج الفلسفية لفحص المناهج، والتقويم، والعلاقة بين المعلم والمتعلم، والسلطة، والاختلاف، والإدماج، والمواطنة.

ثالثًا: التربية مجالا لاختبار المعنى العملي للفلسفة:

وهذا هو الجانب المتعلق بجون ديوي الأكثر أهمية؛ إذ لا تظل الفلسفة في مستوى التجريد، بل تُختبر آثار تصوراتها عندما تدخل مجال التربية باعتبارها ممارسة لتكوين الإنسان. ولهذا ارتبط مشروع ديوي الفلسفي ارتباطا وثيقا بالتجربة التربوية، وبالمدرسة المختبرية التي أنشأها في جامعة شيكاغو، حيث أصبحت المدرسة فضاء لاختبار أفكاره في المنطق الوظيفي والتعلم والخبرة والديمقراطية.

ومن ثم فإن فلسفة التربية ليست تخفيضا للفلسفة، وإنما أحد أشكال انتقال الفلسفة من السؤال المجرد إلى السؤال المتعلق بالفعل الإنساني. وإذا كانت الفلسفة التطبيقية تعني انتقال التفكير الفلسفي إلى قضايا وممارسات واقعية مع الاحتفاظ بالتحليل الفلسفي، فإن التربية تمثل مجالا نموذجيا لهذا الانتقال.

وعلى هذا الأساس، لا يكون السؤال العلمي: «هل فلسفة التربية فلسفة حقا؟» وكأنها تحتاج إلى شهادة اعتراف من الفلسفة العامة، وإنما يصبح السؤال الأكثر دقة: هل تُدرّس فلسفة التربية باعتبارها فلسفة؟ أي: هل تضع الطالب أمام مشكلات مفهومية واشكالية وحجاجية حول التربية، أم تتحول إلى مجرد سرد تاريخي للمذاهب التربوية؟

وهذا التمييز حاسم في النقاش الدائر اليوم حول تكوين المعلمين: يمكن نقد برنامج فلسفة التربية إذا كان سطحيا أو تاريخانيا أو خاليا من التحليل الفلسفي؛ لكن لا يصح الانتقال من هذا النقد إلى الحكم بأن الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية هو في ذاته إلغاء للفلسفة. فالتغيير في موضوع الفلسفة أو في مجال اشتغالها لا يساوي إلغاءها، كما أن جعل التربية موضوعا للتفكير الفلسفي له سند قوي في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، ولدى ديوي بصورة خاصة.

خاتمة: من سؤال "حذف الفلسفة" إلى سؤال "وظيفة الفلسفة في تكوين المعلم"

ينتهي هذا النقاش، في تقديرنا، إلى ضرورة إعادة صياغة السؤال الذي انطلق منه. فالسؤال عن "حذف الفلسفة" لا يمكن أن يُحسم بمجرد ملاحظة أن تسمية «الفلسفة العامة» أو «فلسفة العلوم» لم تعد واردة بالصيغة نفسها في البناء الجديد؛ لأن هذا يحوّل النقاش إلى مقارنة بين أسماء المواد بدل قراءة وظائفها ومضامينها وأهدافها داخل مشروع تكوين المعلم. والوثيقة، كما تكشف أهداف مادة "تاريخ وفلسفة التربية"، لا تكتفي بإدراج معرفة تاريخية بالتربية، وإنما تنص على فهم تطور الأفكار التربوية، وتحليل النظريات تحليلا نقديا، وربطها بقضايا التربية المعاصرة وبالسياق التونسي، وتنمية موقف انعكاسي ومواطني من غايات التربية ومفهوم الطفل والتعلم ودور المعلم في منظور ديمقراطي وشامل.

ومن هنا لا يصح أن يتحول غياب الاسم إلى دليل على غياب الوظيفة. فقد تتغير مواقع الفلسفة داخل التكوين بتغير غاية التكوين نفسه. فإذا كان المقصود من الإجازة هو إعداد معلم لا تكوين فيلسوف متخصص، فإن السؤال يصبح: كيف يمكن للفلسفة أن تدخل في تكوينه بما يخدم مهمته المهنية دون أن تفقد طبيعتها النقدية؟ وهنا تكتسب فلسفة التربية مشروعيتها بوصفها مجالًا يلتقي فيه السؤال الفلسفي بالفعل التربوي.

ولا يعني هذا الدفاع عن «تاريخ وفلسفة التربية» أن كل ما يحمل هذا الاسم فلسفة بالضرورة، أو أن البرنامج الجديد بمنأى عن النقد. على العكس، إن معيار الحكم الحقيقي هو الكيفية التي تُدرّس بها المادة. فإذا تحولت إلى سرد للحقب والأسماء والمذاهب دون مساءلة مفاهيمها وافتراضاتها وغاياتها، أمكن نقدها بوصفها تاريخا وصفيا للتربية. أما إذا أصبح التاريخ مجالا لفهم التحولات في تصورات الإنسان والطفل والمعرفة والعقل والسلطة والحرية والتعلم ودور المعلم، وأصبح اختلاف النظريات مناسبة للمقارنة والنقد والحجاج، فإننا نكون أمام تاريخ يُقرأ فلسفيًا، وفلسفة تشتغل داخل التاريخ التربوي.

فالمطلوب من المعلم ليس أن يحمل معه إلى القسم مخزونا من أسماء الفلاسفة فحسب، وإنما أن يمتلك القدرة على مساءلة الفعل الذي يمارسه: ما معنى أن أعلّم؟ ماذا أعني بالمعرفة؟ أي إنسان أريد أن أساهم في تكوينه؟ ما حدود سلطتي؟ ما معنى الحرية والاستقلالية لدى المتعلم؟ كيف أفهم العدالة والمساواة داخل المدرسة؟ وما علاقة المدرسة بالمجتمع والديمقراطية؟ إن هذه الأسئلة لا تجعل المعلم فيلسوفا متخصصا، لكنها تجعله ممارسا واعيا بالافتراضات الفلسفية الكامنة في مهنته.

ولذلك فإن استدعاء ديوي هنا ليس ترفا نظريا. فحين يذهب إلى إمكان تعريف الفلسفة بأنها "النظرية العامة للتربية"، فإنه يضع التربية في قلب السؤال الفلسفي، لا على هامشه. ومن هذا المنظور تصبح فلسفة التربية أحد المجالات التي يمكن أن تتحول فيها الفلسفة من معرفة نظرية إلى تفكير في الممارسة، دون أن يعني ذلك التخلي عن المفهوم أو الحجاج أو النقد.

وعليه، فإن النقاش الأكثر علمية لا ينبغي أن ينتهي إلى ثنائية مبسطة من قبيل: "إما الفلسفة العامة وفلسفة العلوم، وإما غياب الفلسفة". هذه الثنائية تفترض مسبقا أن الفلسفة لا تكون فلسفة إلا إذا حافظت على صورتها التقليدية كمادة مستقلة، بينما يكشف تاريخ الفلسفة نفسه عن انتقالات عديدة في موضوعاتها ووظائفها ومجالات اشتغالها. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الوثيقة هو سؤال أكثر دقة: ما مقدار الفلسفة الذي حافظ عليه البرنامج؟ وأين يتموضع السؤال الفلسفي داخله؟ وكيف يُمارس؟ وما الذي كسبه تكوين المعلم من هذا التحول وما الذي يمكن أن يكون قد خسره؟

وهذا يفتح في الوقت نفسه بابا لنقد متوازن: الدفاع عن البعد الفلسفي في فلسفة التربية لا يقتضي الدفاع عن كل تفاصيل البرنامج، كما أن المطالبة بحضور أقوى للفلسفة العامة أو الإبستمولوجيا لا تقتضي وصف التحول كله بأنه "إلغاء للفلسفة". يمكن المطالبة بإثراء فلسفة التربية بالمفاهيم والحجاج والتحليل الإبستمولوجي والسياسي والأخلاقي، ويمكن أيضا الدعوة إلى تدعيم الصلة بين الفلسفة العامة وفلسفة التربية؛ لكن ذلك شيء، والقول بأن الفلسفة «أُلغيت» شيء آخر.

لذلك ربما يكون الموقف الأدق هو أن الفلسفة لم تعد تُستدعى هنا فقط بوصفها غاية معرفية مستقلة، وإنما تُستدعى أيضًا بوصفها قدرة على التفكير في مهنة التربية ومشكلاتها وغاياتها. وإذا كان هذا التحول قد نجح في تحويل المعلم من حامل لمعارف منفصلة إلى مهني قادر على التفكير النقدي في ممارسته، فإنه يكون قد منح الفلسفة وظيفة جديدة داخل التكوين؛ وإذا أخفق في ذلك، فإن المطلوب ليس إعلان موت الفلسفة، وإنما المطالبة بأن تصبح فلسفة التربية أكثر فلسفية.

وهكذا تنتقل القضية من "هل حُذفت الفلسفة؟" إلى السؤال الأعمق والأجدى:

هل استطاع البرنامج أن ينقل الفلسفة من مجرد مادة تُدرّس للطالب إلى قدرة على التفكير الفلسفي يمارسها المعلم في التربية؟

ففي النهاية، قيمة الفلسفة في تكوين المعلم لا تقاس فقط بما يحفظه من تاريخ الفلسفة، وإنما بما يستطيع أن يفعله بالفلسفة عندما يدخل القسم. ومن هنا يمكن أن يكون الانتقال من الفلسفة العامة إلى فلسفة التربية انتقالا مشروعا، بل خصبا، بشرط ألا يتحول من فلسفة تُمارس في التربية إلى مجرد تاريخ يُروى عن التربية.

***

احمد الكافي يوسفي - باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة

 

في المثقف اليوم