عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: سِجال الهُويّة الفردية والسلطة المجتمعيّة

لدى تفاعل عنصرين كيميائيّين ينتج عنهما عنصر كيميائي ثالث جديد كليا! وهكذا الحال في تكتّل الأفراد وهم يشكّلون المجتمع، فلا يكون المجتمع عندئذٍ خليطا من سمات الأفراد، بل كيانا جديدا يمكن الإشارة إليه بالعقل الجمعي، إلا أنّ هذه العقلية الجمعية هي عقلية انفعالية حُكما في حراكها وقيادتها، هكذا كانت رؤية الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون عن الظاهرة المجتمعية كما يؤسس لها في ثلاثيّته سيكولوجية الجماهير والآراء والمعتقدات وحياة الحقائق.

هذه العقلية الاجتماعية بكُنهِها من الأعراف وبمحدِّداتها من موارد المجتمع المادية والمعنوية، والثقافة والفنون، وترِكة الموروث، والقانون، والسلطة السياسية، والظاهرة الدينية بتحيّزاتها كافة، والحركات الفكرية، ونُخَب النفوذ المباشرة وغير المباشرة، تمثّل سلطة لا يمكن الاستهانة بها، ولا الاستغناء عنها، ورغم تعدد أشكالها لكن جوهرها باقٍ على اعتبار أنّ الإنسان مدني طبعًا؛ ولذا كان الاعتراف الاجتماعي ركيزة أساسية يأخذها أفراد المجتمع في الاعتبار، لتيسير مصالح حياتهم.

ووسط ذلك كله، يجد الفرد نفسه عالقا في مسافة محرجة بين تحقيق ذاته واستقلاليتها وبين الوشيجة التي تصل بينه وبين مجتمعه، ولِحَلْحلة هذا العَلَق يُعمَد إلى عدة اتجاهات، على رأسها النفاق المجتمعي؛ أي خطبة ودّ المجتمع ظاهرا؛ لتحقيق المآرب الشخصية، وإبْطان التوجّهات والرؤى التي لا ترتضيها سلطة المجتمع، على أنّ هذا التوجّه مهما بدا مثيرا للاشمئزاز غير أنه في كل فرد مُنتمٍ نسبة منه، ولا بد؛ لاقتضاء الطبيعة الفرد-مجتمعية - لو جاز لي هذا التعبير - وتوجهٌ ثان يقضي باستلاب إرادة الفرد؛ كَرْمى إرادة المجتمع، فتُسحَق تطلّعاته وهواجسه تحت سطوة مصلحة المجتمع، فيعيش المرء في قالب يحدّد قياساتِه مجتمعُه الذي وجد نفسه فيه، وتوجّه ثالث يعلن فيه الفرد استقلاليته التامّة ثائرا ومناهضا، فيدفع ضريبة باهظة، إذْ لا تراه العين الجمعية إلا نشازا يجب استئصال شأفةِ حماسته حتى لا ينشر العدوى، فيفقد أفراده الذين هم رأس ماله في المقام الأول!

إن هذه الاتجاهات في جوهرها إن كانت تشير إلى شيء فإن سيولة دلالة اصطدامٍ ما بين كيانين متنافرين تبدو واضحة، فمن ناحية يحاول الفرد ترسيم حدود مترامية الأطراف لاستقلاليته، ومن الناحية الأخرى يحاول المجتمع أن يتشبّث بكل شبر من سلطته، ولأن الهُويّة الفردية تتغير بحركة ديناميكية متسارعة، في حين تمشي الهُويّة المجتمعية الهُوَينَى، فهذا الصدام يأخذ شكلا صاخبا؛ مما يشكّل ظاهرة كبرى تتسيّد مشهد المجتمعات المدنية المعاصرة، ولعل الفرد على المستوى العالمي استطاع خلال نصف قرن الماضية أن يوسّع حدوده ويغيّر من بِنْية مجتمعه بعد أن أيقظه من غفلته أو تغافله.

إن المجتمع الذي يقتل في الفرد نموه وإنتاجيته واستجابته الفاعلة في الحياة، باسم الحفاظ على هُويّة المجتمع، يكون مجتمعا هشًا قابلا للاستلاب من الإرادات الكبرى بيُسر وقوة؛ لأنه منبنٍ على التبعية، أما المجتمع الذي يستبدل بسلطته بيئةً حاضنة، يُمَكّن فيها الأفراد من أن يمارسوا إرادتهم على نحو يكفل لهم الطمأنينة والرعاية، فهو مجتمع واعٍ يصعب اختراقه؛ لأنه قائمٌ على ضمان الحرية، وهذه مفارقة، إذ يسري الوهم بأنّ الحرية الفردية تفتّ في عضد المجتمع، بينما الفرد الذي يجد في المجتمع مساحة داعمة يعيش فيها حريته يتعزّز انتماؤه بمجتمعه، وتقوى صِلاتُه بأفراد مجتمعه.

وممّا يمكن المراهنة عليه في الاعتراف باستقلالية الفرد أمران، أولهما المواطَنة، ولكن تلك التي تلتفتُ جيدا إلى صون حقوق الفرد، وتُوْليه المنزلة المُثلَى التي يستحق، ومن شأنها إِذّاك أن تقلّم الكثير من جبروت المجتمع؛ الأمر الذي يؤول تاليًا إلى تهدئة نسبة كبيرة من الصراع المحتدم بين الفرد والمجتمع، على أن العملية جِدُّ عسيرة على المواطَنة وهي تردّ الاعتبار للفرد في السياق المجتمعي، إذْ إنها أشبه بالرقص على رؤوس الأفاعي؛ كون أنه ولا بد من طبقة من الأفراد لأسباب عدّة يرتكبون المستحيل لتعزيز سلطة المجتمع.

وثاني ما يمكن المراهنة عليه هو قوة الفرد، هذه القوة التي تتنوع مظاهرها من النفوذ أو المال أو المنصب أو الوجاهة أو المهارة أو المعرفة أو العلاقات وغيرها، بإمكانها أن تصنع فارقا كبيرا في دَوْزَنَة الحدود المجتمعية، فالفرد الضعيف يبذل أضعاف ما يبذله الفرد القوي في التعبير عن استقلاليّته وممارستها، وارتداداتُه السلبية عليه أكثر بكثير مما يكون على الفرد القوي، على أنّ نتائج الفردانية للفرد القوي تطال غيره بسبب التغيير الذي يأتي على نظرة المجتمع.

إنّ الطبيعة الراهنة لسلطة المجتمع هي تطوّر بشري حدث عبر آلاف السنين منذ أول مجتمع بشري عاقل، نبع من ضرورة حماية اللُّحمة المجتمعية؛ من أجل البقاء الذي هو أسُّ الأساسيات، غير أن باعث النشأة اندثر وبقيت آثاره، وبقي الفرد ضحيةً لهذا التطور الذي ما زال حتى الساعة يلاحق الفرد ويخنق إرادته بيدين من وهم المصلحة العامة، رغم الانزياح الكبير الذي حققه الفرد من أجل استقلاليته، ومع ذلك فالمفارقة الغريبة أنّ الفرد بحاجة ماسّة إلى المجتمع حتى يمارس استقلاليّته، فالفردانية في الانعزال لا تعدو أن تكون حياةً منزوعًا منها طبيعتها الإنسانية، وهذا بدوره يُبرِز سؤال التنازلات والمصالح المشتركة، كما يُبرِز سؤالا محيرا آخر، ماذا لو اجتمع الأفراد المُتبنّون مفهوم الفردانية في هيئة مجتمع، أكنّا سنجد صداما بين الفردانية وسلطة مجتمع الفردانية؟ أم أن ذلك سيُحيلنا إلى الرؤية التي طرحها لوبون من اللعنة المصاحبة لأي مجتمع، كما ذكرتها في الفقرة الأولى من المقال؟

***

محمـــد سيـــف

 

في المثقف اليوم