إننا نظن، من جانبنا، أن الأفكارَ، أو أغلبها، لا تُولَد مُعلَّقَةً في الهواء، ومعزولةً عن السياقِ الاجتماعي والسياسي والنفسي، والذي يكون له دورٌ، بِنَسَبٍ متفاوتةٍ، في بلورةِ هذه الأفكارِ وصياغتها، وأشيرُ في البداية إلى أنني لا أقولُ هذا على سبيل «الحتمية»، وأن سياقًا اجتماعيًّا ما لابد وحتْمًا أن يُفرِزَ نمطًا معينًا من الخرافة والتبعية على سبيل «الحتمية» والضرورة، لا، ليس هذا مرادي، وإنما أردتُ التنويهَ إلى وجود أثر حقيقي لهذه الأشياء، ولكن لا على سبيل الجبْر والحتمية.
كما أنني أقررُ قاعدةً أخرى مهمة في هذا السياق، وهي أنه ليس بالضرورة، عند كلامنا في «ظُلْمٍ وانهزام» وقع لأحدهم، وتسبب هذا الظلمُ أو الانهزام في صياغةِ مجموعةٍ من الأفكار، أو التأثير فيها، أقولُ: ليس «بالضرورة» أن يكون هذا الظلمُ والانهزامُ قد وقعَ بالفعلِ؛ فقد تكون هناك حال مِن «ادِّعاء» المظلومية وغيرها؛ لاتخاذها كمُبرِّرٍ ومدخلٍ لفكرة واتجاه ما يُراد تثبيته وشيوعه، وأقول إن هذا الأمر ليس بالضرورة أيضًا؛ فصحة هذا من عدمه متروكة للبحث في كل قضية على حِدة؛ ومِن ثَمَّ نتبين مدى صِدْقِ الادعاء فيها أو كذبه.
هذه إشاراتٌ مهمةٌ؛ تَضْبِطُ ما نريد الحديثَ عنه خلال السطور القادمة.
جدل العلاقة بين الانهزام والخوف والمعتقدات الدينية
ظهرَ في مدرسة التحليل النفسي اتجاهٌ يرى أن الدينَ ينبعُ من عجْزِ الإنسانِ عن مواجهة قوى الطبيعة في الخارج، والقوى الغريزية داخل نفسه، ووجود الدين حينئذ يرتبطُ بعدم استطاعة الإنسان أن يفكرَ بطريقة عقلانية؛ ليتصدى لهذه المخاطر في حياته، ونتيجة لعدم هذه الاستطاعة؛ يلجأ الإنسانُ إلى مواجهتها بقوى عاطفية أخرى، أي يُقابِل العواطف بعواطف مضادة، ويكون دور الدين في هذا الصدد: تأدية الوظيفة التي يعجز الإنسانُ عن التعامل معها ومواجهتها(١).
هذا الطرح السابق، وإن كان لا ينطبق على جميعِ الأديانِ، وذلك بسبب وجود بعض الأدلة في بعض الأديان يَصْعُبُ أن تتَّسِقَ بشكلٍ كاملٍ مع الدافع والمعيار النفسي السابق، وذلك لأننا يمكن، على سبيل المثال، أن نتخذ الإسلام وظهوره ونطبِّقَ عليه هذا المعيار، فهل سيصمُد هذا المعيار أمام كل الجزئيات؟ إذا نظرنا إلى ظهور الإسلام، فإننا نجد أن البيئةَ التي ظهر فيها لم يكن لديها ترحيب بهذا الدين على نطاق واسع في بداية الأمر، وهذا أمرٌ معلومٌ ومشهور، وهذه النقطة يمكنها أن تَخْرِقَ بعضَ جوانبِ المعيار النفسي السابق، الذي يفسِّر ظهور الأديان بأنها كانت بسبب حاجة نفسية وخوف لدى جمهرة من الناس لا يستطيعون دفْعَه، وهذا الأمر لا ينطبق بشكل كامل على ظهور الإسلام؛ إذا لم ينشأ الإسلامُ أصلًا بسببِ حالة اجتماعية لاتجاه ما من الاتجاهات وجدَ ظلمًا أو مخاوف لم يستطع مقاومتها؛ فظهور الإسلام كان في بدايته بشكل فردي، صدرَت الدعوة إليه مِن قِبَلِ شخص واحد: محمد صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، ثم بعد ذلك أصبحتْ معه قِلَّة من الناس.
وهنا ينتفي، على الأقل، وجود جماعة أو اتجاه وقع عليه ظلم ثم لجأ إلى مجموعة معتقدات وخرافات تعويضًا له عن هذا الظلم؛ فما حدث على النقيض تمامًا؛ إذ لم يتعرض نبي الإسلام، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، لأذى مضاعَف إلا بعد دعوته للإسلام، أي أننا لو قررنا السيرَ مع ما يقوله المعيارُ النفسي، من أن ظهور الأديان يكون بسبب دافع نفسي وظلم ومخاوف طبيعية وغيرها لا يستطيع الإنسانُ مواجهتها، فهل هذا الأمر انطبق على النبي محمد؟ الإجابة كما وضحنا لا، فكما ذكرنا أنه لم يتعرض لأذى كبير إلا بسبب دعوته هذه، وهذا نقيض ما يقوله المعيار النفسي، لأن النبي بذلك قد قَبِلَ هذا الأذى والظلم الذي تعرض له في سبيل دعوته الجديدة، وكان قبلها مستقر الحال، يأمن على نفسه من الأذى.
ولكن هل هذا يعني أن المعيار النفسي باطل من كل وجوهه؟ لا أقول ذلك، فهناك بعض الحالات التي يمكن بالفعل تفسيرها، ولو جزئيًّا، من خلال هذا المعيار، وسأضربُ على ذلك بعضَ الأمثلةِ لنتبين حقيقة الأمر.
عقيدة المهدي
لقد لَعِبَت عقيدة المهدي دورًا كبيرًا من القرن الأول إلى اليوم، وذلك يرجع إلى سببين:
الأول: أن نفسية الناسِ تكره الظلمَ وتحب العدلَ، فإذا لم يتحقق لهم العدلُ في زمنٍ من الأزمنةِ؛ تطلعتْ نفوسُهم إلى حاكم عادل، تتحقق فيه العدالة بجميع أشكالها، فبعض الناس يلجأ في ذلك إلى الخيال يعيش فيه، ويؤلِّف في ذلك اليوتوبيا والمدن الفاضلة، وكل ذلك في خياله يعيش فيه، ومن الناسِ من لجأ إلى الثورة لرفْع المظالم، فلما عجزوا عن تحقيقها على أرض الواقع؛ أمَّلوها، خاصة إذا جاءتْ هذه الفكرة عن طرق الدين، فهنا يكون الناس أكثر حماسة لها؛ وبالتالي وجدوا في عقيدة «المهدي» ما يحقق أملهم، وهذا يفسر لنا انتشار عقيدة المهدي في اليهودية والمسيحية والإسلام على حد سواء(٢).
ومما يشير إلى رجاحةِ المعيار النفسي في تفسير ظاهرة المهدي -أو بعض جوانبها- أن بدايات ظهور هذه الفكرة كانت عندما رفض محمد ابن الحنفية بن علي بن أبي طالب -عليه السلام- مبايعة عبد الله بن الزبير، فتعرضَ عبد الله بن الزبير له بالأذى وأساء جواره؛ مما اضطره إلى الخروج من مكة مع بعضِ أصحابه، ونشأت حينئذ فِرقة تُسمى «الكيسانية»، يتزعمها المختار بن أبي عبيد الثقفي، وزعمَ هو وفرقته أن محمد ابن الحنفية هو الإمام وهو المهدي، بمعنى أن هذا المهدي سيرجعُ إلى الدنيا ليملأها عدْلًا(٣).
أرأينا كيف كانت الفكرةُ في مهدِها؟ ترتبطُ، كما قلنا بعامل القهر والاستبداد؛ ففرار محمد ابن الحنفية، مِن بطْشِ عبد الله بن الزبير، خلقَ نوعًا من التفكير في كيفية المواجهة القادمة مع هذا الاضطهاد، ولو لم يُنْفَ لَمَا كانت هذه من البذور الأولى التي شكَّلَتْ عقيدة المهدي، وهذا يدلنا على أن جو الحرية في التعبير يساعد بطبيعة الحال على نمو التفكير العقلاني، على نقيضِ جو الاستبداد والقهر؛ الذي يُفْرِزُ لنا، أو يساعد في ذلك، أفكارًا خرافية، ويغذي الأوهام أكثر من تغذية العقلانية، فأنْ تُغْلَق جميعُ وجوه التعبيرِ عمَّا يَنْزِلُ بالإنسان؛ فمعناها ألا تأمَن العواقب بعد ذلك.
ولقد ساعدَ في ترسيخِ فكرة المهدي، الظلمُ والبطْشُ من قِبَلِ السلطاتِ الاستبداديةِ ضد المعارضين، خاصة مِن الطالبيين، أي مَن هم مِن نسْل أبي طالب، والتنكيل بهم، وتقتيلهم بكل أنواع القتل، مِن السم وغيره، وتشريد كثير منهم في البلاد(٤)، هذا الاستبداد والتنكيل بالمعارضين خلقَ أزمةً نفسيةً واجتماعيةً لدى هؤلاء؛ وفي غالب الظن أن كثيرًا منهم لم يَقْوَ على الثبات على العقلانية المجرَّدَةِ إزاء هذا القهر النفسي والعذاب المتواصل والاضطهاد، الأمر الذي يتطلب تسليةً نفسيةً وتطييبًا لهذه الجراح؛ وبالتالي يزدادُ التمسكُ بمخلِّصٍ تشْرَئبُّ إليه النفوسُ لإزالة هذا الكم من استفحال القهر، ولا يعني هذا الأمر أن هؤلاء قد قصَّروا في مواجهة الظلم بالثورة عليه والكتابة ضده بعقلانية رفيعة؛ وإنما أردتُ الإشارةَ إلى أن هذا الاضطهادَ تركَ آثاره على النفوس والأفكار، ومن بينها عقيدة المهدي.
ولقد أشار ابن خلدون إلى العلاقة بين القهر وصناعة الخرافة والأوهام، ومن ذلك عقيدة المهدي، التي يقْوى اعتقادُ الناس فيها فرارًا من الظلم، وأن هذا المهدي ينبغي أن يكون ظهوره ومكان ظهوره غير مقرون بالاستبداد والقهر والظلم(٥).
هذا عن دوافع فكرة المهدي النفسية والاجتماعية، ومن ناحية أخرى، فإن مِن أكبر المنتفعين من هذه الفكرة هم أرباب الاستبداد؛ إذ إنهم في حال من الاستقرار والأمان طالما أن جزْءًا من عقيدة أغلب الناس ينبني لا على تغيير الوضع بأيديهم؛ وإنما بيد شخص مجهول -المهدي-، وبالتالي فالاستبداد في أمان طالما لم يظهر هذا المهدي، والذي لن يظهر أبدًا.
وتنطوي عقيدة المهدي أيضًا على قدْرْ من إفساد الإصلاح وتثبيط الهمم؛ إذ هذه الفكرة كفيلة وحدها برفْع المسؤولية عن عاتق الإنسان، وتعليقها على شماعة الخرافة والمجهول، تعزيةً للنفس وعجْزها عن مواجهة واقعها، ونَسِي هؤلاء، أو تناسوا، قول الباري: «إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ». [سورة الرعد، مِن الآية: ١١]. وأن الأمم مِن حولنا ما تقدَّمَتْ بانتظارها للمخلِّص؛ وإنما بالعمل والسعي نحو تغيير واقعهم، وما أسعد العالَم الاستعماري الاحتلالي بهذه الأفكار التي تملأ عقول هذه الجمهرة من الناس؛ فهم -ونحن- يرون البينة، وأن ما أضاعه كثيرون من الوقت في انتظار مَن ينتشلهم من أوضاعهم، لو قضوا ربع هذا الوقت في تطوير مجتمعاتهم، ومحاولة مواجهة الإشكال لا الفرار منه؛ لَمَا وصلنا إلى هذه الحال مِن التردي، غير أننا مع هذا لا يمكن أن ننكر أثر العامل النفسي في فكر صاحبه، وفي بعض الأحيان لا تكون الأمور مواتية ومساعِدة على التخلص منه ومن آثاره في صياغة أفكار للتعزية والتسلية، وقليلون هم الذين يستطيعون أن يفلتوا من أسْرِ هذا العامل النفسي والاجتماعي؛ بالعمل على تغيير نمط تفكيرهم، وعدم الاستسلام لفكر الأوهام والخرافة، الذي قد يزيد من انغماسهم في ظلام حالِكٍ.
***
بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم
.......................
هوامشُ المقالةِ:
(١) يُنظَر: إيريك فروم، «الدين والتحليل النفسي»، ترجمة: فؤاد كامل، (ط١، القاهرة، مكتبة غريب، د.ن)، ص ١٥: ١٦.
(٢) أحمد أمين، «المهدي والمهدوية»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٢م)، ص ٧: ٨.
(٣) المصدر السابق، ص ١٠.
(٤) أبو الفرج الأصفهاني، «مقاتل الطالبيين»، تحقيق: السيد أحمد صقر، (ط٤، بيروت، مؤسسة الأعلى للمطبوعات، ٢٠٠٦م)، ص ٢٤: ٢٥.
(٥) ابن خلدون، «المقدمة»، تحقيق: إبراهيم شوح ـ إحساب عباس، (ط١، تونس، الدار العربية للكتاب، ٢٠٠٦م)، ١/٥٦٩.








