ثمة نوع من النقد يبدأ بالفلسفة وينتهي بشيء آخر. يدخل من باب المفاهيم ويخرج من باب الشخص. يستشهد بكانط وسقراط وأرسطو، ثم يستخدمهم لتشريح من كتبها، بدل فحص الفكرة. هذا النوع من الخطاب ظاهرة تستحق الرصد بعيداً عن أي نص بعينه أو حادثة بذاتها، لأنها ليست استثناء فرديا، بل نمط متكرر في تاريخ الحوار الفكري، يظهر في كل حقبة بلباس جديد وبنفس الحركة الجوهرية: أن تجعل من الفلسفة سلاحا في مواجهة من يكتبها بدلا من أن تجعل منها مرآة يقف الجميع أمامها.
المفارقة المركزية في هذا النمط النقدي، أنه يستعير لغة الفلسفة وأدواتها ليقول شيئا يأباه جوهر الفلسفة: أن من يكتب عن الحرية ينبغي أن يُثبت حريته بسيرته، والكاتب عن الصدق عليه إثبات صدقه بسلوكه الخاص، وإلا فإن كتابته مجرد قناع أنيق يخفي وهما أعمق. وهذا الشرط، لو طُبِّق بالاتساق الذي يطالب به أصحابه، ببساطة يعني أن الفلسفة لا يحق لها أن تُكتب إلا من قِبَل القديسين. وحين لا يكون القديسون متاحين، وهم ليسوا كذلك أبدا، يتحول هذا الشرط إلى أداة تصفية لا أداة نقد.
كانط لم يضع معيارا لتقييم الفلاسفة والكتّاب حين صاغ أمره المطلق، بل وضع معيارا لتقييم الأفعال والمبادئ. تصرّف وفق المبدأ الذي تستطيع أن تريد له أن يصبح قانونا كونيا، هذه الصيغة تسأل عن المبدأ ذاته، عن قابليته للتعميم، لا عن السيرة الشخصية لمن يعلنه. الاتساق الكانطي يحاكم الفكرة في ميزان العقل، لا يحاكم صاحبها في ميزان حياته. والخلط بين هذين المستويين، بين نقد الحجة ونقد من يحملها، ليس تدقيقا فلسفيا، بل هو تحويل للمنهج إلى سلاح.
وسقراط، الذي يُستشهد به دوما في مثل هذه السياقات، لم يكن يذهب إلى محاوريه ليقول لهم: أشك في أنكم تطبقون في حياتكم ما تعلنونه في حديثكم. كان يسأل عن التعريف، عن الاتساق الداخلي للحجة، عما يُلزم المرء به منطق مقدماته. تواضع سقراط الشهير لم يكن في تعليم الآخرين فن الشك بمن يحيط بهم، بل في إدراك حدود ما يعرفه المرء، وأول ما يجهله المرء حقا هو ما يجري في باطن الآخرين. سقراط الذي يُستحضر للتشكيك في أخلاق الكتّاب لم يكن ليعترف بهذا التوظيف.
غير أن ما يجعل هذا النمط أشد خطورة من مجرد خطأ منهجي هو بنيته الداخلية التي تُصمَّم بحيث تُفلت من أي رد. حين يُقال لكاتب ما: "قد تكون صادقا في لحظة الكتابة، لكنك لا ترى المسافة بين صورتك عن نفسك وسلوكك الفعلي"، فأي جواب يمكن أن يأتي به إلا وأعيد تفسيره كدليل إضافي على الوهم المزعوم؟ الاعتراض يُقرأ دفاعا يدل على الإحراج، والصمت يُقرأ إقرارا يدل على القبول، والموافقة تُقرأ خضوعا يدل على ضعف الحجة. ما لا يمكن دحضه بأي دليل محتمل لا يمكن إثباته، وما لا يمكن إثباته لا يستحق اسم الحجة الفلسفية. كارل بوبر حين وضع معيار القابلية للدحض كان يشير إلى هذه الخاصية الجوهرية في أي خطاب يريد أن يكون عقلانيا: أن يقبل بوجود شرط يمكن لو توافر أن يثبت خطأه. الخطاب الذي يصمَّم بحيث يخرج صحيحا من كل موقف ممكن لا يستحق اسم الفلسفة، هو عين الأيديولوجيا.
لهذه الظاهرة تاريخ قديم يستحق استعادته. في كل مرحلة شهدت توترا فكريا حادا، ظهر نمط من النقد يستخدم الفلسفة لتصفية الخصوم لا لفحص أفكارهم. نيتشه نفسه، وهو من أكثر الفلاسفة استخداما لهذا الأسلوب، كان يتساءل عن "إرادة القوة" المختبئة خلف الخطاب الأخلاقي للآخرين. لكن نيتشه كان يستهدف المنظومات والأنساق لا الأفراد، وكان يعترف صراحة بأن هذا التشخيص يعود عليه هو أيضا، أن لا أحد يقف خارج دائرة التشكيك. هذا الاعتراف بالتساوي هو ما يميز الفيلسوف الحقيقي عمن يستخدم الفلسفة: أن تدرج نفسك في السؤال قبل أن تدرج غيرك.
ما نراه في النمط المعاصر مختلف: الانتقال من نقد الفكرة إلى تشريح صاحبها يتم بسلاسة كأنه خطوة طبيعية في الاستدلال، ملفوفا في الغالب بتحفظات منهجية تمنح الخطاب حصانة شكلية مع احتفاظه بكامل أثره التقليلي. "لا أشخص ..."، "هذا تحليل احتمالي ..."، "لا أدّعي معرفة البنية النفسية ..."، ثم تأتي المساءلة التفصيلية للسيرة والنيات والتناقضات المزعومة كأن التحفظ لم يُقَل. هذا النوع من الاحتياط الشكلي لا يخفف من أثر الخطاب، بل يضيف إليه طبقة من الاحترافية تجعله أصعب في المواجهة المباشرة.
ثمة سؤال لا ينبغي تجنبه حين نرصد هذه الظاهرة: لماذا يلجأ الخطاب إلى هذا المسار؟ الجواب الذي تقترحه الفلسفة نفسها، وهو جواب مُحرج للجميع، بمن فيهم من يكتب هذه السطور، أن تشريح الآخر أسهل دائما من مواجهة حجته. حين تعسر الإجابة على فكرة ما، يكون الانتقال إلى الشخص الذي يحملها مخرجا مريحا لأنك لا تحتاج بعد ذلك إلى إثبات خطئها، تكتفي بالتشكيك في أهلية من يحملها. والأكثر إغراء أن هذا الانتقال يمكن تقديمه في صورة عمق فلسفي: من يدّعي أنه لا يكتفي بالنقد الفكري، بل يذهب إلى الجذور النفسية، يبدو أشد جرأة وأعمق نظرا ممن يقف عند سطح النص. لكن هذا العمق الظاهري هو بالضبط ما ينبغي التدقيق فيه.
للظاهرة أيضا وجه آخر ينبغي الإقرار به بنفس الأمانة. كل ما سبق لا يعني أن الحياة منفصلة تماما عن الفكر، ولا أن الكاتب محصّن من أي مساءلة تتعلق باتساقه. الفلسفة ليست لعبة مفاهيم في الفراغ، هي طريقة في العيش أيضا، أو تسعى إلى ذلك في أفضل صورها. والتناقض الفاضح المتكرر بين ما يعلنه مفكر وما يمارسه ليس من المحظور الإشارة إليه. لكن الفارق الحاسم يكمن في المنهج وفي الترتيب: هل نبدأ من الفكرة أم من الشخص؟ هل نعترض على الحجة ثم نلاحظ التناقض دليلا إضافيا يستحق التأمل، أم نبدأ بالشك في الشخص ثم نستخدم تشكيكنا لإلغاء حجته قبل أن نفحصها؟ الأول نقد فلسفي مشروع ومطلوب. والثاني إجراء يشبه المحاكمة أكثر مما يشبه الحوار، ويشبه أكثر ما يشبه إصدار حكم قبل انعقاد الجلسة.
وهنا يصبح السؤال الأكثر عمقا: ما الذي تفعله هذه الظاهرة بالفضاء الفكري المشترك حين تسود؟ الجواب المقلق أنها تجعل الكتابة الصادقة مغامرة مكلفة. حين يعلم الكاتب أن أي شيء يكتبه عن الحرية أو الصدق أو الكرامة قد يحوَّل إلى شاهد على شخصيته لا على أفكاره، فإن أول ما يتعلمه هو أن يكتب بحذر، وبحساب، وبمسافة آمنة من الصدق الكامل. وهذا بالضبط ما تصنعه محاكم التفتيش الأيديولوجية في كل صورها: لا تمنع الكتابة، بل تصادر الخيال والإبداع، وتعلم الكاتب كيف يراقب نفسه قبل أن يراقبه الآخرون، حتى تصبح الرقابة الداخلية أكثر فتكا من أي رقابة خارجية.
الفلسفة في جوهرها فضاء مشترك لا ملكية خاصة لأحد. حين يكتب مفكر عن الحرية أو العبث أو الكرامة الإنسانية، فهو لا يشهد على نفسه ولا يُقدّم سيرته للتقييم، هو يدعو القارئ إلى تأمل في أفكار تتجاوزه هو شخصيا وتتجاوز القارئ أيضا، لأنه حر في قبول هذه الدعوة أو ردها، في الاتفاق مع الحجة أو الاعتراض عليها. لكنه ليس مُفوَّضا، لا فلسفيا ولا أخلاقيا، بأن يحوّل هذه الدعوة إلى محاكمة يجلس فيها الكاتب في قفص الاتهام وتُقدَّم أفكاره أدلة على جرائمه المحتملة.
الفلسفة لا تشترط في صاحبها القداسة. تشترط فيه الأمانة في التفكير، والشجاعة في طرح ما يراه حقيقيا، والتواضع أمام ما لا يعرفه. وتشترط في ناقده شيئا واحدا قبل كل شيء: أن يحاكم الفكرة بنفس الجدية التي يحاكم بها صاحبها، وربما أكثر. لأن الفكرة التي تصمد أمام نقد حقيقي تستحق البقاء، وتلك التي لا تصمد تستحق الرفض، لا لأن صاحبها لا يطبقها في حياته، بل لأنها لا تصمد في ميزان العقل.
وفي النهاية، ربما كان أصدق ما يمكن قوله، هو أن الفيلسوف الذي يجلس مع سؤاله الحقيقي يعرف أن السؤال لا يعفيه من شيء، لكنه يعرف أيضا أن الجلوس مع السؤال أشرف من التظاهر بامتلاك الجواب. ومن يمتلك الجواب الجاهز الذي يُقيّم الآخرين دون أن يُقيّم نفسه بنفس المعيار، هو بالضبط من يجسّد الوهم الذي يزعم أنه يكشفه.
***
عبد الرحيم الجرودي








