عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: في ذكرى ميلاد هايدغر

المسألة اليهودية في ضوء الدفاتر السوداء

مقدمة: في ذكرى ميلاد مارتن هايدغر (26 سبتمبر 1889)، يعود السؤال مجدداً حول إرثه الفلسفي الأكثر إشكالية، فقلما شغلت قضية فلسفية الرأي العام والأوساط الأكاديمية كما شغلتهما قضية ساحر ميسكيرش كما كان يلقب، فمنذ عام 1945 وصورة الفيلسوف الألماني الأكثر جدلا في القرن العشرين تتأرجح بين قطبين متنافرين: عبقرية فلسفية أعادت تأسيس السؤال عن الوجود بعد أن نسيته الميتافيزيقا الغربية طوال عصورها، ونازية معلنة انخرط فيها هايدغر بإرادته، وتحمس لها، ولم يتراجع عنها قط.

غير أن نشر "الدفاتر السوداء" بين عامي 2014 و2015 نقل النقاش بأسره إلى مستوى جديد كلياً. لم تعد المسألة تتعلق بموقف سياسي، بل بشيء أعمق وأخطر يعكس علاقة بنيوية بين فلسفة الوجود والمسألة اليهودية، صاغها هايدغر بنفسه حين كتب أن "مسألة دور اليهودية العالمية ليست مسألة عرقية، بل هي مسألة ميتافيزيقية"

هذه العبارة وحدها كفيلة بإعادة صياغة السؤال الفلسفي بأكمله. فإذا كانت المسألة اليهودية عند هايدغر ميتافيزيقية وليست عرقية، فهذا يعني أنه لا يمكن عزلها عن نسق تفكيره، بل هي نتاج داخلي لهذا النسق ذاته. والسؤال الذي يفرض نفسه حينئذ هو: هل يمكن للمرء أن يقرأ "الوجود والزمان" ومحاضرات هايدغر عن التقنية والفن والشعر بمعزل عن هذه المعاداة الميتافيزيقية لليهود؟ أم أن الفلسفة الغربية ذاتها، في تراثها الممتد من كانط إلى نيتشه، كانت تحمل في أعماقها استعداداً لصياغة هذا النوع من الإقصاء؟

الواقع انه يمكن مقاربة هذه الإشكالية عبر خمسة محاور أولاً: الانتقال من سيرته إلى الموقف الفلسفي في تفسير نازية هايدغر، ثانياً: تتبع جذور معاداة اليهود في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي مهدت الطريق لهايدغر، ثالثاً: تحليل البنية الميتافيزيقية الخاصة التي بنى عليها هايدغر تصوره لليهودي، رابعاً: مواجهة النص الأكثر إشكالية في هذا الملف كله، وهو تفسيره للمحرقة بوصفها "إبادة ذاتية": وخامساً: استعراض القراءات النقدية المضادة التي حاول من خلالها فلاسفة يهود، من ليفيناس إلى دريدا، أن يقيموا حواراً نقدياً مع هذا الإرث الثقيل.

من السيرة إلى الارتباط الفلسفي

منذ وفاة هايدغر عام 1976، سادت رواية رسمية لعلاقته بالنازية تلخّصها عبارة "الفاصل السياسي، وبحسب هذه الرواية، انساق هايدغر وراء حماسة عابرة حين تولى رئاسة جامعة فرايبورغ في أفريل 1933، وسجل نفسه عضواً في الحزب النازي في الأول من شهر ماي من العام نفسه، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع النظام، فاستقال من رئاسته في افريل 1934، وانسحب إلى عزلته الفلسفية في تودتناوبرغ.

هذه الرواية، التي روّج لها هايدغر نفسه في اعترافاته المتأخرة وفي مقابلته الشهيرة مع مجلة دير شبيغل (التي لم تُنشر إلا بعد وفاته وفقاً لشرطه)، تركت أسئلة كثيرة معلّقة: لماذا ظلّ هايدغر عضواً في الحزب النازي حتى سقوط الرايخ عام 1945؟ لماذا لم يُدِن التزامه هذا قط، ولو مرة واحدة، بعد الحرب؟ ولماذا التزم ذلك الصمت العنيد حيال ما يسمى المحرقة طوال حياته؟

الدفاتر السوداء تجيب عن هذه الأسئلة بطريقة تهدم الرواية الرسمية من أساسها. فهي تكشف عن ان معادته لليهود مستمرة ومتصاعدة تمتد من عام 1931 إلى عام 1948، أي إنها تسبق تولي هايدغر رئاسة الجامعة وتلي سقوط النازية بثلاث سنوات كاملة. وهذا يعني أن الأمر لا يتعلق بحادثة عابرة محصورة في فترة زمنية محدودة يمكن "وضعها بين قوسين" كما فعل كثير من المفسرين، بل بموقف بنيوي راسخ يتخلل نسيج تفكيره الفلسفي بأكمله. كما تكتب دوناتيلا دي تشيزاري في كتابها المرجعي عن هذه القضية: "لم تكن معاداة السامية 'إضافة' أيديولوجية، بل كانت حجر الزاوية للاشتراكية الوطنية" في تفكير هايدغر، وهذا "يدحض أيضاً الفكرة التي يتبناها الكثيرون بأن معاداة هايدغر للسامية كانت بعيدة كل البعد عن معاداة كارل شميت أو إرنست يونغر".

والأهم من ذلك أن الدفاتر السوداء تُظهر أن هايدغر لم يكن يتحدث عن "اليهود" بوصفهم جماعة عرقية أو دينية بالمعنى الشائع، بل كان يفكر فيهم بوصفهم مقولة فلسفية داخل نسقه الخاص عن "تاريخ الوجود هذا الانتقال من التصنيف العرقي إلى التصنيف الميتافيزيقي هو ما يجعل موقف هايدغر أشد خطورة، لا أقل، من معاداة السامية النازية "المبتذلة" القائمة على نظريات الأجناس. فحين يصرّح هايدغر بأن "المسألة اليهودية ليست عرقية بل ميتافيزيقية"، فإنه بذلك يمنح كراهية اليهود شرعية فلسفية لم تكن لتحظى بها لو ظلّت حبيسة الخطاب العرقي الذي كان يهيمن على الدعاية النازية الرسمية.

جذور معاداة السامية في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية

لفهم كيف أمكن لهايدغر أن يصوغ هذا النوع من معاداة اليهود "الميتافيزيقية"، لا بد من الرجوع إلى تراث طويل من الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي مهّدت الطريق لهذا التصور، بدءاً من الإصلاح البروتستانتي وانتهاءً بنيتشه.

يمثّل مارتن لوثر نقطة الانطلاق التاريخية. فرغم أن أوغسطينوس كان قد أرسى تقليداً مسيحياً معادياً لليهودية يقوم على فكرة أن اليهود "شهود" على حقيقة المسيحية يجب الحفاظ عليهم حتى نهاية الزمان، فإن لوثر قلب هذا الموقف رأساً على عقب في كتابه الشهير "عن اليهود وأكاذيبهم" (1543)، حيث ألغى أي أمل في خلاص اليهود، ودعا صراحة إلى حرق معابدهم ومصادرة ممتلكاتهم وإسكاتهم إلى الأبد. والأخطر من ذلك أن لوثر ربط بين "كذب" اليهود وطريقتهم في تفسير النصوص المقدسة، فحوّل التهمة من مجرد كراهية دينية إلى اتهام بنيوي بالتزوير والخداع، وهو الاتهام ذاته الذي سيتردد صداه عند كانط ونيتشه وهتلر لاحقاً.

وفي كتاب "الدين ضمن حدود العقل المحض"، ينفي كانط عن اليهودية صفة "الدين" أصلاً، معتبراً إياها مجرد تنظيم سياسي محض قائم على قوانين خارجية لا صلة لها بالأخلاق الداخلية المستقلة التي يتأسس عليها العقل العملي. وفي "الأنثروبولوجيا من منظور براغماتي"، يذهب كانط إلى وصف اليهود بأنهم "أمة من الغشاشين"، معلناً في "صراع القدرات" ضرورة "القتل الرحيم لليهودية، أي ذوبانها الكامل في المسيحية الأخلاقية العقلانية.

ويطور هيجل هذا الإقصاء باتجاه أشد جذرية. ففي "روح المسيحية ومصيرها"، يصف هيجل اليهود بأنهم شعب "بلا ملكية"، لأن الشريعة الموسوية، بحسب تأويله، لا تمنحهم حق التملك الفعلي بل مجرد "استعارة" مؤقتة من الله. ومن هذا الحرمان الميتافيزيقي من الملكية، يستنتج هيجل حرمانهم من الحقوق المدنية: "كمواطنين لم يكونوا شيئاً" وقد علّق جاك دريدا على هذه العبارة قائلاً إنها تعني أنه "لا وجود لكائن يهودي في حد ذاته" بالمعنى الفلسفي الهيجلي. أما في "فينومينولوجيا الروح"، فيصف هيجل اليهودي بأنه "الوعي الشقي" الجامد على عتبة الخلاص، رافضاً الرفع الجدلي الذي يفتح الطريق أمام تحقق الروح المطلقة.

في نفس الاتجاه يمثل نيتشه حالة أكثر تعقيداً والتباساً؛ فهو من جهة يهاجم معادي السامية بعنف "أريد أن أقتل كل معادي السامية"، كما كتب في إحدى رسائله الأخيرة، ومن جهة أخرى يحمّل "اليهودية الكهنوتية" مسؤولية "ثورة العبيد في الأخلاق"، أي ذلك الانقلاب التاريخي الذي أحلّ قيم الضعف والاستياء محل القيم النبيلة الأرستقراطية. بحسب نيتشه، فإن اليهودية هي التي "زوّرت" الطبيعة، ثم صدّرت هذا التزوير إلى العالم عبر المسيحية، التي وصفها بأنها "يهودية للجماهير". هذا المفهوم عن "التزوير" سينتقل مباشرة إلى الخطاب النازي، ومنه إلى فلسفة هايدغر ذاتها حين يتحدث عن "الأكاذيب" اليهودية التي تحجب الوجود.

هذا الخط المتصل - من لوثر إلى كانط فهيجل فنيتشه - يكشف أن هايدغر لم يخترع معاداة السامية الفلسفية من العدم، بل ورث تقليداً ألمانياً عريقاً حوّل اليهودي، عبر قرون من التنظير، من "الآخر الديني" إلى "الآخر الأخلاقي" فـ"الآخر السياسي" فـ"الآخر الميتافيزيقي". وما فعله هايدغر هو أنه استكمل هذا المسار عبر ربط اليهودي بمفهومه الخاص عن "تاريخ الوجود"، فمنحه بذلك أعمق وأخطر تسويغ فلسفي عرفته معاداة السامية الحديثة.

البنية الميتافيزيقية لتصور هايدغر عن اليهودي

يقوم النسق الفلسفي الذي يبني عليه هايدغر تصوره عن اليهودي على ثلاثة مفاهيم مركزية متشابكة: انعدام الجذور، والمكائد أو التقنية، ونسيان الوجود.

وهنا يقيم هايدغر تعارضاً حاداً بين "التجذر " وهو حالة الشعب الذي يستمد أصالته من ارتباطه العضوي بالأرض واللغة والتربة، وبين "انعدام الجذور" الذي ينسبه لليهودي. فاليهودي، بوصفه شعباً بلا أرض ثابتة، محكوم عليه بحياة التيه والتشتت، وهو بذلك عاجز - بنيوياً لا عرضياً - عن بلوغ تلك "الأصالة" التي يشترطها هايدغر للوجود الحقيقي. هذا التصور مستمد جزئياً من فيرنر سومبارت، الذي قابل في كتابه "اليهود والرأسمالية الحديثة" بين "الغابة" الألمانية الرمزية للتجذر والانتماء، و"الصحراء" التي يُفترض أنها تشكّل الأفق الروحي لليهودية المرتحلة. غير أن هايدغر يرفع هذا التقابل الأنثروبولوجي-الاقتصادي إلى مستوى وجودي-تاريخي، فمن لا أرض له لا يمكنه أن "يسكن" الوجود بالمعنى الذي يقصده هايدغر حين يتحدث عن "السكنى الشعرية" للإنسان على الأرض.

لا حقا يطور هايدغر في الدفاتر السوداء مفهوم "الماكينشافت"، أي تلك القوة التي تخضع الكائنات لمنطق الحساب والاستغلال والهيمنة التقنية، والتي يعتبرها النتيجة القصوى لتاريخ الميتافيزيقا الغربي بأسره. والمفارقة الخطيرة هنا أن هايدغر يربط هذه القوة التقنية المدمرة تحديدا باليهودية، فيصفها بأنها "القوة اليهودية" التي، لكونها مجردة من الجذور والعمق، تنتشر أفقياً على سطح الكوكب، ناسجة علاقات المصلحة والحساب والتبادل بلا أي التزام تجاه الأرض أو التاريخ أو الوجود. وهكذا تتحول اليهودية، في هذا النسق، إلى الاسم الفلسفي لتلك القوة العدمية التي تُفرغ الوجود من معناه وتختزله في مجرد "مخزون احتياطي" قابل للاستغلال، وهو بالضبط المفهوم الذي سيستخدمه هايدغر لاحقاً، وبشكل صادم، لوصف ضحايا معسكرات الإبادة أنفسهم.

أما المفهوم الأخطر فهو ربط اليهودي بـ"نسيان الوجود"، وهو المفهوم المحوري في كل فلسفة هايدغر، والذي يصف به تاريخ الميتافيزيقا الغربية بأسره منذ أفلاطون، حين اختُزل الوجود إلى مجرد كائن من بين الكائنات وأُهملت مسألة الوجود بما هو وجود. في الدفاتر السوداء، لا يعود هايدغر يصف اليهودي بوصفه ضحية أو نتاجاً لهذا النسيان، بل يحمّله مسؤوليته المباشرة: فاليهودي هو من يقف حائلاً دون وصول "الشعب الألماني" - الذي يعتبره هايدغر الوريث الوحيد للبداية اليونانية والمهيّأ الوحيد لـ"البداية الأخرى" إلى استعادة السؤال عن الوجود. بهذا المعنى، لا يعود اليهودي مجرد أقلية دينية أو عرقية يمكن التسامح معها أو إقصاؤها سياسياً، بل يصبح "العدو الميتافيزيقي بامتياز، الكيان الذي يجسّد في ذاته نقيض كل ما يسعى إليه تاريخ الوجود من أصالة وبداية جديدة.

هذا التماسك البنيوي بين المفاهيم الثلاثة هو ما يجعل معاداة السامية عند هايدغر، كما تصفها دي تشيزاري "معاداة سامية ميتافيزيقية": فهي ليست موقفاً سياسياً عابراً يمكن فصله عن باقي فلسفته، بل هي نتيجة منطقية لتطبيق أدواته الفلسفية ذاتها (الأصالة، التجذر، تاريخ الوجود، نقد الميتافيزيقا) على "المسألة اليهودية".

مواجهة النص الأكثر إشكالية

إذا كان ما سبق يكفي وحده لإثارة أزمة فلسفية عميقة، فإن النص الذي يستحق أقصى درجات الجدية والحذر التأويلي هو ذلك المقطع من الدفاتر السوداء الذي كتبه هايدغر أثناء سنوات المحرقة ذاتها (بين 1939 و1941)، حيث يفسّر إبادة اليهود على أنها ما يسمّيه بـ"الإبادة الذاتية" الميتافيزيقية: أي أن اليهود، بوصفهم عملاء التقنية والميتافيزيقا، هم من "يبيدون أنفسهم" حين تبلغ سيطرتهم على العالم ذروتها التي تستدعي انقلابها الذاتي.

هذا التفسير، الذي كتبه هايدغر هو إعادة تأطير فلسفي للمحرقة، يُحمّل فيه اليهود مسؤولية إبادتهم، ويحوّل ما قامت به النازية إلى مجرد "لحظة" حتمية في تاريخ الوجود لا يتحمل الجاني فيها أي مسؤولية أخلاقية أو سياسية. وهذا ما يفسر أيضاً ما كان يُعتقد سابقاً أنه "صمت هايدغر" المطبق حيال المحرقة بعد الحرب - فهو لم يكن صمتاً فارغاً، بل تعبيراً عن موقف مكتوب ومتماسك، لم ير هايدغر يوماً حاجة للتراجع عنه.

وتزداد خطورة هذا الموقف حين نضعه إلى جانب رسالة هايدغر الشهيرة إلى تلميذه السابق هربرت ماركوزه Herbert Marcuse عام 1948، حين طالبه ماركوزه، وقد كان يهودياً مهاجراً، بالاعتراف العلني بجريمة إبادة اليهود. فأجاب هايدغر بأنه لو استبدل كلمة "اليهود" بكلمة "الألمان الشرقيين" (في إشارة إلى المرحّلين الألمان من أراضي أوروبا الشرقية بعد الحرب) لصح الكلام "بنفس القدر" على تصرفات الحلفاء.

القراءات النقدية المضادة

في مواجهة هذا الإرث الثقيل، نشأ تقليد فلسفي يهودي حاول أن يفكّك أدوات هايدغر ذاتها لينتج منها نقيضها. لا يسع هذا المقال إلا أن يستعرض أبرز هذه المحاولات بإيجاز:

إيمانويل ليفيناس، الذي كان تلميذاً لهايدغر قبل الحرب، أعاد صياغة السؤال الفلسفي كله بقلبه رأساً على عقب: فبدلاً من أن ينطلق التفكير من "الوجود" كأفق أول، اقترح ليفيناس أن الأخلاق، أي مواجهة "وجه الآخر" ومسؤوليتنا تجاهه - هي "الفلسفة الأولى" التي تسبق الأنطولوجيا. عبارته الشهيرة "وجود مختلف عن الوجود" هي رد مباشر وعميق على مركزية الوجود الهايدغرية التي أفضت، في نهاية المطاف، إلى إقصاء اليهودي بوصفه غريباً عن "تاريخ الوجود".

كما نجد جاك دريدا، من جهته، طوّر مفهوم "اليهودية" بوصفها استحالة بنيوية لتحقيق الهوية الذاتية الكاملة، وهو بذلك يقلب الاتهام الهيجلي-الهايدغري (اليهودي "بلا شيء"، "بلا جذور") ليجعل من هذا "النقص" ذاته شرطاً للانفتاح على الآخر وعلى العدالة، بدلاً من أن يكون علة للإقصاء.

هانس يوناس، تلميذ هايدغر الآخر الذي قاتل في الجيش البريطاني ضد ألمانيا النازية، وصف الحرب بأنها "حرب يهودية" بالمعنى الوجودي، إذ لم يكن اليهود فيها مهدَّدين في جزء من وجودهم كباقي الشعوب، بل في وجودهم بالمطلق - وهو ما ميّز، في نظره، خصوصية المحرقة عن أي إبادة جماعية أخرى، خلافاً لتسوية هايدغر المذكورة أعلاه.

هذه القراءات النقدية لا تكتفي بإدانة هايدغر أخلاقياً من الخارج، بل تحاول أن تبني من داخل الحوار الفلسفي معه وضده أنطولوجيا بديلة لا تقصي "الآخر" اليهودي بل تجعل من مواجهته أساساً للفلسفة ذاتها.

خاتمة

يبقى السؤال الذي طرحناه في المقدمة معلّقاً بلا حسم نهائي، هل تُسقط معاداة السامية الميتافيزيقية مشروع هايدغر الفلسفي بأكمله؟ ثمة من يذهب إلى القول - كما فعل إيمانويل فاي - بضرورة إخراج هايدغر من قاعة الفلسفة كلياً، بوصفه "مدخلاً للنازية إلى الفلسفة" لا أكثر. وثمة من يحاول، على النقيض، عزل "الوجود والزمان" (1927) عن الدفاتر السوداء اللاحقة، معتبراً أن هذا العمل المبكر لا يزال يحتفظ بقيمته الفلسفية المستقلة عن انحرافات صاحبه اللاحقة.

غير أن ما تكشفه الدفاتر السوداء يجعل هذا الفصل الأنيق أمراً بالغ الصعوبة، فإذا كانت المفاهيم المركزية في فلسفة هايدغر - الأصالة، التجذر، الوجود-من-أجل-الموت، تاريخ الوجود، نقد التقنية - هي ذاتها الأدوات التي استخدمها لبناء تصوره الإقصائي لليهودي، فإن أي قراءة "بريئة" لهذه المفاهيم تصبح مشكوكاً فيها سلفاً. لعل الموقف الأكثر نزاهة فلسفياً هو ذلك الذي تقترحه دي تشيزاري نفسها حين تصر على "قراءة نقدية" تأخذ كلا الجانبين على محمل الجد، الاعتراف بعمق الأسئلة الهايدغرية عن الوجود والتقنية والزمن من جهة، والمواجهة الصريحة غير المتهاونة مع الجذور الفلسفية العميقة لمعاداة السامية عنده من جهة أخرى، دون السماح لأي منهما بأن يبرر الآخر أو يمحوه.

***

عمرون علي – الجزائر

........................

هوامش

1. نُشرت الدفاتر السوداء ضمن الأعمال الكاملة لهايدغر في المجلدات 94 إلى 97، بإشراف بيتر تراوني (Peter Trawny)، عن دار Klostermann، فرانكفورت، ابتداءً من 2014.

2. حوار دير شبيغل أُجري مع هايدغر عام 1966 بعنوان "لم يعد بمقدور إلا إله أن يُنقذنا"، ولم يُنشر إلا في 31 مايو 1976، أي بعد وفاة هايدغر بأيام، تنفيذاً لشرطه.

3. مارتن لوثر، عن اليهود وأكاذيبهم،1543.

4. عمانويل كانط، الدين في حدود العقل وحده، 1793.

5. ج. و. ف. هيغل، روح المسيحية ومصيرها، كتابة 1798–1800، نُشر لاحقاً بعد وفاته.

6. فيرنر سومبارت، اليهود والرأسمالية الحديثة، 1911.

7. إيمانويل ليفيناس، الوجود بخلاف الماهية أو ما وراء الجوهر 1974.

8. رسالة هايدغر إلى هربرت ماركوزه، 20 يناير 1948، منشورة ضمن مراسلاتهما المتبادلة (1947–1948)، وترد ترجمتها الإنجليزية في عدة دراسات نقدية عن العلاقة بين هايدغر والمدرسة النقدية.

في المثقف اليوم