عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: في التمييز بين الواقعي والوهمي وسر التقدم العلمي

أثناء ممارستي عملي التطوعي في متحف التاريخ الطبيعي ناتورا دوسيت (Natura Docet) في مدينة دينيكامب الهولندية، وجدت نفسي أمام سؤال يتجاوز المتحف ومقتنياته وحدوده الجغرافية: كيف يتعلم الإنسان أن يميز بين ما هو موجود واقعيا وما هو مختلق خيالياً؟ وكيف تتحول هذه القدرة البسيطة في ظاهرها إلى أساس للعلم، ثم إلى أساس للتقدم الحضاري؟

ربما كنت أبحث عن جواب لسؤال آخر أكبر: لماذا استطاعت هولندا، وهي بلد صغير المساحة والسكان والموارد الطبيعية مقارنة بكثير من دول العالم، أن تكون في مقدمة البلدان المنتجة للمعرفة والتكنولوجيا والابتكار، وأن تصبح من البيئات المهمة في تطور الذكاء الاصطناعي والعلوم الحديثة؟

شيئاً فشيئاً بدأت أرى أن الإجابة لا توجد فقط في المختبرات والجامعات والشركات التكنولوجية، وإنما تبدأ في مكان أعمق بكثير: في الطريقة التي يتعلم بها الطفل منذ سنواته الأولى كيف يرى العالم.

في ناتورا دوسيت لاحظت الفرق المدهش بين الكائنات الطبيعية الحقيقية والكائنات الخرافية التي أنتجتها المخيلة البشرية. في داخل المتحف الصغير هياكل عظمية لكائنات عاشت فعلاً على هذه الأرض، ومنها هيكل الماموث، وبيض الديناصورات، وطيور وحيوانات نادرة من مناطق مختلفة من العالم، وصولاً إلى التمساح البحري. هنا لا يحتاج العلم إلى أن يخترع الكائن؛ فالكائن نفسه، أو أثره، أو هيكله، أو حفريته، هو الذي يتكلم؛ الجماجم والعظام والأجنحة والجلود والريش والقرون والأسنان ليست مجرد أشياء ميتة محفوظة خلف الزجاج، وإنما هي وثائق صامتة لتاريخ الحياة التي تصرمت. إنها تقول للإنسان: كان هذا موجوداً، عاش هنا، وتحرك وتغذى وتكاثر ثم مات، وبقيت منه آثار تستطيع أنت أن تقرأها.

وهنا تكمن إحدى أعظم فضائل المتحف العلمي: أنه يعلمنا احترام الدليل.فالخيال يستطيع أن يصنع تنيناً، وأن يمنحه أجنحة ومخالب وناراً، لكن العلم يسأل: أين الدليل؟ هل عاش هذا الكائن بالفعل؟ أين عظامه؟ أين حفرياته؟ ما طبقته الجيولوجية؟ ما علاقته بالكائنات الأخرى؟

وهذا السؤال الصغير: أين الدليل؟ ربما كان أحد أهم الأسئلة التي صنعت الحضارة العلمية الحديثة.

لكن المفارقة الأجمل في متحف التاريخ الطبيعي ( ناتورا دوسيت) أن المكان لا يعزل الحقيقة عن الخيال، وإنما يعلم الطفل كيف يضع كل واحد منهما في موضعه الصحيح ففي الحديقة الخارجية رأيت مجسمات لكائنات أسطورية من ثقافات مختلفة: البراق الطائر، وأبو الهول، وعروس البحر، والعنقاء وغيرها، إلى جانب كائنات أسطورية أخرى من اليونان والهند والصين ومصر وبلاد الرافدين وغيرها. وفي المعرض الصيفي للكائنات الخرافية Fabelwezens توزعت كائنات أسطورية مجسمة بين الأشجار والعشب والمياه، بعضها متحرك ويصدر أصواتاً واقعية، فيتحول المكان إلى عالم ساحر يجمع بين الدهشة واللعب والمعرفة.

لكن المهم ليس أن الطفل يرى التنين أو حورية البحر، وإنما أن يعرف أنهما ينتميان إلى عالم الأسطورة، لا إلى عالم الحيوان الطبيعي.

وهذه نقطة تربوية وفلسفية بالغة الأهمية.

فالمشكلة ليست في الخيال. بالعكس، لا حضارة عظيمة بلا خيال. الإنسان الذي لا يستطيع أن يتخيل ما ليس موجوداً الآن لن يستطيع أن يبني ما سيكون موجوداً غداً. فالطائرة بدأت حلماً، والمدينة بدأت مخططاً، والروبوت بدأ فكرة، والذكاء الاصطناعي نفسه كان زمناً طويلاً أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى الواقع.

لكن الفرق بين الخيال العلمي والخرافة هو أن الأول يعرف أنه خيال، ويسعى إلى تحويل الإمكان إلى واقع بالدليل والتجربة والهندسة، بينما الثانية قد تتحول إلى حقيقة زائفة حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما يتخيله وما يعرفه.

خرجت من ناتورا دوسيت وأنا أشعر أن عملي التطوعي في هذا المتحف لم يكن مجرد ممارسة عملية أو مشاركة في نشاط ثقافي، بل كان فرصة نادرة للتأمل وإعادة قراءة كثير مما سبق أن درسته في فلسفة التاريخ والحضارة، وكأنني انتقلت من صفحات الكتب إلى مختبر حيّ للتاريخ الطبيعي والإنساني. فقد وجدت أمامي، في هياكل الماموث وبيض الديناصورات والطيور والحيوانات والنباتات، شواهد مادية على تاريخ الحياة، وفي الكائنات الأسطورية التي احتضنتها الحديقة رأيت الوجه الآخر للتاريخ: تاريخ المخيلة والرموز والأساطير التي صنعتها الجماعات لتفسير المجهول وبناء هوياتها وصور قوتها. وبين الحقيقة والأسطورة، وبين الأثر والخيال، أدركت من جديد أن الحضارة لا تتقدم بمجرد تراكم المعلومات، وإنما بقدرة الإنسان على التمييز والنقد والاختبار وتحويل المعرفة إلى تجربة. ثم جاء متحف كوربوس ليكمل هذا الدرس من جهة أخرى؛ فالإنسان لم يعد موضوعاً نراه من الخارج، بل أصبح عالماً ندخله ونكتشفه من الداخل، فتحولت العمارة إلى تشريح، والتشريح إلى تجربة، والتجربة إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة. عندها بدا لي أن الصلة بين الفلسفة والهندسة والتربية والعلم ليست عرضية؛ فالفلسفة تسأل عن الغاية والمعنى، والهندسة تمنح الفكرة شكلاً قابلاً للاختبار، والتربية تبني الإنسان القادر على تحويلها إلى واقع، والعلم يضع الجميع أمام امتحان الدليل. ومن هنا فهمت أن الذكاء الاصطناعي، مهما بدا قمة التكنولوجيا الحديثة، يبدأ في الحقيقة من عقل تربى على السؤال: كيف عرفت؟ وما دليلك؟ وهل يمكن اختبار ما تقول؟ ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي منحني إياه العمل التطوعي في المتحف: أن التفوق العلمي ليس امتلاكاً للأجهزة والمختبرات بقدر ما هو ثقافة في النظر إلى العالم؛ ثقافة تسأل قبل أن تصدق، وتلاحظ قبل أن تحكم، وتجرب قبل أن تعمم، وتعترف بالخطأ قبل أن تدافع عنه. فالخيال يفتح أبواب الممكن، والعلم يختبره، والهندسة تجسده، والتربية تصنع الإنسان القادر على استخدامه. وبين الخيال والحقيقة، وبين الأسطورة والمعرفة، وبين الحلم والبناء، تتشكل الحضارة. وهنا، ربما، يبدأ العلم؛ وهنا يبدأ الذكاء؛ وربما من هنا أيضاً يبدأ سر تفوق الشعوب والدول.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم