كان ارنست همنغواي يعمل كسائق إسعاف للصليب الأحمر الأمريكي في إيطاليا اثناء الحرب العالمية الأولى وأيضا كان مراسلا أجنبيا أعجب جدا بمصارعة الثيران. امتلك همنغواي روحا مغامرة وكان كثير الأسفار. أبوه علّمه الصيد البري وصيد الأسماك في عمر مبكر وهي المهنة التي طورها لاحقا الى صيد الطرائد. وبالرغم من زواجه من أربع نساء في حياته، لكن حبه الأكبر كان كوبا حيث عاش فيها فترة أطول مما عاش في أي مكان آخر في العالم. تجارب همنغواي الراسخة في الذاكرة وجدت طريقها الى أعماله.
نظرية جبل الجليد، نظرية الإغفال Theory of omission، هي تكنيك للكتابة صاغه همنغواي. هو اعتقد انه عبر اسقاط سبعة أثمان القصة، سيؤدي بدوره الى تقوية القصة عبر السماح للقراء باستنباط معاني مختبئة في النص. همنغواي طور هذا الأسلوب في الاختزال اثناء عمله كمراسل لصحيفة كانساس ستي ستار، حيث عمل بعد المرحلة الثانوية ، وكمراسل اجنبي لتورنتو ستار بعد انتقاله الى باريس عام 1921.
همنغواي اعتقد بان المشاعر الصادقة كانت معروفة لدى الجميع، لهذا، يجب على الكاتب ان يعرف ما يكفي حول ما يكتب ويكون قادرا على اسقاط التفاصيل. هذا بدوره سوف يكشف الكثير في ذهن القارئ عن القصة وشخصياتها. بالنسبة لهمنغواي، هذا يمكن إنجازه فقط عندما يختار الكاتب التفاصيل الملائمة مما عاشه في تجاربه الخاصة.
في عام 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، لم يُسمح لـ ارنست همنغواي المتلهف والبالغ 17 عاما بالتطوع للقتال بسبب سوء بصره. وبصرف النظر عن ذلك، ونظرا لإصراره للوصول الى خطوط الجبهة الامامية، تطوع مع فيلق المركبات التابع للصليب الأحمر واُرسل الى إيطاليا كسائق اسعاف، حيث وصل الى ميلان في شهر مايو عام 1918.
الواجبات اليومية لهمنغواي تطلبت تسليم مواد مثل القهوة، الشوكولاته، السكائر، والبطاقات البريدية الى الجنود في الخنادق. وفي جولاي 8 عام 1918، بينما كان ينفذ واجباته قرب نهر بيافي، سقطت قذيفة هاون نمساوية بجانبه. وعلى الرغم من اصابته بشضايا في ساقيه وارتجاج في المخ، فقد استمر يلتقط الجنود الجرحى الايطاليين ويحملهم خارج المخبأ. وبسبب أعماله، مُنح همنغواي وسام الاستحقاق الحربي الإيطالي والمدالية الفضية الإيطالية للبسالة العسكرية.
أمضى همنغواي الكثير مما تبقى من الحرب في مستشفى الصليب الأحمر الأمريكي في ميلان. هو حظي برعاية فون كروفسكي Agnes Von Kurowsky، الممرضة في الصليب الأحمر الأمريكي وكانت لها معه قصة حب عابرة. كانت كروفسكي مصدر إلهام لشخصية كاثرين باركلي في روايته عام 1929، وداعا للسلاح. الرواية ترسم العديد من أوجه التشابه بين تجاربه الخاصة اثناء الحرب العالمية الأولى، بما في ذلك اصابته بنيران قذائف الهاون وتطوير علاقة مع الممرضة التي اهتمت به.
في الحقيقة، كروفسكي نُقلت الى مستشفى في فلورنسا. وبينما استمرا بتبادل الرسائل ومناقشة الزواج، لكن كروفسكي بالنهاية أنهت العلاقة معه تاركة همنغواي محطما بعد عودته الى الولايات المتحدة. في الكتاب، كاثرينا أصبحت حاملا، وضعت طفلا ميتا اثناء الولادة، وهو ما خلّد معاناة همنغواي من انفصاله من كروفسكي.
مهرجان سان فيرمين هو مهرجان سنوي عُقد في بامبلونا في اسبانيا، تكريما للاسقف الأول في المدينة والراعي القديس فيرمين. المهرجان يبدأ ظهرا في 6 جولاي وينتهي عند منتصف الليل في 14 جولاي. أبرز فعاليات المهرجان هي سباق الثيران اليومي، وهو المظهر الذي أعجب به همنغواي عند حضوره لأول مرة عام 1923. حضر همنغواي المهرجان بصحبة زوجته الأولى هادلي ريتشاردسون، ثم العودة في السنة اللاحقة عام 1924 ومرة أخرى عام 1925. وبعد وقت قصير من انتهاء المهرجان في عام 1925، بدأ همنغواي العمل في ما أصبح اول رواية له، الشمس تشرق أيضا، ليكمل العمل في ثمانية أسابيع فقط.
المجموعة الأساسية التي حضرت المهرجان عام 1925 كانت همنغواي والليدي داف تويسدن، وهارولد ليب، وبات غوثري. هؤلاء جرى تجسيدهم في الرواية بقالب روائي يمثله جاك بارنز، الليدي اشلي بريت، روبرت كون، ومايك كامبل.
تماما مثلما في الرواية، برز توتر في الحياة الواقعية مع الليدي دف تويسدن. ورغم انها كانت تسافر مع بات غوثري، هي بدأت علاقة غرامية مع هارولد لوب. الشرب الثقيل والتوتر في الرواية كانا أحداثا واقعية. أصبح لوب يشعر بالغيرة الشديدة على توايسدن التي عزلته عن بقية المجموعة. مشاحنات اندلعت بين لوب وهمنغواي وغوثري. رغم ان همنغواي أصيب بجراح من جراء الحرب العالمية الأولى، لكنها لم تتركه عاجزا عن ممارسة الجنس مثل جاك بارنيس في الرواية. عجزْ جاك الجنسي يعكس الجروح النفسية التي خلّفتها الحرب العالمية الأولى في "الجيل الضائع". الرجال الذين عادوا من الحرب كافحوا لإستعادة الأفكار التقليدية للرجولة والبطولة والهدف، لكنهم تُركوا بلا معنى في عالم تحوّل بسبب العنف وخيبة الأمل.
هذه الرمزية تأكّدت مرة أخرى من خلال الماتادور الاسباني كايتانو اوردونيز الذي يُعرف في الرواية، بـ بيدرو روميرو. خلافا للانحلال الأخلاقي للزوار الأجانب، يمثل روميرو الانضباط والشجاعة واحساس واضح بالهوية، لم تنل منه الفوضى التي صبغت الجيل الضائع لما بعد الحرب.
ان افتتاحية رواية همنغواي القصيرة عام 1936، ثلوج كليمنجارو، تشير الى فهد متجمد على القمة الغربية لجبل كليمنجارو. في عام 1926، اكتشف قس لوثري اسمه ريتشارد رويش فهدا محنطا ومتجمدا انثنت قوائمه وسط الثلوج عند حافة فوهة كيبو أعلى منطقة بركانية في جبل كليمنجارو. بقايا عنز وُجدت على بعد مئات الاقدام من الفهد. تكهّن رويش بان الفهد لاحق العنز الى أعلى كليمنجارو قبل الاستسلام للظروف البيئية.
عاد رويش في السنة اللاحقة وأزال أحد اذني الفهد للاحتفاظ بها كتذكار. عند عودة رويش اللاحقة، لم يُعثر على الفهد في أي مكان مع عدم وجود تفسير لذلك . ورغم الاختفاء الغامض، لكنه تم تجسيده في أبهى صورة في قصة همنغواي.
ثلوج كليمنجارو تتبع شخصية هاري، كاتب الموت بسبب الغرغرينا، الذي علق في رحلة سفاري في افريقيا مع زوجته هيلين. همنغواي وزوجته الثانية، بولين فايفر، ذهبا في رحلة سفاري لعشرة أسابيع الى كينيا في شهر ديسمبر عام 1933. هما أقلعا من مرسيليا وأبحرا لمدة أسبوعين قبل الوصول الى مومباسا. من هناك، زارا نيروبي وماشاكوس في كينيا، ثم انتقلا الى سير ينغيتي وبحيرة مانيارا وهي المنطقة التي تُعرف الان بتنزانيا.
في شهر جنوري عام 1934، أصيب همنغواي بمرض بسبب الزحار الاميبي الذي أدى الى انزلاق في الأمعاء. وخلافا لهاري في ثلوج كلمنجارو، كان همنغواي نُقل بالطائرة الى نيروبي لإجراء علاج طبي. وفي منتصف جنوري، شُفي همنغواي تماما ليعود الى تنجانيقا ليبدأ الصيد. هذه السفرة من عشرة أسابيع الى افريقيا وفرت لهمنغواي مواد كافية لكتابة عمله الثاني من الادب الواقعي، تلال افريقيا الخضراء، بالإضافة الى اثنين من أشهر رواياته القصيرة، ثلوج كليمنجارو والحياة القصيرة السعيدة لفرانسيس ماكومير. كان صيد الطرائد في افريقيا في الثلاثينات من القرن الماضي هواية فاخرة ونخبوية مخصصة للاثرياء الغربيين. رحلات الصيد هذه عادة يتم تنسيقها وتنظيمها من قبل محترفين من "الصيادين البيض" من أصل اوربي. عادة، هؤلاء الصيادون أجروا ترتيبات محلية، جمعوا وعبأوا الامدادات واستأجروا العمال من أصل افريقي للقيام بأدوار الحمالين ومسؤولي الخيام والحراس المسلحين.
الرئيس السابق للولايات المتحدة الامريكية ثيودور روزفلت ساهم في الترويج لصيد الطرائد الافريقية الكبيرة بعد ان باشر تغطية إعلامية واسعة للرحلة عام 1909. هذه الرحلة الاستكشافية ستؤثر لاحقا على سفرات همنغواي ذاته لأفريقيا لنفس الهدف. فيليب بيرسيفال philip percival كان مشهورا كصياد بريطاني ابيض عمل كمساعد في سفاري روزفلت عام 1909. ومع التقدم في السن ومزيد من التجربة، ذهب لإرشاد همنغواي اثناء اول رحلة سفاري له. بيرسيفال وهمنغواي طورا صداقة قوية. بيرسيفال أيضا اصطحب همنغواي في رحلته الثانية عام 1953.
استوحى همنغواي شخصية روبرت ويلسون بعد بيرسيفال في روايته القصيرة. الحياة السعيدة القصيرة لفرانسيس ماكومير. القصة تتبع الثري الأمريكي فرانسيس ماكومير وزوجته مارغوت، في رحلة في افريقيا تحت ارشاد روبرت ويلسون. القصة تبلغ ذروتها عندما أطلقت مارغوت النار على جاموس كان يندفع نحوها، لكنها بدلا من ذلك اطلقت النار على فرنسيس وقتلته. ما اذا كان ذلك بقصد ام لا يبقى لغزا.
اثناء رحلتهما في افريقيا، روى بيرسيفال عن فضيحة وقعت في رحلة عام 1909 يشترك بها الصياد الأبيض باترسون J.H.Patterson. وبينما يرشد جندي بريطاني اودلي بليت وزوجته ايثل، مات بليث اثر عيار ناري في ظروف غامضة. ومع انه لم يتقرر ان كان موته انتحارا او جريمة قتل، انتشرت شائعة ان باترسون وايثيل كانا في علاقة غرامية. لم تُوجّه تهمة ضد بيترسون لكن هذا الحدث أضر بشكل دائم في سمعته في افريقيا.
اول زيارة لهمنغواي لكوبا كانت عام 1928، خلال توقّف مؤقت في اسبانيا. هو زار الجزيرة على مر السنين، بما في ذلك عام 1932، عندما جلب معه صديقين لكي يمكنهم صيد سمكة المارلين على ساحل الخليج. همنغواي وزوجته الثالثة مارتا جيليهورن، اشتريا مزرعة لوكاوت Lookout farm في ضواحي هافانا. همنغواي وقع في حب كوبا، اطلق عليها اسم بلده في الثلث الأخير من حياته. هو أمضى 20 سنة في كوبا وهي أطول فترة عاشها في أي مكان في العالم حيث اندمج في الحياة الكوبية، يشرب الموجيتو في لابوديغويتا، مكوناً علاقات مع الصيادين الكوبيين في قرية كوجلمار.
اثناء الثلاثينات، حكى صياد كوبي اسمه كارلوس غوتيريز لهمنغواي قصة حول رجل كبير في السن وسمكة مارلين عملاقة . هذا سيكون لاحقا أساسا لرواية همنغواي القصيرة لعام 1952 الشيخ والبحر.
وبينما كان همنغواي يعيش في كوبا، احتفظ بقارب الصيد والدعائم راسيات في ميناء انكولمار، حيث يغامر مع جوتيريز بالخروج الى تيار الخليج بحثا عن السمكة مارلين. وصف الرواية للصيد في بحر عميق كان يتجذر في تجربة همنغواي الأولى في كوبا وبيميني. عندما يسحب الصيادون سمكة المارلين الى القارب، هم أحيانا لا يعثرون الاّ على الرأس والذيل بسبب تعرضها للنهش من اسماك القرش. حل همنغواي للتعامل مع هجوم القرش على صيده كان اطلاق النار على القرش. في احدى المرات هو اطلق النار على ساقيه.
***
حاتم حميد محسن
..................................
المصدر: The colector, Sep 3, 2026








