عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عامر عبد زيد: الذكاء الاصطناعي ورهانات التعليم

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تُضاف إلى قائمة الأدوات التي اخترعها الإنسان لتوسيع قدرته على الفعل، كما لم يعد شأنًا محصورًا في المختبرات العلمية أو شركات التكنولوجيا الكبرى. لقد بدأ يتسلل إلى البنية العميقة للحياة المعاصرة، إلى التعليم والطب والهندسة والاقتصاد والفلك والعلوم الإنسانية، وإلى الطريقة التي نبحث بها عن المعلومة، ونحلل بها الظاهرة، ونبني بها الفرضية، ونختبر بها النتائج.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل أصبح: ماذا سيحدث للإنسان وللمعرفة عندما تدخل الآلة إلى قلب عملية التفكير نفسها؟ هنا يبدأ التحول الفلسفي. في هذا اللقاء نحاول ان نجعل هذا المشكل محور حديثنا في هذا اللقاء الفكري. فذا ما عدنا الى التاريخ العلمي للإنسان ومسيرته الطويلة سوف نجد انه في جانب منه، تاريخ توسيع أدواته في انتقاله من الموقف الطبيعي، اذ اخترع الإنسان المجهر لكي يرى ما لا تراه العين، والتلسكوب لكي يتجاوز حدود النظر الأرضي، والحاسوب لكي يسرّع الحساب، وشبكات الاتصال لكي يختصر المسافة بين العقول.

لكن الملاحظ من خلال تلك المراحل أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن كثير من هذه الأدوات؛ لأنه لا يكتفي بتوسيع القدرة على الرؤية أو الحساب، وإنما يدخل إلى منطقة كانت تُعدّ طويلًا من أكثر المناطق التصاقًا بالإنسان: (التحليل، والتصنيف، والاستنتاج، والتنبؤ، وتوليد النصوص والصور والنماذج والفرضيات). التي كانت من اهم مهام الانسان. وهذا يجعلنا ازاء سؤال مهم، إذا كانت الأدوات السابقة تمدد حواس الإنسان وعضلاته، فهل يمثل الذكاء الاصطناعي تمديدًا لبعض وظائف العقل؟ كما وجدنا في تحول الانسان من الموقف الطبيعي ؛ من الضروري هنا التأكيد ليس المقصود بذلك أن الآلة أصبحت إنسانًا، ولا أن الذكاء الاصطناعي يمتلك بالضرورة وعيًا أو قصدية أو تجربة ذاتية مماثلة للإنسان؛ فهذه قضايا فلسفية وعلمية لا تزال مفتوحة. لكن المؤكد أن الحدود التقليدية بين الأداة والفاعل المعرفي أصبحت أكثر تعقيدًا. فالآلة لم تعد مجرد وعاء يحفظ ما يعرفه الإنسان، بل أصبحت قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، واكتشاف أنماط يصعب على الباحث رؤيتها مباشرة، والمساعدة في بناء نماذج وتوقعات واقتراح مسارات بحثية جديدة. ومن هنا تتضح أهميته في العصر الراهن. في حقول متنوعة وتحقق اضافة نوعية مثل : في الطب، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في تحليل الصور الطبية، واكتشاف أنماط مرضية، ودعم التشخيص، وتحليل البيانات السريرية، والمساهمة في تطوير الأدوية. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا أخلاقيًا بالغ الأهمية: هل يمكن أن نترك القرار الطبي للخوارزمية؟ الجواب لا يمكن أن يكون تقنيًا فقط؛ لأن الطب ليس مجرد مطابقة بيانات، وإنما علاقة إنسانية تتضمن المسؤولية والثقة والرحمة وفهم خصوصية المريض. وهذا يدخلنا الى حقل اخلاقيات البيوتقيا التي تعمل على توظيف وتحليل وتفسير ومقارنة وتأويل وافتراض العديد من الأسئلة المتعلقة بذات الجانب فالجينات الوراثية والقتل الرحيم وأبحاث الخلايا الجذعية وتأجير الأرحام والحيامن والهندسة الوراثية والاستنساخ البشري وغيرها من الأفكار تعد المادة الأساسية في الأخلاق التطبيقية في المجال البيوتيقي.

لكن نعود الى موضوعنا باستعراض المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي اذ في العلوم الطبيعية، يفتح الذكاء الاصطناعي إمكانات واسعة لتحليل البيانات والنمذجة والمحاكاة والتنبؤ. فالعالم المعاصر ينتج بيانات علمية تفوق قدرة الباحث الفرد والمؤسسة التقليدية على معالجتها بالوسائل القديمة. وهنا تصبح الخوارزمية وسيلة لعبور فائض البيانات إلى مستوى من التنظيم يسمح باكتشاف علاقات جديدة.

لكن هذه المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي تجعلنا ازاء مفارقة؛ اذ كلما ازدادت قدرتنا على معالجة البيانات، ازدادت حاجتنا إلى السؤال عن معنى البيانات. فالآلة تستطيع أن تجد علاقة بين متغيرين، لكنها لا تجعل العلاقة بالضرورة تفسيرًا سببيًا. وقد تنتج نتيجة دقيقة حسابيًا لكنها خاطئة علميًا إذا كانت البيانات منحازة أو كان النموذج غير ملائم للسؤال. وهي مفارقة مهمة تظهر في الكثير من النتائج، لكن نعود الى المهام ولا اريد ان اجعل الاستطرادات الجانبية محور حديثنا حتى لا يتفرع .

اذ نجد الذكاء الاصطناعي يقدم خدماته في الهندسة، يساعد الذكاء الاصطناعي على التصميم والمحاكاة وتحسين الأداء واكتشاف الأعطال، وقد أصبح قادرًا على اقتراح حلول تتجاوز أحيانًا التصورات الأولية للباحث. وهنا لا تعود الآلة مجرد منفذ لأفكار المهندس، بل يمكن أن تصبح طرفًا في عملية توليد البدائل. غير أن كثرة البدائل لا تعني بالضرورة جودة القرار؛ فالاختيار يظل فعلًا إنسانيًا، لأن السؤال ليس فقط: ما الحل الأكثر كفاءة؟ وإنما: أي كفاءة نريد؟ ولأي غاية؟ ولصالح من؟ وهو امر سوف نتركه الى الحوارات التي ممكن تحدث اضافات مفيدة وتوسع من الفائدة المرجوة من هذه المحاضرة.

أما المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي في علوم الفضاء والفلك، فإن حجم البيانات القادمة من التلسكوبات والمراصد الحديثة يجعل الذكاء الاصطناعي أداة شديدة الأهمية في اكتشاف الأنماط وتصنيف الأجرام وتحليل الإشارات وبناء النماذج. هنا تتسع العلاقة بين الإنسان والكون: الإنسان لا يرى الكون مباشرة، وإنما يمر إلى كثير من أسراره عبر أجهزة وبيانات ونماذج، والذكاء الاصطناعي يصبح طبقة جديدة بين الملاحظة والتفسير. فالمهام كبيرة والاحاطة بها ليس بالأمر السهل بل هي كبيرة، ولعل النتائج التي ظهرت اخيرا جعلت المهمة ناجحة وفعالة.

وفي العلوم الاجتماعية والإنسانية، تبرز إمكانات أخرى أكثر حساسية. يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل ملايين الوثائق، ومقارنة النصوص، وتتبع المفاهيم عبر العصور، واكتشاف الأنماط في الخطاب، والمساعدة في بناء خرائط للمفاهيم والاتجاهات الفكرية. ويمكن للباحث في التاريخ أن يستفيد منه في تنظيم الأرشيفات الضخمة، وللباحث في اللغة أن يستخدمه في تحليل المدونات، وللباحث في الفلسفة أن يستعين به في المقارنة بين المفاهيم والمدارس والنصوص. لكن هنا ينبغي أن نتوقف قليلًا؛ لأنه يتعلق بنا في حقل الفلسفة والعلوم الانسانية، فالآلة قد تساعدنا في قراءة النص، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تأويله. وقد تستطيع مقارنة آلاف الكلمات، لكنها لا تختصر التاريخ الذي جعل الكلمة ممكنة، ولا التجربة الإنسانية التي منحتها معناها. ولذلك فإن الخطر لا يكمن في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في تحويله من أداة توسع أفق الباحث إلى سلطة تُغلق أفقه. وهذا يقودنا إلى قضية التعليم. لقد كان التعليم التقليدي قائمًا إلى حد كبير على امتلاك المعلومة واسترجاعها. أما في عصر الذكاء الاصطناعي فإن قيمة التعليم لا ينبغي أن تقاس بكمية المعلومات التي يستطيع الطالب حفظها، لأن الآلة أصبحت قادرة على استرجاع كم هائل من المعلومات خلال لحظات. ومن ثم ينتقل مركز الثقل من امتلاك الإجابة إلى امتلاك القدرة على السؤال.

وهو امر حيوي ويعود بنا الى اشكال التعليم المطلوب اليوم وهذه ليست مسألة تقنية، بل انقلاب في فلسفة التعليم. فالطالب الذي يسأل سؤالًا جيدًا، ويميز بين الفرضية والحقيقة، ويفحص المصدر، ويكتشف التناقض، ويعرف حدود النموذج، ويستطيع بناء حجة مستقلة، سيكون أكثر قدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي من الطالب الذي يحفظ المعلومات دون أن يعرف كيف يفكر بها.

ومن هنا يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي قد يدفع التعليم، إلى العودة إلى جوهره القديم" تكوين العقل لا حشو الذاكرة". غير أن هذا الاحتمال الإيجابي يواجه خطرًا آخر هو الكسل المعرفي. فإذا أصبحت الآلة تكتب وتلخص وتحلل وتقترح، فقد يميل الإنسان إلى تسليمها الوظائف التي كان ينبغي أن تنمي قدرته العقلية. وهنا تظهر مفارقة العصر: الأداة التي يمكن أن تجعل الإنسان أكثر قدرة قد تجعله، إذا أسيء استخدامها، أقل قدرة. اذ كان يحاول جعل الذكاء الاصطناعي ان يقوم بالمهام بدل عنه في الوقت الذي وجدنا به اليوم يستطيع إنسان واحد، بأدوات لم تكن موجودة قبل سنوات، أن ينجز أعمالًا كانت تحتاج سابقًا إلى فريق كامل. ويستطيع الباحث استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل المعرفة والمساعدة في بناء الفرضيات. ويستطيع المهندس تسريع بعض مراحل التصميم. ويستطيع المبرمج بناء أنظمة بصورة أسرع. ويستطيع صاحب المشروع تحليل بياناته واتخاذ قرارات أفضل.لكن الأداة نفسها لا تصنع النهضة وحدها. لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يضاعف القدرة… ولا يمنح صاحبه بالضرورة الأمانة. بمعنى ان الآلة تستطيع أن تختصر الطريق، لكنها لا تضمن أن الإنسان استفاد من الرحلة. ولهذا ينبغي التمييز بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والتنازل له عن الفعل العقلي. الأول توسيع للقدرة، أما الثاني فهو إضعاف لها. الأول يجعل الآلة شريكًا في البحث، أما الثاني فيجعل الإنسان تابعًا لنتائجها.

وتظهر المسألة بصورة أوضح في البحث العلمي. فالذكاء الاصطناعي قادر على تسريع مراجعة الأدبيات، وتنظيم البيانات، واقتراح الفرضيات، ومحاكاة السيناريوهات، وتحليل النتائج. لكن العلم لا يتقدم بالسرعة وحدها. إنه يتقدم أيضًا بالشك، والاعتراض، والتجربة، وفشل الفرضيات، والقدرة على القول: ربما نكون مخطئين. بمعنى ان الانسان له دور كبير لايمكن اهماله في سياق صناعة النهضة العلمية والاجتماعي.

ومن هنا فإن مستقبل البحث العلمي لن يكون، على الأرجح، صراعًا بين الإنسان والآلة بقدر ما سيكون إعادة توزيع للأدوار بينهما. الآلة تتفوق في السرعة والحساب ومعالجة الكميات الهائلة من البيانات؛ والإنسان يظل مسؤولًا عن صياغة الغاية، وتحديد قيمة السؤال، وفهم السياق، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية عن النتائج.

لكن ثمة اعتراضًا لا يمكن تجاهله: ماذا لو أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر استقلالًا وقدرة؟ ألن يؤدي ذلك إلى تراجع الدور الإنساني؟

ربما يكون هذا السؤال مشروعًا، لكنه يختزل القضية في ثنائية غير دقيقة: إنسان مقابل آلة. المسألة الأعمق ليست من سينتصر، وإنما أي علاقة سنبني بين الطرفين؟

فالإنسان هو الذي يحدد البنية الاجتماعية التي تستخدم فيها التكنولوجيا، وهو الذي يقرر أين توضع الخوارزمية، ومن يمتلكها، ومن يراقبها، ومن يتحمل نتائجها. ولذلك فإن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده، وإنما في السلطة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي. وهو امر سابق على الذكاء الاصطناعي اقصد العلاقة مع الالة فقد ظهرت مباحث كثيرة في هذا الحقل خصوصا مع مدرسة فرانكفورت وما تم تناوله من علاقة مع الاله وهذا الامر نستطيع ان نجعل الذكاء الاصطناعي جزء منه أي انه ليس بالجزء الجديد بل تفرع مهم فقد تكون الخوارزمية محايدة في صيغتها الرياضية، لكن البيانات التي تتعلم منها قد تكون منحازة، والمؤسسة التي تستخدمها قد تكون منحازة، والغاية التي توجهها قد تكون منحازة. ولهذا فإن أخطر سؤال ليس: هل الذكاء الاصطناعي ذكي؟ بل: من يضع له السؤال؟ ومن يملك حق استخدام جوابه؟ وهذا واضح في الاحداث الاخيرة المنطق وما رافقها من توظيف للممكنات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي انه الانسان.

وهنا نصل إلى البعد الأخلاقي. لا يمكن بناء مستقبل الذكاء الاصطناعي بالاعتماد على الكفاءة التقنية وحدها. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا ازدادت الحاجة إلى الأخلاق. إن نظامًا قادرًا على التنبؤ بالسلوك يمكن أن يساعد في حماية المجتمع، لكنه يمكن أيضًا أن يتحول إلى أداة للمراقبة. ونظامًا قادرًا على تحليل المعلومات يمكن أن يساعد الباحث، لكنه يمكن أيضًا أن يسهم في إنتاج التضليل. وأداة قادرة على توليد المحتوى يمكن أن توسع الإبداع، لكنها تستطيع أيضًا أن تجعل الكذب أكثر سرعة وانتشارًا.

لذلك فإن التقدم التقني لا ينبغي أن يقاس فقط بما تستطيع الآلة أن تفعله، بل بما ينبغي لها أن تفعله. وهذه هي النقطة التي ينتقل فيها النقاش من التكنولوجيا إلى الفلسفة. وهو الحق التي ابدع فيه الفلاسفة من تقديم رؤية معمقة للموضوع، وفي نفس السياق تأتي هذه المحاضرة في قسم الفلسفة اذ يمكن لنا التأكيد على ان الذكاء الاصطناعي يكشف أن الإنسان لم يعد يعيش فقط في عالم من الأشياء، وإنما في عالم من الأنظمة الذكية التي تتوسط علاقته بالأشياء وبالآخرين وبالمعرفة نفسها. وهذا يفرض علينا إعادة التفكير في مفاهيم الحقيقة، والسلطة، والمسؤولية، والإبداع، والتعليم، والعمل، وحتى معنى الخبرة الإنسانية.

لكن ايضا ممكن القول ان أعظم أثر للذكاء الاصطناعي أنه يجبر الإنسان على إعادة اكتشاف ما هو إنساني فيه. وهو امر مهم بل حيوي، فحين تستطيع الآلة كتابة نص، نسأل: ما الذي يجعل الكتابة تجربة إنسانية؟ وحين تستطيع تحليل البيانات، نسأل: ما الذي يجعل المعرفة أكثر من مجرد معالجة للمعلومات؟ وحين تستطيع إنتاج صورة أو لحن، نسأل: هل الإبداع مجرد تركيب أم أنه يتضمن تجربة وذاكرة وقصدًا ومعنى؟ وحين تستطيع اقتراح قرار، نسأل: أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي؟ وهي اسئلة حيوية ومن مهام الفلسفة ومن الضروري مناقشتها ومحاولة استنباتها في حقول وقضايا متنوعة حتى نكون ازاء اجابات تقدم حلول للواقع وتفتح سؤال حول الممكن، وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من مجرد موضوع تقني إلى مرآة فلسفية للإنسان. إنه لا يكشف فقط ما تستطيع الآلة أن تفعله، بل يكشف أيضًا ما كنا نظنه حكرًا على الإنسان، وما ينبغي لنا أن نعيد تعريفه.

ولعل المفارقة الأجمل أن التكنولوجيا التي يخشى البعض أن تجعل الإنسان أقل إنسانية يمكن أن تدفعه، إذا أحسن استخدامها، إلى سؤال أكثر عمقًا عن إنسانيته.

إن العصر القادم لن يكون عصر الإنسان الذي يستغني عن الآلة، ولا عصر الآلة التي تستغني عن الإنسان، وإنما عصر العلاقة الجديدة بينهما. وسيكون التفوق الحقيقي للمجتمعات التي لا تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه آلة لإنتاج الأجوبة فحسب، بل بوصفه أداة لتوسيع مجال السؤال والممكن.

فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون بديلًا عن العقل، بل مجالًا جديدًا لاختبار العقل. ولا ينبغي أن يلغي الباحث، بل أن يمنحه قدرة أكبر على البحث. ولا ينبغي أن يحل محل المعلم، بل أن يدفع التعليم من تلقين المعرفة إلى صناعة القدرة على التفكير.

ولا ينبغي أن يحل محل الإنسان في اتخاذ القرارات الأخلاقية، بل أن يجعل الإنسان أكثر وعيًا بمسؤوليته عنها. وفي النهاية، ليست القضية أن الآلة أصبحت ذكية، وإنما أن الإنسان أصبح مطالبًا بأن يكون أكثر وعيًا بذكائه وحدوده ومسؤوليته.

لقد كان السؤال القديم: ماذا يستطيع الإنسان أن يعرف؟ أما سؤال عصر الذكاء الاصطناعي فيمكن أن يصبح: ماذا يفعل الإنسان بالمعرفة عندما تصبح القدرة على إنتاجها أسرع من قدرته على فهم آثارها؟

وهنا تبدأ المسألة الفلسفية الحقيقية؛ لأن المستقبل لا تصنعه الآلات وحدها، بل تصنعه الطريقة التي يختار بها الإنسان أن يعبر بها من المعرفة إلى الفعل، ومن القدرة إلى المسؤولية، ومن الإمكان التقني إلى الإمكان الإنساني. فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي يفتح أبوابًا كثيرة، وإنما أن علينا أن نتعلم أي باب يستحق العبور.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

في المثقف اليوم